إيران تطرح خريطة سياسية في العراق لمعادلة الكفة مع أميركا

"قاسم سليماني جاء إلى بغداد ليعيد صياغة الشكل السياسي للحكومة المقبلة سواء بالترغيب أو الترهيب"

بعد مرور شهرين على الاحتجاجات العراقية، صوّت البرلمان العراقي على سحب الثقة من حكومة عادل عبد المهدي. وبالتزامن مع التداعيات السياسية التي يشهدها العراق، تشير الأنباء إلى وصول قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد، وأشار مراقبون إلى أن زيارته لبغداد تأتي ضمن المساعي الإيرانية لترميم الأوضاع السياسية للكتل والأحزاب الموالية لها، مؤكدين أن نفوذ طهران يتراجع كلما تورطت أكثر في الملف العراقي.

ورفع عدد من المتظاهرين شعارات تندد بالنفوذ الإيراني وتطالب بإنهائه، في وقت تدافع طهران عن نفسها باتهام الاحتجاجات بأنها تتحرك بتوجيهات أميركية، في مسعى لإثارة الاضطرابات، وبدعم مالي من دول "رجعية"، بحسب تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي. وتدرك طهران أن الاحتجاجات العراقية، تمثل تحدياً كبيراً لنفوذها، خصوصاً أنها تنطلق من المحافظات الشيعية في وسط العراق، لكنها قد تتعامل معها باستراتيجية أخرى، تتمثل بمحاولة إعادة صياغة شكل جديد للتوازنات السياسية في العراق.

"قلق" إيراني وتعويل على النجف

وبعد وصول قائد فيلق القدس إلى بغداد، قال رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، في تصريحات صحافية، الأحد 1 ديسمبر (كانون الأول)، إن "طهران ليست قلقة من الوضع في العراق"، وأضاف أن "المرجع الشيعي في العراق علي السيستاني يدير الأزمة ويسعى لحلها بشكل جيد". ولعبت إيران دوراً بارزاً في صياغة شكل العملية السياسية العراقية منذ عام 2003، خصوصاً بعد الانسحاب الأميركي عام 2011، وإعطاء شرعية قانونية للميليشيات الموالية لها بعد سيطرة تنظيم "داعش" على مدن عراقية رئيسة.

نفوذ "الجنرال"

ويرى مراقبون أن إيران قامت بتوريط العديد من القوى السياسية بمشاكل كبرى مع المجتمع العراقي بسبب قمع الاحتجاجات، بينما أشاروا إلى أن هناك انشقاقاً داخل القوى الإيرانية المؤثرة في تقرير الموقف من العراق. وقال الكاتب والصحافي سرمد الطائي، إن "نفوذ طهران بدأ بالتراجع منذ عام 2014 مقابل صعود القوات المسلحة العراقية وانحسار الخطاب الطائفي بين المكونات العراقية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف في حديث لـ"اندبندنت عربية"، "في الاحتجاجات الحالية حاولت طهران استعادة نفوذها، لكنها قامت بتوريط رئيس الحكومة بكارثة كبيرة، فضلاً عن توريطها الكثير من الجهات السياسية الأخرى، بمشاكل كبرى مع المجتمع العراقي والمحتجين". ولفت إلى أن "المعركة الآن هي بين قاسم سليماني الذي يشعر بالعجز واليأس، وبين سائق التكتك الفرح بأنه استطاع الصمود لمدة شهرين، وقام من خلال هذا الصمود بتغيير الحكومة ومعايير وقواعد اللعبة السياسية"، مبيناً أن "نفوذ طهران يتراجع كلما تورطت أكثر في الملف العراقي".

حلفاء "سليماني" ولحظة "الانكسار"

وعن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني بغداد، أوضح الطائي أن "سليماني لا يريد إنشاء كتلة كبرى الآن، وحلمه أقل من ذلك، بمحاولة جعل من تبقى من حلفائه صامدين إزاء الحركة الاحتجاجية، بعد تراجع عبد المهدي". وتابع أن "قائد فيلق القدس جاء ليقيس من بقي من حلفائه قادراً على الصمود بوجه المحتجين، سواء حلفاء البرلمان والصفقات السياسية الفاسدة داخله، أم الحلفاء القناصون وحاملو البنادق".

وبين أن "الإيرانيين في حيرة من أمرهم، بين أن يشعلوا ناراً كبيرة في العراق كي لا يفقدوا نفوذهم، تحت شعار (عراق محترق أفضل من عراق مستقل)، وبين أنهم مستفيدون من العراق وإن كان مستقلاً ذي سيادة، فهو جار يتبادلون معه التجارة وقضايا أخرى اقتصادية ودينية وسياسية بالقدر المعقول".

وختم بالقول إن "هناك انشقاقاً بين الإيرانيين في تقرير الموقف من العراق، بعض الساسة يفكرون بالتكيّف مع اللحظة العراقية الراهنة، والبعض الآخر يرى غير ذلك، لكن ليس كل شيء بيد سليماني الآن، إذ أصبح للقضية بعد دولي واضح".

استثمار سياسي يتراجع

وقد "تحاول طهران اللعب على مسألة صناعة التوازنات السياسية مرة أخرى، من خلال لملمة وضع حلفائها في مجلس النواب، والضغط على الكتل السياسية للخروج بتشكيلة وزارية من حلفائها. لكن الغضب الجماهيري وتحميل المجتمع العراقي أطرافاً موالية لطهران مسؤولية مقتل وجرح آلاف المحتجين، سيكون سداً منيعاً أمام إعادة إنتاج تلك القوى مرة أخرى"، بحسب مراقبين.

في المقابل، يرى المحلل السياسي باسل حسين، أن "طهران تشعر بخسارة استثمار عمره 16 سنة، لكنها تحاول إدارة التغيير والسيطرة على مخرجاته الآن من خلال أدواتها السياسية في الداخل العراقي".

وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، أن "إيران تحاول التأثير في النمط السياسي من خلال التوصل إلى تفاهمات سياسية، لإعادة إنتاج نفسها مرة أخرى"، كاشفاً أن "قاسم سليماني جاء إلى بغداد ليعيد صياغة الشكل السياسي للحكومة المقبلة، سواء بالترغيب أو الترهيب، لكن بعد كل الضحايا والدماء التي قدمها المحتجون، لن يكون مؤثراً بالدرجة ذاتها، ولن يستطيع إعادة صناعة القواعد القديمة".

وعن الضغط الإيراني على الكتل البرلمانية السنية، أوضح حسين أن "طهران تعول على وجود الميليشيات الموالية لها في الجغرافيا السنية، للضغط على القيادات السياسية لتلك المناطق".

توازنات سياسية جديدة

من جانبه، قال المحلل السياسي جاسم الموسوي في تصريح لـ "اندبندنت عربية"، إن "إيران تعتبر العراق عمقاً استراتيجياً، وهذه التظاهرات في الجغرافيا الشيعية على سلوك قادتها كان مفاجئاً لها"، مؤكداً أنها "ستعمل على تخفيف الضغط على صناعة القرار السياسي العراقي".

وأشار إلى أن "السياسة الإيرانية إزاء العراق لن تعود كما كانت قبل الاحتجاجات، وتحديداً بعد أحداث الناصرية والنجف في عمق الأراضي الشيعية"، ولفت إلى أن "وجود سليماني ليس فقط لترتيب أوراق حلفائه السياسيين، بل لكيفية معالجة الانهيار الحاصل في الكتلة الاجتماعية العراقية، التي تحتج على سلوك القوى السياسية الشيعية".

وبين أن "طهران ستحاول التهدئة ورسم خريطة سياسية جديدة لمعادلة الكفة بينها وبين الولايات المتحدة وخلق التوازنات مرة أخرى".

المزيد من العالم العربي