Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صوت القصف يدوي في شمال سوريا على خلاف زعم ترمب وتزايد الخسائر في الأرواح 

وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه دونالد ترمب في بلدة تل تمر غير موجود على أرض الواقع

أسرة كردية أثناء الفرار من البلدة السورية الحدودية راس العين (أ.ف.ب)

يخيم دخان أسود فوق تل تمر، بينما تتصاعد أعمدة الدخان من الإطارات التي لا يكف المقاتلون عن إشعالها دفاعاً عن البلدة الواقعة في شمال شرق سوريا، مع سعيهم من دون جدوى إلى حجب الرؤية عن الطائرة التركية التي تتصيدهم على خط الجبهة الأمامي الذي يبعد أميالاً قليلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع اقتراب القتال أكثر، راح السكان في القرى المحيطة يغادرون مناطقهم في جماعات، وفي مستشفى البلدة الوحيد، يتقاطر الجنود والمدنيون المصابون. هناك مروحية أباتشي أميركية تدور فوق ساحة المعركة، تراقب من دون أن تنخرط فيها، ولم يفت معنى هذا على السكان الموجودين تحتها.

كان دونالد ترمب قد أعلن قبل ساعات من البيت الأبيض عن أن وقف إطلاق النار هنا، "قائم بشكل ممتاز"، أما بالنسبة إلى الذين يعيشون على طريق الهجوم التركي فيبدو كأن الرئيس الأميركي يصف واقعاً مغايراً.

وقال الدكتور حسن أمين المحاصر في مستشفى تل تمر: "عما يتكلم؟ ليس هناك وقف لإطلاق النار. تستطيع أن تسمع صوت المروحيات والقصف الآن".

ولم يمض وقت طويل على إنهاء الطبيب جملته حتى نُقل رجل مصاب بجروح عميقة في ساقه وذراعه إلى غرفة الطوارئ، بينما غطى السخام وجهه. كانت إصابته جراء هجوم بمدافع الهاون حين كان يقود دراجته النارية في قرية تقع إلى الشمال.

منذ شهر والوضع كما هو عليه الآن، فهذه المستشفى وحدها سجلت أكثر من 144 حالة وفاة و600 إصابة، أغلبها بين المدنيين. وقبل أيام قليلة فقط، قُتل مدنيان بهجوم طائرة درون تركية خلال السفر في سيارتهما بالقرب من تل أبيض.

وعلق الدكتور أمين قائلا، "نحن لم نر مثل هذه الخسائر البشرية من قبل... حين كنا نقاتل داعش، كان 99 في المئة من الإصابات بسبب الطلقات النارية. والآن أكثر الإصابات ناجمة عن هجمات جوية، وقذائف وصواريخ. الناس يأتون إلى المستشفى من دون أذرع وسيقان، وبعضهم أبدانهم مبتورة".

بالنسبة إلى سكان شمال شرق سوريا، فإن كلمات الرئيس الأميركي تذكرهم مرة أخرى بتخلي الولايات المتحدة عنهم، فهم رأوا إدارة منسحبة تماماً من هذا الصراع، وتبدو غير مهتمة بما يترتب عليه من نتائج.

وظلت الولايات المتحدة لثلاث سنوات تقدم الدعم وتسلح "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الكرد، لمحاربة وإلحاق الهزيمة بتنظيم داعش و"دولة" خلافته المزعومة. لكن ترمب أوقف فجأة ذلك الدعم الشهر الماضي، حين أعطى الرئيس الأميركي تركيا الضوء الأخضر لمهاجمة خصمها القديم. 

وبدأت تركيا بهجومها يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) لإبعاد "قوات سوريا الديمقراطية" عن الحدود وتطبيق مبدأ "المنطقة الآمنة" التي تمتد إلى ما يقرب من 20 ميلاً في العمق. فأنقرة ترى ميليشيا "وحدات حماية الشعب" التي تشكل أكبر مكون في "قوات سوريا الديمقراطية"، منظمة إرهابية لما لها من أواصر تجمعها بمنظمة قادت لعقود حركة تمرد ضد الدولة التركية. وهذا ما جعل أنقرة تقول إن إنشاء منطقة آمنة حيوي لأمنها.

منذ بدء الهجوم التركي هرب أكثر من 200 ألف شخص من بيوتهم وقُتل المئات في المعارك. وتُوصل إلى اتفاق لوقت اطلاق النار بوساطة من إدارة ترمب بين الجانبين الشهر الماضي وكان من المفترض أن ينهي ذلك الاتفاق القتال مقابل رفع الولايات المتحدة عقوباتها على تركيا.  

لكن القوات السورية المتمردة المدعومة بالهجمات الجوية والمدفعية التركية تواصل جبه "قوات سوريا الديمقراطية"، ومضت تحتل قرى واقعة على أطراف تل تمر وتهدد البلدة نفسها.

ويخشى كثير من سكان منطقة شمال شرق سوريا المتعددة الاثنيات أن تسعى تركيا إلى تغيير بنية سكانها. إذ وعد الرئيس رجب طيب أردوغان بنقل إليها مليون سوري تشردوا من مناطق أخرى، في اقتراحه إنشاء "منطقة آمنة". ولتنفيذ هذا المشروع، أرسل خليطاً من قوة سورية مقاتلة من المتمردين، للكثير منهم سجل بارتكاب الفظائع، وسبق أن هددوا علناً بقتل "الكفار" في إشارة إلى من هم ليسوا بمسلمين.

وظهرت أفلام فيديو مروعة تصور مقاتلين مدعومين من تركيا وهم يقومون بإعدام مدنيين كرد عند احتلالهم مساحة واسعة بين المدينتين الحدوديتين راس العين وتل أبيض. وكان من بين الذين قُتلوا أولا سياسية كردية تدعى هرفين خلف وسائقها.

وسجل فيديو صوَّره أحد المقاتلين في موقع القتل، المرأة البالغة من العمر 35 سنة، في سيارتها على طريق يقع في درب الهجوم. وكشف تقرير تشريح الجثة عن إطلاق النار عليها من مسافة قصيرة وأن جسدها تعرض للتشويه والبتر.

وفي هذا السياق ظهرت تقارير كثيرة مماثلة عن عمليات قتل، تتضمن إعدامات من دون محاكمة لمقاتلين وقعوا في الأسر. وقد أثارت هلعاً وخوفاً بين الكرد، والمسيحيين الآشوريين والإيزيديين الذين يعيشون في تلك المنطقة.

وقال القس بوغوص إيشايا الذي كان عقد للتو قداس الأحد في كنيسة تقع وسط البلدة إن "أغلبية المسيحيين غادروا قراهم وجاءوا إلى تل تمر الأسبوع الماضي".

ويأتي هذه الهجوم مع بدء تعافي الطائفة المسيحية البطيء في المنطقة من الأضرار التي لحقتها على يد داعش، فقد سبق لأبنائها أن تعرضوا لموجة مماثلة من التشرد عام 2015، حين حاصرت الجماعة الإرهابية البلدة.

وأضاف القس إياشايا، "ليس هناك شيء جديد. فالأمور على هذا المنوال منذ عهد المسيح... نحن نعاني كثيراً في أرضنا".

وتقاتل ميليشيات مسيحية الآن على خطوط الجبهة الأمامية دفاعاً عن تلك القرى، التي تبدلت سيطرة بعضها من طرف إلى آخر خلال الأيام القليلة الأخيرة. وجعلت الطائرات والمسيرات التركية الحاضرة باستمرار في السماء فوق تل تمر المعركة صعبة.

وقال جاك يونودان منشد الكنيسة: "لم نُرد أن نفعل الشيء نفسه الذي فعلناه مع داعش في السابق حين جاءوا وأخذوا كل شيء... إضافة إلى ذلك، نحن ليس لدينا أي مكان آخر نذهب إليه، لذلك قررنا البقاء والقتال".

وقد تسببت عمليات القتل التي تنفذها الجماعات التابعة لتركيا، بدافع عرقي، إلى تفشي الخوف بين كل الكيانات الاثنية هنا، فالكثير من الأشخاص يخافون من أنهم لن يتمكنوا العودة إلى مساكنهم بعد اليوم.

وقال حسن عمر يونس ابن الثامنة عشرة، المقيم في مخيم للمشردين على بعد بضعة أميال عن الطريق الموصل على تل تمر، "إنهم "جاؤوا للكرد. وجاؤوا لقتلنا جميعاً".

وقد وصل إلى هذا المخيم ما يقرب من 200 عائلة منذ إنشائه يوم 1 نوفمبر. وكان يونس قد هرب من مدينة راس العين حين بدأ القتال في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فذهب إلى بلدة تل تمر، حيث بقي فيها حتى إلى ما قبل أيام قليلة، حين وصلت المعركة إلى أطراف البلدة. غير أن وقف إطلاق النار الذي توسط ترمب في عقده لم يصل أبداً إلى المنطقة.

 وأضاف يونس، "نحن نأمل بالعودة إلى ديارنا، لكننا الآن لا نستطيع. من المؤكد أنهم سيقتلوننا أو يختطفوننا. بعض الناس الذين نعرفهم عادوا لأخذ حاجياتهم فاختُطِفوا".

أما باسيماد داود وأفراد أسرتها، الذين علقوا في المخيم المشيد حديثاً، فلهم سبب إضافي، أكثر من غيرهم للخوف من المقاتلين الإسلاميين الذين يحتلون الآن قريتهم القريبة من راس العين، فهم كرد وإيزيديون.

ولا تجد باسيماد، 41 سنة، أي فرق بين المقاتلين الذين يتقدمون الآن في شمال شرق سوريا ومقاتلي داعش. وقالت: "جيراننا الذين هم عرب نصحونا بالرحيل. قالوا إنهم حين يأتون سيقتلونكم... حين شاهدنا مقتل السياسية هرفين خلف، اقتنعنا بأنهم يرتكبون ما كان أفراد داعش يقترفونه".

وأضافت داود، مشيرةً إلى استرقاق داعش آلاف النساء الإيزيديات جنسياً عام 2015: "نحن خائفون من أن يقتلونا أو يستعبدونا جنسياً".

لكل نزلاء المخيم قصة هروب بسبب الخوف. والكثير منهم فقدوا أعضاءً من أسرهم في القتال، أو فقدوا بيوتهم، لكن أخبار هذه الخسائر البشرية لم تصل ترمب المشتت الانتباه.

ففي الوقت الذي يدخل القادمون إلى المخيم خيمهم التي ستكون مساكنهم في المستقبل المنظور، كان ترمب يجلس جنبا إلى جنب مع الرئيس التركي، ليردد أن الكرد "سعداء جدا للطريقة التي تجري الأمور وفقها".

هناك شعور بالحيرة هنا حول ما تريده الولايات المتحدة بالضبط، خصوصا من طرف كان ذات مرة حليفا لواشنطن.

وفي هذا السياق قال مصطفى بالي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية للاندبندنت إن "وقف إطلاق النار لم يُلتزم به دقيقة واحدة، فبعد الإعلان عنه أخذوا ست قرى. والآن بينما نحن نتحادث هناك قتال جارٍ".

وأضاف بالي "لأميركا قوات هنا على الأرض. هناك مئات من الصحفيين هنا، وهم جميعا يستطيعون رؤية غياب أي وقف للقتال. وإذا كان ترمب لا يستطيع رؤية ما يحدث، فأنا لا أعرف ما يجب قوله".

يمكن القول إن الحرب أصبحت مسرحا سورياليا(غرائبيا). فخارج بلدة تل تمر، يراقب الناس عربات عسكرية أميركية تقوم بدوريات، وشاحنات تمر مملوءة بالسكان وهم في طريقهم إلى مخيمات للمشردين. هم يستطيعون أن يشاهدوا مروحيات أباتشي الأميركية محلقة في نفس المجال الجوي الذي تقصفهم طائرات الدرون والطائرات الحربية التركية منه. وعلى بعد مئات الأميال شرقاً، تقف الوحدات العسكرية التي كانت في الماضي تحميهم، حارسة لحقول النفط. ووسط كل ذلك، تقوم تركيا وروسيا معا بدوريات مشتركة.

ولذلك، يبدو أن قدرهم يقرَّر في مكان آخر، وهم ليسوا متأكدين من هو الصديق ومن هو العدو. قال الدكتور أمين معلقاً على المهاجمين الترك: "هم يرمون علينا كل شيء. بوتين يصفق لهم، وترمب يصفق لهم. إذا لم يكن هناك أي طرف يوقفهم فهم بالطبع سيأتون".

© The Independent

المزيد من الشرق الأوسط