السوريالي مان راي اكتشف بالكاميرا... سر الجمال الأنثوي

معرض فرنسي يبرز تجديده فن البورتريه برفقة عارضات أزياء

وجه أنثوي بكاميرا مان راي (موقع المعرض)

فنّ الأزياء ليس هامشياً، كما يظن بعضهم. إنه فنّ يعكس سلوك الناس ويسائل طريقة حضورهم في العالم. هذا ما يتجلى بقوة في معرض الفنان السورّيالي الأميركي مان راي (1890 ــ 1976) الذي ينظّمه حالياً متحف "كانتيني" في مرسيليا تحت عنوان "مان راي وفن الأزياء". معرضٌ تكمن قيمته في تسليطه الضوء على جانب مجهول من عمل هذا العملاق، أي نشاطه كمصوّر بورتريه ثوّر فن تصوير عارضات الأزياء عبر منحه بعداً تجريبياً وتوظيفه فيه ابتكارات تقنية وحرّية شكلية استقاها من فنون المسرح والطلائع التشكيلية.

وفعلاً، حين غادر مان راي نيويورك عام 1921 واستقرّ في باريس، كان عليه أن يكسب قوته، ولذلك اشتغل كمصوِّر في مجلتيّ "فوغ" وفانيتي فير" الفرنسيتين، وفي مجلة هاربرز بازار" الأميركية، بموازاة مشاركته في نشاطات الحركة السورّيالية. عملٌ استحدث خلاله تقنيات تصوير مختلفة وجديدة، كإعادة التأطير، والتلاعب بالأضواء والظلال، وتعريض الصور للضوء أثناء تظهيرها، والتلوين والتقطيع والتنضيد... تقنيات ساهمت في خلق صورية مبتكَرة تتناغم مع زمنها التوّاق إلى الحداثة، إلى جانب تشكيلها كمّاً من الشهادات على التطوّرات التي طرأت على فن التصوير الفوتوغرافي آنذاك الذي كان مان راي أحد أبرز عباقرته. فوفقاً لأندريه بروتون، امتلك هذا الفنان "عينَ صيادٍ كبير وحسّ اللحظة الصائبة للإمساك بذلك التوازن الأكثر فراراً الذي يظهر في تعابير الوجه، بين حلمٍ وفعلٍ".

ولا شكّ في أن صحّة هذا القول هي التي تفسّر الطلبات الغزيرة التي تلقّاها مان راي في مجالَي الأزياء والإعلانات الدعائية، إلى جانب إتقانه ذلك الأسلوب الفني الذي يسهل التعرّف إليه، أسلوب المجموعة السورّيالية الذي يشحذ ويوظِّف بمهارة وفنٍّ نادرَين سلاح الفضيحة والتحريض. أسلوبٌ يتميّز بكلاسيكية مصحَّحة في التمثيل وبإروسية ملساء، ولا يلبث الفنان أن ينجب بواسطته صوراً تبتعد بسرعة عن وظيفتها التجارية لتصبح أيقونات، كما هو حال سلسلة "دموع" التي أنجزها في البداية كإعلان دعائي لمنتَج تجميلي، قبل أن تصبح التجسيد الأكثر رمزية وعبقرية لفن التصوير السورّيالي. سلسلة تعكس أيضاً الإثراء الثابت والمتبادَل بين مشاريع مان راي الفنية وتلك الناتجة من طلبيات تجارية، وتشكّل خير مثال على صواب قول بروتون الآتي: "لن ينتهي العالم بكتابٍ جميل، بل بإعلان يروّج للجحيم أو للسماء".

ولطالما أعاد مان راي استثمار عمله "التجاري" في نشاطه الفنّي البحت. هكذا نجد، على سبيل المثال، واحدة من الصور التي التقطها في "جناح الأناقة" على غلاف عدد يوليو (تموز) 1925 من مجلة "الثورة السورّيالية". وفي هذا السياق، تشكّل عارضات الأزياء الماثلات في صوره "التجارية" صدى لتلك اللواتي نراها في الصور الفنية التي عرضها بانتظام في المعارض الدولية للحركة السورّيالية. ففي الحالتين، تلغي صورية عارضة الأزياء ووضعيات جسدها المستثمَر كتميمة، ما كان يفصل في السابق بين صورة تجارية وصورة فنية.

وبالتالي، لم تؤذ التنازلات التي قدّمها مان راي في نشاطه "التجاري" حسّه الابتكاري، لعدم مساسها أبداً بهاجس القيمة الفنية الذي نستشفّه في كل ما أنجزه. فماثل رفاقه الدادائيين والسورّياليين الذين سعوا إلى ربط الفن بالحياة، سعى هو إلى ربط الفن بـ "الموضة" ونجح في ذلك، مثله مثل فنانين كثر آنذاك كانوا مقتنعين بوجود روابط وثيقة بين عالم الفن وعالم الأزياء. فمن منطلق هذه القناعة كانت الفساتين ــ القصائد التي ابتكرتها سونيا دولوناي مع تريستان تزارا، وكان عمل سلفادور دالي مع مصمِّمة الأزياء الشهيرة غابرييل شانيل، وعمل ماغريت مع دار "نورين" للأزياء. أمثلة تبيّن كيف تمكّن السورّياليون في مطلع العشرينات من تفجير الحدود التي كانت تفصل مختلف الميادين الفنية عن بعضها بعضاً ومن مدّ جسورٍ مثيرة بينها.

لكن قبل أي فنانٍ آخر، تمكّن مان راي من تثوير طريقة تصوير عارضات الأزياء عبر تحريره من البعد التوثيقي وإلقائه نظرة جديدة على الأنوثة يختلط فيها الواقع بالخيال، ولجوئه إلى اختبارات تقنية ساهمت في مد صوره بطابع حُلُمي يعزّز سلطة المرأة وفتنتها، ويمجّدهما. ومع ذلك، لا يسعنا عدم إدراج ابتكاريته التقنية والحرية التي تمتّع بها ضمن مرحلة تاريخية ــ العشرينات ــ شهدت انبثاق "الرؤية الجديدة"، وهي حركة فنية فوتوغرافية سجّلت قطيعة مع قوانين التصوير التي كانت معتمدة حتى ذلك الحين وتقاسمت مع الفنان قلبه فنّ الرئاية واعتماده زوايا نظر جريئة وغير معهودة سهّلها تصغير حجم آلات التصوير.

لا يسعنا أيضاً عدم استحضار ما اكتسبه مان راي خلال مرحلته الدادائية في نيويورك، التي تسبق انخراطه في الحركة السورّيالية، ونقصد تحرّره الباكر من واجب احترام القيَم المعتمَدة وتقنيات التعبير التقليدية. مرحلة يتبيّن أثرها العميق في دعوته الفنانين، في العدد الثالث من مجلة "مينوتور"، عام 1933، إلى "فتح عيونهم على اللامرئي، غير مكترثين لسخرية الآخرين وسلوك الآداب والهاجس الجمالي"، كما يتبيّن أثرها في عدد مهم من الصور التي زاوج فيها تقنية الاختطاف (détournement) الدادائية ــ مصدر قطعة الفن الجاهزة سلفاً (ready-made) ــ بمفهوم تداعي الأفكار السورّيالي. مزاوجة أصبحت فيها ورقةٌ مرمية في سلّة المهملات، على سبيل المثال، موضوعاً فوتوغرافياً له عام 1919، ثم غطاءَ مصباحٍ (abat-jour) في الستينات، فقرطاً وضعته الممثلة كاترين دونوف في أذنها أثناء التقاط الفنان سلسلة من البورتريهات لها.

باختصار، بسعيه مثل رفاقه السورّياليين إلى الإمساك باللحظة السورّيالية داخل الواقع نفسه، كشف مان راي هذا الواقع داخل ظرفٍ آخر، مجبراً الجمهور إلى إعادة النظر بطبيعته ودلالاته.

المزيد من ثقافة