Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثورة اللبنانية بين إيران وأميركا

تعبئة مقاومة "حزب الله" ستبدأ من الولايات المتحدة... وتنتشر إلى البلدان الأخرى

شهدت الساحات المنتفضة في لبنان شدّ حبال بين فريق يسعى إلى منع هذه الانتفاضة من التوسع ضد نفوذ "حزب الله"، وانتقاد أي علاقة بين المنتفضين وأميركا، وبين مجموعة واسعة من اللبنانيين داخل البلاد وخارجها دعت وتدعو أميركا لتحمل مسؤوليتها الدولية في مساندة الثورة اللبنانية ضد الفساد والقمع والإرهاب، الذي تنشره إيران في المنطقة عامة، ولبنان خاصة.

وذهب بعض المحللين إلى القول إن هناك لعبة شدّ حبال بين إيران وأميركا للسيطرة على المؤسسات اللبنانية واستعمال الساحة حاليا من أجل أهداف ومصالح خاصة بهما، وبالتالي فإن ذلك قد يؤثر على مصلحة الثورة.

إلا أن تحليلنا يقول إن الصورة الحقيقية غير ذلك، فالولايات المتحدة الأميركية منهمكة في أزمتها السياسية الداخلية، وستستمر المشادات القائمة في واشنطن حتى الانتخابات العام المقبل، وليس لواشنطن رؤية واضحة تجاه لبنان، وما يدل على ذلك انتقادات وجهها بعض المتظاهرين لإدارة الرئيس ترمب بأنها ليست على مستوى التدخل المطلوب لمساندة المجتمع المدني، في وجه ضغط كبير يمارسه "حزب الله" على المؤسسات اللبنانية.

والمفارقة أن جماعة "حزب الله" تتهم أميركا بمحاولة السيطرة على التظاهرات وتوظيفها، بينما المتظاهرون يعاتبون واشنطن على عدم اكتراثها وغياب تدخلها الحاسم لمصلحة الشعب اللبناني ضد منظومة القمع.

إذاً، ما هي الحقيقة وما هي المعادلة القائمة في لبنان بين القوة الإقليمية الإيرانية والقوى العظمى الدولية؟

منذ تفجّر انتفاضة لبنان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بات واضحا أن هناك صداما، ولو غير علني، بين المتظاهرين الذين وصلوا إلى مليونيّ مواطن وميليشيا "حزب الله" وحلفائها، حيث حاولت هذه القوى قمع التظاهرات عبر الدرّاجات النارية والمشاة في العاصمة، بالإضافة إلى الحملة الإعلامية "التخوينية" التي تستهدف رموز التظاهرات.

عندما طالبت الانتفاضة رئيس الجمهورية بإطلاق الاستشارات النيابية بعد استقالة سعد الحريري، بات واضحا أن "حزب الله" هو الذي يقف حجر عثرة في درب التسميات لعدم قبوله حكومة تكنوقراط أو تكنوسياسية، لا يكون له فيها حصة تمكنه من الحفاظ على مكتسباته منذ اتفاق الدوحة، ومن الواضح أن قيادة الحزب لن تسمح بأي حكومة لا تضمن بقاء حماية الدولة للميليشيات المسلحة على الأرض، وسيطرة "حزب الله" على الأمن القومي عبر نفوذه لدى بعض أجهزة الجيش اللبناني والأجهزة الأخرى مثل الأمن العام، بالإضافة إلى تسهيل كل ما يحتاجه الحزب ميدانيا على الأرض، وأضف إلى ذلك تمكين الدولة اللبنانية للحزب من الاستفادة المالية القصوى عبر المرافق العامة والمرفأ والمطار، ولذلك من غير الممكن لقيادة الحزب التخلي عن هذه الإمبراطورية ضمن الجمهورية اللبنانية، من أجل إصلاح تدفع به قوى المحتجين كمرحلة أولى من عملية إصلاح البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أيضا، هناك ضغوط إيرانية على الضاحية الجنوبية تمنعها من تقديم تنازلات للدولة المركزية المفترضة وللجيش اللبناني، لأن ذلك بنظر "الحرس الثوري" خطر استراتيجيّ وخسارة لبنان كساحة مواجهة مع الدول العربية والغربية وإسرائيل.

"حزب الله" لن يقدم تنازلات نوعية وكبرى لقوى الثورة، بل إنه يخطّط لأمد طويل، حيث يمكنه الاستمرار اقتصاديا وأمنيا بانتظار اضمحلال المحتجين وانحصارهم، مما يعزز عودته إلى ما كان عليه من قوة قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وهذا النموذج يشابه ما كان يسمى بـ"ربيع براغ"، حيث تمكن الإصلاحيون في تشكسلوفاكيا من إقامة حكومة مستقلة عن الحزب الشيوعي، إلا أن عدم خروج القوات السوفياتية أدى بعد عام ونيّف إلى انهيار الحكومة المستقلة وعودة الحزب الشيوعي الحاكم على حِراب الجنود السوفييت، وانحسار الربيع حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1989.

أما الولايات المتحدة فمعادلتها مع لبنان كانت منذ 2008 ترتكز على الاعتراف بما هو قائم، وذلك عبر مساعدات للجيش اللبناني مقابل الحصول من "اليرزة" على خدمات أمنية وعسكرية تتعلق أساساً بتنظيمات إرهابية، كالقاعدة وبعدها داعش.

ومنذ نهاية ولاية جورج بوش وخلال فترة أوباما الرئاسية وفي العامين الأولين من حكم ترمب، لم نرَ تغيرا في سياسة الإدارة تجاه لبنان، ولم نسمع أن الملف اللبناني بات متغيرا عما كان عليه منذ أكثر من عقد، غير أن تفجّر تظاهرات أكتوبر فتح الباب أمام الإدارة والكونغرس لدراسة خطة استراتيجية جديدة تجاه لبنان، ولا سيما بعدما شاهد الرأي العام الأميركي أن هناك أكثرية شعبية ترفض أساس الحكم وتركيبته الغارقة في الفساد. وترى الدوائر في واشنطن أن القوى الصامتة لن تبقى صامتة بعد الآن، وهي عابرة للطوائف والأحزاب، وموحدة حول مبدأ مجتمع مدني، ومقررة الذهاب إلى أبعد الحدود في معارضتها لمعادلة الطائف والدوحة ورفض حكم الفاسدين والميليشيات.

هناك أفكار كثيرة متداولة في واشنطن بين البيت الأبيض والخارجية والكونغرس ومراكز الأبحاث فيما يتعلق بسياسة أميركا الجديدة، ولكن حتى الآن لا يوجد ملف موحّد، ورأينا أن من يدير السياسة علنا هو وزير الخارجية بومبيو، الذي غرّد أكثر من مرة، وقال إن واشنطن تقف إلى جانب الشعب اللبناني والمتظاهرين، وهي تضغط بجدية على الحكم في لبنان، أي البرلمان ورئاسة الجمهورية، لتشكيل حكومة تدعمها واشنطن عندما تُشكّل وتحظى بالثقة.

هنا نرى بالمقارنة أن إيران تنتشر في لبنان عبر "حزب الله" وحلفائه، وتتمدد داخل مؤسسات الدولة وتحاول ردع الثورة بكل الوسائل الممكنة، بينما أميركا لا تقوم بأي تدخل تحت مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية. وجدير بالذكر أن "حزب الله" أتقن فن الحرب النفسية عندما اخترقت جماعاته التظاهرات اللبنانية وارتدت رداء الثورة وبدأت تهاجم أميركا وتطالبها بعدم التدخل، فيظن الرأي العام أن هذا هو موقف المجتمع المدني، بينما في الحقيقة هذا الموقف ناتج عن اختراقات "حزب الله".

 وشكّل حادث حرق العلم الأميركي أمام السفارة الأميركية في "عوكر" مفترق طرق، حيث انتفض عدد من اللبنانيين في أميركا، ومعهم أصدقاء كثر لواشنطن في لبنان، ضد ما اعتبروه خرقا للخط الأحمر من حزب الله وجماعته، إذ إنه وبعكس الدول العربية الأخرى يوجد الشعب اللبناني في شطرين، الأول في لبنان (نحو أربعة إلى خمسة ملايين نسمة)، بينما الشطر الأكبر (14 مليونا) موجود في الاغتراب، وأهم الجاليات اللبنانية في العالم موجودة في أميركا، حيث يناهز عددها المليونين، وأفرادها انخرطوا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ قرن ونصف، وخدم اللبنانيون في الكونغرس والحكومات المتوالية والجيش خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبرزوا في مراكز الدفاع، لذا فإن هذا الجناح اللبناني المنتشر في أميركا والدول الأخرى لن يقبل بغطرسة "حزب الله" في لبنان وتهديده التظاهرات التي يقوم بها أقرباء الانتشار اللبناني على أرض الوطن.

من هنا يبدو أن تعبئة مقاومة "حزب الله" ستبدأ من داخل الجالية اللبنانية في أميركا، وتنتشر إلى البلدان الأخرى، وتدعم التظاهرات، على أن تقوم الأخيرة بمنع سيطرة "حزب الله" واستئثاره بالسلطة وإجباره على الانسحاب من مناطق التظاهرات، وتوفير قدرات دفاعية للجيش اللبناني بشكل يتمكن خلاله من إنهاء سيطرة "حزب الله" الكاملة في المرحلة الأولى، وفي مرحلة ثانية يمتلك الجيش السلطة العسكرية على معظم الأراضي اللبنانية، إلى أن يصل لبنان إلى حالة تمكنه من حل كل الميليشيات تحت القرار 1559. وحتى الوصول إلى تلك الأيام فإن معادلة الثورة والشعب والجيش ستحل تدريجيا مكان معادلة الجيش والشعب والمقاومة.

المزيد من آراء