استمع لهذه الموسيقى... واحصل على السكينة والطمأنينة

الكندي: "كل وتر وتنغيمه وإيقاعه يؤثر على عضو ما في جسم الإنسان"

الموسيقي الألماني جيمس لاست (غيتي)

"كل وتر وتنغيمه وإيقاعه يؤثر على عضو ما في جسم الإنسان".

الكلام منسوب للكندي (أبو يوسف يعقوب بن اسحق) الذي أحاط بمعارف إنسانية من الرياضيات والهندسة والكيمياء والطب إلى الترجمة والفلك والفلسفة وعلم النفس والموسيقى وأول من وضع قواعد الموسيقى الشرقية. ويُذكر في هذا المقام أن إيمانه بأثر الموسيقى بلغ حد أنه اعتبرها ركنا أساسيا في التطبيب. وجاء في سيرته أنه لجأ إليها في محاولته علاج صبي كان مصابا بالشلل الرباعي.

ومثل الكندي، تنبّه علاّمة آخر هو أبو بكر الرازي الى أثر الموسيقى الواضح في الإسراع بشفاء المرضى وتهدئة آلامهم، ودفع بأن الألحان الشجيّة أفضل ملاذ لأمراض النفس والعقل، ونسب اليه قوله إنها "الدواء الأفضل للماليخوليا" (السويداء). ولا يُنسى زرياب بالطبع... شحرور الموسيقى العربية الذي قيل أنه ارتقى بالذوق العام في الأندلس وجمّل بنقاء موسيقاه صورة الإسلام في أوروبا.

شفاء الروح والبدن

بينما قلّ التركيز على دور الموسيقى العلاجي مع انحسار عصر النهضة الإسلامية، تمسك به العالم الخارجي واعتبره - خاصة في الأزمان الحديثة - ملازِمة أساسية في البرامج الشفائية وإعادة التأهيل لطائفة واسعة من الأمراض تأتي في مقدمتها النفسية ومختلف ضروب الإدمان وتشمل الجسمانية، بما فيها الخطيرة على غرار السرطان والخرف والزهايمر ومتاعب القلب. وهي اليوم ليست جزءا مهما من برامج المستوصفات العلاجية وحسب، بل اُعترف أيضا بدورها الإيجابي المثمر في علاج الأطفال ورفع مستويات المؤسسات التعليمية وتحسّن نوعية الانتاج وزيادته في المصانع والمكاتب. 

وثمة بقع مضيئة في العالم العربي لا يمكن إغفالها في هذا المجال. فتبعا لتقارير على الإنترنت "تم افتتاح أول مركز علاج بالمنطقة في مصر عام 1950 حين تأسست الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى. وتبعه في تونس افتتاح المعهد الوطني لحماية الطفولة، ثم مشروع مركز الشرق الاوسط للعلاج بالموسيقى في الأردن. وابتداء من عام 2006 أدخلته وطورته الدكتورة حمدة فرحات في لبنان وابتكرت طرقا عدة لعلاج الاكتئاب والقلق والإدمان والإفراط الحركي، وسمي أسلوبها الطريقة الثلاثية لعلاج الإفراط الحركي. وفي لبنان أيضا بدأ الإعداد للعلاج بالموسيقى في مركز الطيونة الطبي منذ العام 2017".

طرب واسترخاء

الموسيقى، بصناعتها وتلقيها ودورها الذي لا يُنكر في تشكيل المجتمعات والثقافات، تتخذ لها موقعا صداريا في ارتقاء الإنسان على ما عداه من مخلوقات. وهي بلسم لا أحد ينكر دوره في تهدئة النفس مع السرعة الهائلة التي يتحرك بها العالم اليوم والضغوط النفسية المتولدة تبعا لذلك من مختلف المنابع، سواء المالية أو الأسرية أو التربوية أو الاجتماعية... إلى آخره من قائمة طويلة. وآخر المطاف في تتبع الأثر الذي تحدثه الموسيقى على النفس كلمة واحدة هي الطرب. وقد أتى في تعريف معاجم اللغة للطرب أنه "خفّة ونشوة وهزة تثير النفس لفرح أو حزن أو قلق أو ارتياح، وهي الغناء ونحوه مما يحرك ذلك في النفس، وطرِب للغناء ارتاح ونشط واهتز".

ويمكن القول إنه بينما همّشت المجتمعات الإسلامية الموسيقى باعتبارها لاهية عن العبادة (وربما كان المسجد بين دور العبادة القليلة التي تحرّم الموسيقى بين جدرانها)، اعتبرتها مجتمعات أخرى جزءا عضويا من طقوس العبادة نفسها فصارت بالتالي خيوطا أساسية في نسيج المجتمع. ومن هنا أتى تصنيف الموسيقى العالمية في فئات وأشكال يكاد المرء يعجز عن حصرها. على ان ما يهمنا في هذا المقام هو تلك التي جادت بها قرائح الموسيقيين بغرض تهدئة النفس من قلق أو روع ودعوتها للراحة والاستراحة.

 

الموسيقى، بصناعتها وتلقيها ودورها الذي لا يُنكر في تشكيل المجتمعات والثقافات، تتخذ لها موقعا صداريا في ارتقاء الإنسان على ما عداه من مخلوقات

"موسيقى المزاج" Mood Music

"الاستماع السهل" أو "موسيقى المزاج" Mood Music ضرب من التأليف الموسيقى يجد تعريفه في اسمه نفسه، وبلغ ذروة رواجه في الفترة من الخمسينات إلى السبعينات. وكانت أهم سماته وقتها أنه أخذ أكثر الأغاني رواجا (عدا أغاني الروك آند رول) واستعاض فيها عن الصوت البشري بالآلات الموسيقية وخصوصا الوتريات.

وربما كان مصدر الرواج الهائل لهذه التيار الموسيقي هو أنه صار الخيار الثالث والدرب الوسط عندما كانت الموسيقى الغربية محصورة في اثنتين هما الكلاسيكية بتركيباتها الهندسية وهارمونيانتها المعقدة من جهة، والروك آند رول بجيتاراته الكهربائية الصاخبة وإيقاع طبوله العنيف من الجهة الأخرى. هذا تيار لا يزال سائدا اليوم بفضل أن العديد ممن يسمون "crooners" ("المنشدون" وهم الذين يغنون على أنغام الأوركسترا الكبيرة) اتخذوه منبرا لهم إضافة الى أنه صار الشكل الغنائي المحبب لمن يفضلون النعومة على القوة.

وربما تمثل أكبر رموز الاستماع السهل في أعمال الموسيقي الألماني جيمس لاست الذي سمّي طرازه المعتمد رئيسيا على الوتريات "موسيقى الفرح"، وبلغت شهرته حد أن مبيعاته وصلت إلى 200 مليون اسطوانة خلال عقدي السبعينات والثمانينات في أميركا وبريطانيا فقط.

استمع إلى اوركسترا جيمس لاست هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=JF0U1aq3PQU

وبالطبع لا يذكر الاستماع السهل بدون ذكر المغني البارع فرانك سيناترا وصديقَي عمره دين مارتن وسامي ديفيز جونيور. وتمثل أكبر إنجازات هؤلاء الثلاثة في أنهم صاروا القلعة التي صمدت أمام مد الروك آند رول الكاسح. ذلك أنهم تمسكوا بالأوركسترا الكبيرة وبأغاني الغرام واللوعة والرومانس وصاروا جسرا طبيعيا بين الماضي المتمثل في الكلاسيكيات والحاضر والمستقبل اللذيْن أخضعتهما الموسيقى الكهربائية لسطوتها. وعلى هذا الطريق سار المغني الكندي الموهوب مايكل بوبليه، المولود في 1975، فنفخ في موسيقى السماع السهل روحا جديدة تشهد عليها مبيعات اسطواناته التي بلغت 75 مليون نسخة منذ نفاذه إلى العالمية العام 2005.

استمع إلى أغاني فرانك سيناترا Frank Sinatra

https://www.youtube.com/watch?v=I1NI2V68is0

استمع إلى أغاني مايكل بوبليه Michael Buble

https://www.youtube.com/watch?v=QbgBExFYryw

موسيقى التأمل

هذا النوع من الموسيقى يخلو بالكامل من الإيقاعات والأنماط اللحنية التي قد تشكل أي إيقاع يأتي بمفعول الطبل. ذلك ان القصد منه هو فتح الباب أمام الروح وإغلاقه في وجه الجسد. وكان منطقيا، مع هذا المفهوم، أن تتخذ موسيقى التأمل صبغة دينية لها وأن تصبح هي التعبير الفني للعديد من الأديان والمعتقدات، خاصة في الشرق الأقصى حيث تتمتع الروحانيات باليد العليا على الجسد المعتبر مجرد وعاء عابر للروح الباقية. وقد التصقت هذه الموسيقى خاصة بتيار الـ"زن" Zen الذي يتخذ جذوره في الديانة البوذية.

تدريجيا، انتقل هذا الضرب من الموسيقى الى الغرب وصار فئة معترفا بها في النصف الثاني من القرن العشرين، مع أعمال لمؤلفين غربيين من أبرزهم كارلهاينتس ستوكهاوزن Karlheinz Stockhausen. وقد اكتسب هذا المؤلف شهرته بسبب مساهماته الريادية في عالم الموسيقى الإلكترونية وتوظيفها لخلق تيار جديد في عالم الموسيقى يتضح جليا في الطراز الغربي من موسيقى التأمل.

استمع لكارلهاينتس ستوكهاوزن Karlheinz Stockhausen

https://www.youtube.com/watch?v=RytjvycKMYI

وبالطبع لا يمكن في هذا الصدد إغفال موسيقى التأمل في شبه القارة الهندية وامريكا اللاتينية والجنوبية وموسيقى الأميركيين الأصليين. استمع الى نماذج لها هنا:

موسيقى السيتار الهندي

https://www.youtube.com/watch?v=FuZgOP5zOQM

موسيقى المزمار

https://www.youtube.com/watch?v=KnJaayv6fsI&t=5011s

الكلاسيكيات والأعمال الأوبرالية

يمكن اعتبار الموسيقى الكلاسيكية الغربية (بما فيها الأعمال الأوبرالية) شبيهة في عدد من النواحي بموسيقى التأمل. فهي أيضا تتخلى إلى حد كبير عن الإيقاعات والأنماط اللحنية المتكررة. لكنها تختلف عنها في توظيفها المكثف للكوردات ومختلف الأشكال الهارمونية وتنمية الجملة اللحنية من ساق صغيرة الى شجرة موسيقية. لكنها في خاتمة المطاف موسيقى للروح والنفس قبل الجسد.

لهذا السبب فقد لجأت إليها السينما سعيا لتكثيف المحتوى الدرامي للفيلم وإكسابه بُعدا إضافيا يجعله أقرب الى الواقع الحي من كونه صورة متحركة على شاشة بيضاء. والموسيقى الكلاسيكية - بسبب تأثيرها الدرامي الواضح على السامع - هي في أغلب الأحوال تلك التي تلجأ اليها مستوصفات العلاج بالموسيقى أيضا. وثمة دراسات قيل إنها علمية تدفع بأن تأثيرها يتعدى الإنسان إلى الحيوان والنبات. فقد ورد أن المزارعين الأوروبيين الذين يخضعون زرعهم وحيواناتهم للموسيقى الكلاسيكية يجنون ثمارا ولحوما أفضل من اولئك الذين تصمت مزارعهم عن النغم كلاسيكياً كان أو غيره.

والسيمفونية هي أبرز أشكال الموسيقى الكلاسيكية، وتتألف من أربع حركات (مقاطع). خذ أي سميفونية واستمع إلى حركتها الثانية إن كنت تنشد هدوء النفس في حضرة النغم الجميل.

استمع إلى هذه الكلاسيكيات

أداجيو الوتريات Adagio For Strings صمويل باربر

https://www.youtube.com/watch?v=izQsgE0L450

ضوء القمر - كلود ديبوسي Claude Debussy: Clair de lune

https://www.youtube.com/watch?v=CvFH_6DNRCY

إلى أبي العزيز - مونتسرات كبايي O mio babbino caro - Montserrat Caballe

https://www.youtube.com/watch?v=i5bnB7LCdZ4

 لودوفيكو اينودي Ludovico Einaudi

https://www.youtube.com/watch?v=8RnBeeeGvBQ&list=PL913484E5ABCC2FCE

الجاز الناعم Smooth Jazz

هذا نوع من موسيقى الجاز الوسطية بلغ ذروة رواجه في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، وقصد به المستمع الذي يجد الجاز التقليدي عسير الهضم نوعاً بسبب التعقيد في جمله الموسيقية وسرعتها العالية وتراكيبه الهارمونية المتأتية من ارتجال العازفين. والواقع أن الارتجال الموسيقي هو الذي يسبغ على الجاز التقليدي طبعه ولونه وطعمه ورائحته. على أن الجاز الناعم يتخلى عن مسألة الارتجال هذه ويركز على التمهل والانسياب الناعم، فيصبح بذلك من ضروب الموسيقى التي تسعى لإحلال السكينة في نفس المستمع.

وربما كان من محاسن الصدف أن أربعة من الموسيقيين العرب القلائل الذين نفذوا إلى الساحة الدولية تخيروا هذا التيار الموسيقي، ربما لأن انسيابه المتمهل هو الأنسب للتزاوج مع تراثهم الموسيقي العربي. وهؤلاء هم: التونسيان ظافر يوسف وأنور إبراهيم، واللبنانيان ابراهيم معلوف وربيع أبو خليل.

استمع إلى ظافر يوسف

https://www.youtube.com/watch?v=Uxb-Dic43RE&t=1546s

استمع إلى أنور إبراهيم

https://www.youtube.com/watch?v=0j4G4gUlGuY

اسمتع إلى ابراهيم معلوف

https://www.youtube.com/watch?v=LpkQjvZVVUw&list=PLyI-1N0S-GHmIEfbfCBT4tI_uxuqwQmby

استمع إلى ربيع أبو خليل

https://www.youtube.com/watch?v=XW4bC9ENJsE

المزيد من موسيقى وأغان