Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لم يعد يصفونه بـ"خفة الظل"... المصريون ينتفضون ضد التنمر

المجتمع يشهد تغييرات كبرى بعدما أخلفت الظاهرة ضحايا ومنتحرين 

مصر أطلقت حملة قومية ضد الظاهرة تحت عنوان "أنا ضد التنمر" (الموقع الرسمي ليونيسف)

هي المرة الأولى التي ينتفض فيها المجتمع انتفاضة شعبية دون حث رسمي أو تلميح حكومي للاعتراض على فعل همجي. وما كان بالأمس القريب تنكيتاً أو ترفيهاً أو تسلية، يشهد تحولاً مجتمعياً يميل إلى تصنيفه تحت بند "الأفعال المناقضة للإنسانية" و"المخاصمة للآدمية". أما من كانوا يعتبرون السخرية من الآخرين خفة ظل، والتنمر بهم فراسة ولطافة، فالمؤكد أنهم سيراجعون منهجهم ويحدثون مفرداتهم. فما بالأمس القريب "شقاوة" أو "ظرافة" يصبح اليوم  "خطيئة" و"تنمراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل أيام عم الغضب المشوب بالقرف أرجاء المجتمع المصري حين استيقظوا ذات صباح على صخب عنكبوتي عارم. "جون منوث شول"، طالب سوداني يدرس في مدرسة للاجئين في القاهرة بمنطقة حدائق القبة. تحول الصغير إلى حديث القاصي والداني في مصر، حيث تنمر به مجموعة من الشباب المصريين وأخذوا يسخرون منه وحاولوا إجباره على خلع الحقيبة التي يحملها على ظهره ليطلعوا على محتوياتها لكنه رفض، وذلك بينما كان أحدهم يصور ما يحدث وسط ضحكات ساخرة. وبسرعة البرق انتشر المقطع من "تيك توك" إلى شتى صنوف منصات التواصل الاجتماعي. أصبح المقطع حديث الشارع دون منازع.

 

 

واقعة تنمر

الغريب أن الغالبية المطلقة صنفت ما جرى في الفيديو باعتباره واقعة "تنمر". لم يصفها أحد باعتبارها "مزحة" أو "شقاوة" أو "خفة ظل" أو حتى "لعب عيال ثقيل". أطلق الكل عليها كلمة "تنمر"، رغم إنها وليدة الأمس القريب.

المجتمع المصري – شأنه كغيره من مجتمعات الأرض- عرف استقواء الأكبر سناً وأقوى جسماً على الأصغر والأضعف على مر العصور، وعرف ملاحقة الإناث لأسباب جنسية على مر الأزمنة، وعرف اعتبار السخرية من لون البشرة أو شكل الملبس أو ملامح الوجه المغايرة لما تعتبره الغالبية غالبة "سمة من سمات الحياة" على مر السنوات، لكنه بدأ حديثاً يسمي الأشياء بمسمياتها، حيث الاستقواء "بلطجة"، والملاحقة "تحرشاً"، والسخرية "تنمراً". 

وما صنفه مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي في أعقاب الانتشار الفيروسي لفيديو الطالب السوداني "تنمراً" واجه بعضاً من مقاومة وتشبث بتلابيب الماضي. المتنمرون ظهروا في مقطع لاحق وهم يقولون أنهم يحبون الفتى السوداني وأنه صديقهم وجارهم وأن ما يتم ترويجه من أن ما فعلوه كان تنمراً ليس "إلا فتياً وهرياً" وأن الأمر لا يستحق.

 الحملة القومية

وما يستحق التوقف عنده هو السرعة التي تسللت بها كلمة "تنمر" إلى مفردات المصريين باختلاف فئاتهم وطبقاتهم وأعمارهم. فقبل عام واحد فقط، شهدت مصر إطلاق الحملة القومية الأولى للتوعية المجتمعية بالتنمر تحت عنوان "أنا ضد التنمر".  منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة والاتحاد الأوروبي أطلقت حملتها التوعوية الضخمة العام الماضي أملاً في وضع حد للمعاناة التي يمر بها الكثيرون من الصغار بسبب التنمر، باعتباره شكلاً من أشكال العنف ضد الأطفال. وللمرة الأولى، تابع المصريون بالصوت والصورة والإعلان والحوار والتنويه تعريف التنمر. بحسب "يونيسيف" "التنمر أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر عن عمد وبطريقة متكررة، سواء وجهاً لوجه، أو عبر الإنترنت. ويتراوح هذا العنف بين الأذى الجسدي والإساءة اللفظية والنفسية، وجميعها قد يؤدي إلى الإقصاء والاكتئاب وربما الانتحار".

وبعد انطلاق الحملة الأولى من نوعها بأيام، صُدِم المجتمع بخبر انتحار طالبة في المرحلة الثانوية في الإسكندرية بعد تعرضها للتنمر. "إيمان" ابنة الـ19 عاماً كانت طالبة في معهد التمريض. مشرفات المعهد والمعلمات كن يمطرنها بعبارات ساخرة مفادها إنها لن تتزوج لأن شعرها وشكلها ولون بشرته "وحش" (قبيح)، وهو ما دفعها إلى الانتحار.

تحمل المضايقات

تقول منة الشناوي، 38 عاماً، مصممة هدايا، إنها لم تفكر فيما يتعرض له الكثيرون من سخرية باعتباره عملاً قبيحاً. "كنت أعتبرها مضايقات نتعرض لها في حياتنا. صحيح أن المضايقات والسخرية الناتجة عن شكل أو سمة أو ما شابه تكون جارحة، لكنها ظلت مضايقات. وقد تزامن انتحار طالبة الإسكندرية العام الماضي بسبب "المضايقات" في العام الماضي مع الحملة الضخمة عن التنمر. كان اكتشافاً بالنسبة لي. فتحت الحملة ذهني على إجابات كثيرة وأسئلة أكثر. لماذا نعتبر المعاناة النفسية شراً لا بد منه؟ لماذا نتعامل مع سخافات الآخرين وكأنها حق من حقوقهم؟ ولماذا نجمل الاعتداءات ونعطيها أسماء لطيفة تساعدنا على قبولها؟".

تحولات كبرى

قبول التنمر باعتباره أمراً واقعاً لم يعد القاعدة في المجتمع المصري. تقول الباحثة في علم الاجتماع السياسي سها جميل، إن المجتمع المصري يشهد تحولات كبرى وكأنه آنية طهي كبيرة يتم تقليب محتوياتها المتحجرة بقوة وهدوء واستمرار. "المجتمع ظل جامداً مقاوماً للتغيير والتحديث والتنقيح على مدى نحو سبعة عقود، وتحديداً منذ ثورة يوليو (تموز) عام 1952. حتى التغيرات التي حدثت بعدها من حروب وتغيرات في النظام الاقتصادي والتحولات في الهرم الطبقي لم تسفر عن تغيرات جذرية في منهج التفكير. هذه الآونة نشهد ملامح شعبية تنبئ عن استعداد المجتمع للتغير وإخضاع الكثير من الثوابت الثقافية والموروثات في العادات والتقاليد للنقاش والاختلاف. صحيح أن هذا يحدث ببطء شديد ومقاومة كبيرة، لكنه يحدث".

وتشير جميل إلى أن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير جداً في المجتمع وبين الفئات المختلفة له العديد من الآثار الإيجابية وليس السلبية فقط. "طرح موضوعات مثل ضحايا التنمر وانتشار فيديوهات مثل فيديو الطفل السوداني الذي تنمروا به وإخضاعها للنقاش، حتى لو اتسم النقاش بالعدوانية أحياناً أو التطرف يحرك المكونات الجامدة في المجتمع والتي هي في حاجة ماسة إلى التعديل والتحديث".

 

 

المطرب رامي جمال ومرض البهاق

تحديث الفكر السائد، لا سيما المبني على خرافات أو معتقدات خاطئة أو أفكار متحجرة، بات ضرورة. وحين يفكر مطرب شاب محبوب في الاعتزال بسبب ما تعرض له من ضغوط نفسية عارمة ومضايقات تنم عن جهل بما أصابه، فإن هذا يعني أن الضرورة آنية. المطرب الشاب رامي جمال أصيب بمرض البهاق. والبهاق مرض يسبب فقدان لون الجلد في شكل بقع كبيرة، بسبب موت الخلايا الصبغية المكونة للميلانين. وهذه الصبغة تمنح البشرة والشعر والعينين لونها.   

المقربون من جمال نصحوه بالاعتزال اتقاء لنظرات الناس وحماية له من ردود فعل كثيرين – حتى من بين أصدقائه- والتي مالت إلى تجاهله والابتعاد عنه، بل عدم مصافحته خوفاً من انتقال المرض إليهم. وبعد عام من محاولات إخفاء البقع البيضاء وتزايد شعوره بالتوتر والقلق خوفاً من رد فعل الجمهور في الحفلات ومن ثم زيادة الإصابة، جاهر جمال بمرضه مستفتياً رأي الجمهور: يكمل بالبهاق، أم يعتزل بعيداً؟!

الاعتزال والتنمر

الطبيب والإعلامي الدكتور خالد منتصر كتب مقالاً عنوانه "الاعتزال والتنمر ضد مرضى البهاق" جاء فيه مشيراً إلى تفكير جمال في الاعتزال بعد إصابته بالبهاق "ليس سببه لون الجلد لكن لون قلوب الناس التي صارت سوداء متنمرة. سببوا له ضغطاً نفسياً رهيباً، وهذا ليس حال رامي جمال فقط، لكنه حال كل مرضى البهاق في مصر. النظرات المذعورة أو المشفقة أو المتربصة أو المستغربة تجعل مريض البهاق في جحيم مزمن. أتمنى أن تكون قصة رامي جمال مع البهاق نهاية التنمر ضد هؤلاء المرضى الذين لا يحتاجون إلا إلى زرع الثقة في داخلهم".

لكن في داخل آخرين من أصحاب المظهر أو الملبس أو الملامح أو الصوت أو مقاييس الجسد المغايرة لما تعتبره الغالبية معتاداً، ومن ثم يستبيح البعض لنفسه السخرية أو التربص أو التعامل الفوقي تجاههم، وجعاً كبيراً وهماً عميقاً.

علاج ومواجهة

لكن رحلة الألف علاج تبدأ بتشخيص ومواجهة. حوادث عدة تم تسليط الضوء عليها خلال العام الماضي لمعلمين تنمروا بالطلاب والطالبات. فمن طالب تنمر بطالبة بسبب لون بشرتها الداكن، لأخرى تنمرت بطالبة لأنها لا ترتدي الحجاب، لثالث اتخذ من طالب يعاني السمنة مادة للسخرية وغيرهم، بدأ المجتمع يعي أن باب النجار يكون مخلعاً في بعض الأحيان. والزوج قد يتنمر بزوجته مقارناً بينها وبين هيفاء وهبي أو ساخراً من عدم قدرتها على القيام بـ17 مهمة في وقت واحد. وصاحب العمل قد يتنمر بالعامل، والزملاء قد يتنمرون بزميلهم، والمجتمع قد يتنمر ببعضه البعض.

بعض المصريين بات على دراية بما يعنيه التنمر، والبعض أصبح واعياً بأن مضايقة الآخرين ولو بحسن نية ليس خفة ظل أو فهلوة، وفريق ثالث كان يعتبر المسألة عادية ولا ضرر من بعض "الشقاوة" لكن مشاهدة فيديوهات التنمر أحدث صدمة ونجمت عنه صحوة.