بعد شهرين من قرار ترمب... لا موعد لانسحاب القوات الأميركية من سوريا

خيبة أمل أميركية من تركيا و"البنتاغون" يحذر من شبكات سرية لـ"داعش"

مسلحون من المعارضة السورية تدعمهم تركيا قرب مدينة تل أبيض السورية الحدودية (رويترز)

بعد أقل من شهرين على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من شمال شرقي سوريا، لا يزال نحو 500 جندي أميركي في المنطقة، بينما عبّر قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكينزي عن خيبة أمله حيال الممارسات التركية، مؤكداً عدم وجود موعد محدد لخروج قواته من سوريا، حيث تواصل الولايات المتحدة حربها جنباً إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضد فلول وعناصر تنظيم "داعش"، الذين قتلت عدداً منهم قبل أسبوع، لكن تقريراً أصدره المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، رسم صورةً شبه قاتمة للوضع، إذ رجّح "قدرة داعش على إنشاء شبكات سرية، وإعادة تنظيم صفوفه وشن هجمات إرهابية من جديد ضد الغرب، مستغلاً الاضطراب الذي سبّبه الغزو التركي للمنطقة".
 

لمَن الأولوية؟

وفق أوامر ترمب، ستتمركز القوات الأميركية بالأساس في محافظة دير الزور السورية لحماية الحقول الغنية بالنفط، إلاّ أنّ "البنتاغون" يصر على أن مهمة حماية حقول النفط ليست سوى جزء من حملة أوسع لهزيمة التنظيمات الإرهابية.
وعلى الرغم من الاضطراب الذي سبّبه الغزو التركي لشمال سوريا، فإن الجنرال ماكينزي عبّر في لقاء مع مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، عن ثقته بقدرة التحالف الدولي ضد "داعش" على اصطياد مَن تبقّى من عناصر التنظيم الإرهابي في مواقعهم المحدودة المبعثرة في سوريا والعراق، مؤكداً أن "قتل أبو بكر البغدادي في الغارة التي شنتها القوات الأميركية الشهر الماضي قطعت رأس التنظيم"، وأن التحالف الدولي مستمر بجهوده لاصطياد أبو إبراهيم الهاشمي القرشي الذي حل محل البغدادي في قيادة "داعش".


"البنتاغون" يحذر

إلاّ أنّ تقريراً صدر قبل أيام عن مكتب المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية الذي يُعدّ بمثابة هيئة رقابية، توقّع أن يستغل "داعش" حالة الفوضى التي نجمت عن الغزو التركي، فضلاً عن الانسحاب الجزئي للقوات الأميركية، لإعادة تجميع بقاياه والتخطيط لشن عمليات إرهابية ضد الغرب.
وأبلغت وكالة استخبارات الدفاع التابعة لـ"البنتاغون"، مكتب المفتش العام، أنه "من المرجح أن يكون داعش أكثر حرية في إنشاء شبكات سرية ويحاول إطلاق سراح مسلحيه وأُسَرهم المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري"، كما أشارت وكالة استخبارات الدفاع إلى أن وفاة البغدادي سيكون لها تأثير ضعيف في قدرة "داعش" على إعادة تجميع وحشد عناصره.
 

مَن يهدد النفط؟

وفي حين يصر "البنتاغون" على أن القوات الأميركية الباقية في سوريا تركز على هزيمة "داعش"، أبدى مراقبون شكوكهم حيال طبيعة المهمة الأميركية، إذ أشاروا إلى أن التهديد الأساسي للنفط يأتي من القوات الروسية وقوات النظام السوري وليس من تنظيم داعش الضعيف.
ولعل أحد أبرز الأسئلة يتمثل في ما إذا كانت القوات الأميركية تملك تفويضاً قانونياً يسمح لها بالاشتباك مع القوات السورية أو الإيرانية أو قوات النظام السوري، ذلك أن التفويض الصادر للقوات الأميركية عام 2001 لا يخوّلها إطلاق النار ضد قوات نظامية تمثل دولاً أخرى، إلاّ إذا كانت في حال دفاع عن النفس.
من جانبه، أوضح ماكينزي أن القوات الأميركية ستواصل العمل مع "قسد" لمنع "داعش" من السيطرة على آبار النفط التي كانت مصدراً أساسياً لتمويل التنظيم الإرهابي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


خطر داعش

وفي وقت استمرت المناوشات في شمال شرقي سوريا، أصبح الوضع جاهزاً لشن هجمات مضادة من "داعش" ضد القوات الأميركية. ووفق الجنرال ماكينزي، فإن فترة من عدم الاستقرار أعقبت الغزو التركي لشمال سوريا بسبب انسحاب 850 جندياً من القوات الخاصة الأميركية عقب قرار ترمب، بالتوازي مع تقدم بعض قوات "قسد" في اتجاه الشمال لمواجهة القوات التركية. إلاّ أنّ القائد الأميركي أشار إلى أنّ "هناك جيوباً من الأشخاص الذين يخرجون من تحت أنقاض دولة داعش ويستطيعون إثارة العنف وإصابة البعض، لكن قوات التحالف تعمل على إزالة الأسلحة والمتفجرات والذخيرة من أماكن مختلفة في هذه المناطق".
وأقرّ ماكينزي بخطر وجود عشرات الآلاف من سجناء "داعش" واللاجئين المرتبطين بهم في مخيمات مزدحمة جداً في شمال شرقي سوريا، ومن بينهم آلاف النساء والأطفال الذين يتعرضون إلى خطر التشدد الديني والتطرف الذي يغذيه بقوة نقص الحاجات الإنسانية، ما يشكّل أكبر تهديد يواجه الأميركيين في سوريا.


المساعدات تأثرت

 

وفق تقرير "البنتاغون"، فإن الغزو التركي والانسحاب الأميركي المبدئي قوّضا الاستقرار وأعاقا جهود المساعدات الإنسانية، فعلى سبيل المثال، وجهت الخارجية الأميركية مجموعةً صغيرة من الأشخاص المنتشرين في شمال سوريا بالخروج منها بسرعة، على  الرغم من أن هذه المجموعة كانت وصلت قبل فترة وجيزة جداً بعد ستة أشهر من الغياب بسبب قرار سابق بالانسحاب صدر عن ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2018.
وعلى الرغم من نقص أعداد الأشخاص التابعين للخارجية الأميركية على الأرض في شمال شرقي سوريا، إلاّ أنّ البيت الأبيض وافق في ظل أحداث الغزو على تخصيص 50 مليون دولار بشكل عاجل إلى جماعات حقوق الإنسان السورية كي تعمل على إزالة بقايا المتفجرات وتحقيق الأمن للمجتمع وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وخروقات القانون الدولي الإنساني ودعم الناجين من التعذيب والعنف على أساس النوع.
وبينما أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن المساعدات ستتواصل، حذّر تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع من تزايد الحاجات الإنسانية في شمال شرقي سوريا، نتيجة لما سبّبه الغزو التركي من ترحيل مئات الآلاف من المواطنين، وإصابة مئات المدنيين وتدمير البُنى التحتية الحيوية.


خيبة أمل

واعترف الجنرال ماكينزي في لقائه مع مجلة "فورين بوليسي" بتغيّر الوضع في شمال سوريا، كما عبّر عن خيبة أمله من الأفعال والممارسات التركية، إلاّ أنّه في الوقت ذاته قال إن تركيا تملك ما وصفه بـ"الاعتبارات الأمنية المشروعة حيال وحدات حماية الشعب الكردية" التي تشكّل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية والتي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية.
وأكد ماكينزي أنه لا يحاول التقليل من حالة خيبة الأمل التي تنتاب الأميركيين في شمال شرقي سوريا، لكن هناك عوامل أخرى تتعلق بالحليف التركي.

المزيد من تحلیل