لماذا تلعب رئيسة تحرير مجلة "فوغ" دوراً حيوياً في صناعة الأزياء؟

"إنها باختصار الرئيسة التنفيذية لعالم الموضة"

صورة مركبة لعملاقة الموضة الدولية آنا وينتور مع ملكة بريطانيا (غيتي) 

عندما يتعلق الأمر بعمالقة صناعة الأزياء، فهناك أسماء قليلة تحظى بالاحترام والشهرة بنفس الدرجة التي تتمتع بها آنا وينتور. رئيسة تحرير مجلة "فوغ" الأميركية معروفة جداً لدرجة أنه تم تقديمها في القصص المتخيلة، وتعرضت إلى السخرية ووصلت إلى مرتبة الأيقونة.

واحتفاء بعيد ميلاد وينتور في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، نلقي نظرة على بعض أعظم إنجازات رئيسة التحرير ونتمعن في السبب الذي جعلها الشخصية الأكثر نفوذاً والألمع في صناعة الأزياء.

تنحدر آنا وينتور المولودة في لندن عام 1949، من أسرة إعلامية. فهي الإبنة البكر للراحل تشارلز وينتور، الذي كان رئيس تحرير صحيفة إيفنينغ ستاندارد في ستينيات القرن الماضي، ويعتبر إلى حد كبير أحد الصحافيين البريطانيين الأشهر في ذلك الوقت. أما شقيق وينتور الأصغر، باتريك، فهو صحافي أيضاً ويعمل حالياً محررا دبلوماسيا في صحيفة الغارديان. لديها كذلك ثلاثة أشقاء آخرين، نورا، جيمس،  والراحل جيرالد، الذين توفي في حادث مروري عندما كان طفلاً.

التحقت وينتور بمدرسة نورث لندن الجامعية في ستانمور، ولكنها غادرت مقاعد الدراسة في سن السادسة عشرة. وسرعان ما حصلت على وظيفة في متجر بيبا للأزياء الذي كان ذائع الصيت في الستينيات في لندن،  قبل أن تكمل برنامجاً تدريبياً في متاجر هارودز وتحصل على وظيفة دائمة كمحررة مساعدة في مجلة هاربرز آند كوين، المعروفة حالياً باسم هاربرز بازار. في عام 1975 ، انتقلت وينتور إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي لتصبح محررة مبتدئة في قسم الأزياء في مجلة هاربرز بازار في الولايات المتحدة، حيث بقيت لعدة سنوات، وواصلت سعيها وعملت في مجلات لم يبق لها أثر في يومنا هذا، بما في ذلك فيفا وسافي حتى بدايات مرحلة الثمانينيات.

بعد فترة قصيرة من عملها كمحررة للأزياء في مجلة نيويورك، تم البحث عن وينتور لإسناد وظيفة مديرة قسم الإبداع في مجلة فوغ الأميركية إليها. وفي عام 1985، عادت وينتور إلى  بريطانيا وعُينت رئيسة تحرير فوغ.  لكن طبيعتها الفجة وعدم صبرها تجاه الأشخاص الحمقى، أدت إلى حصولها على لقب "وينتور النووية" في إشارة إلى فترة التبريد المناخي الطويلة التي تعقب الحرب النووية.

عادت وينتور إلى نيويورك بعدما أمضت عامين في نسخة المملكة المتحدة من المجلة، وبعد فترة قصيرة من عملها في مجلة هاوس آند غاردن، تم تعيينها رئيسة تحرير مجلة فوغ الأميركية، لتخلف غريس ميرابيلا.

يعود الفضل إلى وينتور في إحداث ثورة في صناعة الأزياء منذ أن صدرت أول نسخة من مجلة فوغ تحت إشرافها.  فمجموعة الملابس غير الرسمية المكونة من سروال جينز من ماركة غيس وكنزة من تصميم كريستيان لاكروا مرصعة بالحجارة التي كانت ترتديها نجمة الغلاف، عارضة الأزياء الإسرائيلية ميكايلا بيركو، كانت مدهشة جداً بالنسبة لتلك الصناعة في الوقت الذي كانت فيه فساتين السهرة الجذابة هي المسيطرة على أكشاك بيع الصحف. في الواقع، كانت الصورة شاذة لدرجة أن المطابع قد أعادت الملفات، مفترضة حدوث خطأ ما في المكتب وأن الغلاف كان غلطة، لكن من الواضح أن وينتور كان لديها هدف ما، ساعية إلى استعادة أعداد المشتركين في مجلة فوغ، وزيادة الإعلانات وإنتاج إصدارات ستكون من بين أضخم المجلات في التاريخ. على سبيل المثال، بلغ عدد صفحات نسخة سبتمبر (أيلول) عام 2012 بشكل مذهل 914 صفحة. وقد تمت الإشادة بـ وينتر أيضاً لأنها كانت سباقة في اتخاذ خطوة استقدام شخصيات من خارج عالم الموضة إلى صفحات المجلة، مع ظهور المشاهير والسياسيين والرياضيين على أغلفة فوغ تحت إدارتها المستمرة منذ 31 عاماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في نقاش حديث مع مجلة نيويورك حول كيف تقوم الشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي بتغيير صناعة الأزياء، وصفت وينتور مجلة ’فوغ’ بأنها "أكبر مؤثر بين الجميع". على الرغم من أن الكثيرين في الصناعة سيقولون الشيء نفسه عنها. فعندما تدعم وينتور شخصاً ما أو شيئاً ما، يعير الناس اهتمامهم إليه، وهذا هو السبب في أن فوغ خلال فترة قيادتها أصبحت بمثابة محك ثقافي للأشخاص العاملين في صناعة الأزياء.

تقول سيسانغيث داسواني، رئيسة قسم استشارات الأزياء في خدمة ستايلس الخبيرة بتحليل الاتجاهات السائدة: "لقد أصبحت وينتور قوة ثقافية... جعلها موقعها الطويل في فوغ تلعب دوراً أساسياً على جبهة المواهب،  وغالباً ما تقوم هي بانتقاء المصمم الذي سيصبح سائداً في المرحلة المقبلة. إنها عامل قوة لا يتزعزع، وتساعد باستمرار في وضع أسماء جديدة على الخريطة وإعادة تعريف الشخصية الأيقونية."

ويتفق المتنبؤون بالاتجاهات مع هذا الكلام، حيث تقول فرانشيسكا مستون، مديرة الأزياء في شركة "ورث غلوبال ستايل نيتوورك" موضحة أن إبداع وينتور لا مثيل له. قائلة: "في كثير من الأحيان، يكون ظهور اتجاه جديد نتيجة عمل فريق مبدع بالكامل،  و وينتور هي أستاذة متمرسة في جمع الأشخاص المناسبين معاً لإنشاء صور تتحدانا وتلهمنا."

وبصفتها أمينة في متحف متروبوليتان في نيويورك، تتصدر وينتور أيضاً حفل "مِت غالا" السنوي، الذي يشهد اجتماع المشاهير من جميع أنحاء العالم للاحتفال بافتتاح معرض الأزياء السنوي للمتحف، ويرتدون الأزياء التي تتماشى مع موضوع الحفل. في عام 2014، تم تغيير اسم قسم الأزياء في المتحف ليصبح "معهد آنا وينتور للأزياء" تكريماً لعملها. كما تم تعيينها أيضاً مديرة فنية في شركة كوندي ناست الإعلامية التي تصدر عنها مجلة فوغ في عام 2013،  وحصلت على لقب "ديم" الشرفي في عام 2017 بسبب خدماتها في مجال الأزياء والصحافة.

أصبحت وينتور مشهورة بفضل عملها وبفضل مظهرها المميز على حد سواء. حيث تتكون إطلالتها من شعر بني اللون قصير ومسرّح بطريقة باتت علامة فارقة، وقد اختارت قصة الشعر تلك منذ كانت مراهقة، وفساتين تغطي الركبة من خياطة مصممي الأزياء، وأحذية المصمم الإسباني مانولو بلانيك المفتوحة من الخلف، و نظارات شمسية داكنة، ويبدو أن لا أحد كان يتمتع بإطلالة منافسة من حيث خصوصيتها سوى المصمم الراحل كارل لاغرفيلد. تشتهر وينتور أيضاً بارتداء نظاراتها الشمسية الضخمة في الداخل أيضاً، وقالت لشبكة سي اِن اِن: "إنها مفيدة بشكل لا يصدق، حيث يمكنك أن تتجنب معرفة الناس بما تفكر فيه"، كما أنها تساعدها في تغطية عينيها عندما تبدو مرهقة.

لم تكن مسيرة وينتور المهنية خالية من إثارة الجدل. في عام 2003 ، كتبت إحدى مساعداتها السابقات، لورين ويسبرغر، سرداً خيالياً للوقت الذي أمضته في فوغ، في كتاب "الشيطان يرتدي برادا"، الذي تحول إلى فيلم مشهور قامت ببطولته ميريل ستريب في دور ميراندا بريستلي، التي صُممت شخصيتها انطلاقاً من شخصية وينتور. ورغم حقيقة أن الشخصية سخرت من الصور النمطية المبنية على شخص وينتور - حيث أجبرت ميراندا المصممين على إعادة تشكيل مجموعاتهم بالكامل، وطالبت موظفيها بأمور مستحيلة وعاقبتهم على ارتداء ملابس رخيصة -  فإن وينتور استفادت من كل تلك الأمور، حتى أنها ارتدت ملابس من ماركة برادا لحضور العرض الافتتاحي للفيلم عام 2006. حتى يومنا هذا، تستمتع وينتور بمشاهدة المقاطع التي تصور بها ويزبرغر مجلة فوغ، مثلما حدث عندما شاركت في سلسلة سؤال وجواب المحبوبة التي تحمل اسم "73 سؤالاً"، وأعادت تكوين بعض أشهر مشاهد الفيلم.

في حين يواجه كثيرون صعوبة في تجاوز نموذج ميراندا بريستلي، يعتقد أولئك العاملون في هذه الصناعة أن وينتور قوة طبيعية، ولم تكن لتجذب نفس المستوى من النقد لو أنها كانت رجلاً. تقول أليكس لونغمور أخصائية أزياء المشاهير: "على الرغم من شخصيتها القاسية المشهورة، فقد كانت آنا دائماً تشجع الشباب في هذه الصناعة بشكل كبير، وخاصة المصممين... إنها مهتمة حتى بأقل الوظائف شأناً." تؤيد فرانشيسكا مستون، مديرة الأزياء في شركة "ورث غلوبال ستايل نيتوورك" ذلك، مضيفة: " جزء كبير من السلبية التي تحيط بها ناجم عن عدم مساومتها على أخلاقيات العمل، لكنها في الواقع ترعى المبتكرين الشباب بطريقة رائعة، وتضمن حصولهم على المنبر الصحيح لتحقيق النجاح."

تكهن المطلعون على الصناعة منذ فترة طويلة بأن عهد وينتور في فوغ سينتهي، لكن الشائعات تراجعت في العام الماضي في أعقاب مغادرة غريدون كارتر منصب رئيس تحرير مجلة "فانيتي فير" ووفاة سي نيوهاوس رئيس مجلس إدارة شركة كوندي ناست. وصلت التكهنات إلى مستويات عالية لدرجة أن الرئيس التنفيذي آنذاك لشركة النشر، بوب سويربرغ، أصدر بياناً يوضح فيه أن وينتور "جزء لا يتجزأ" من الشركة وستواصل العمل فيها "إلى أجل غير مسمى". ومع ذلك، يفترض المرء أنها ستتنحى في النهاية. وعندما تفعل ذلك، فإن البصمة التي تركتها في الصناعة ستواصل تقدمها لسنوات قادمة.

© The Independent

المزيد من فنون وأضواء