Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وسط تضارب النتائج... مفاوضات سد النهضة تسابق "المهلة الأميركية"

الاجتماع الأول اقتصر على طرح الرؤى والنقاط الجوهرية ما زالت محل خلاف... والسفير الإثيوبي: اللقاء كان مُثمراً والخيار العسكري ليس حلاً

جانب من مفاوضات سد النهضة بمشاركة وسيط أميركي والبنك الدولي (الحساب الرسمي لسفارة مصر في إثيوبيا)

تسودُ حالةٌ من الترقُّب لنتائج الاجتماعات التي حددتها خارطة طريق مفاوضات واشنطن حول أزمة سد النهضة بين البلدان الثلاثة: مصر وإثيوبيا والسودان، للوصول إلى اتفاق بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) المُقبل، خصوصاً بعد تضارب نتائج الاجتماع الأول الذي عقد في أديس أبابا منذ أيام مضت، ما بين التفاؤل الذي نشرته وسائل إعلام سودانية ومصرية، سرعان ما بددته تصريحات مسؤولين، مشيرين إلى أن المناقشات "لم تنته بعد"، ومؤكدين أن "الاجتماع الأول اقتصر على طرح رؤى وتصورات الأطراف الثلاثة".

وعلى الوجه المقابل، كشفت وثيقة إثيوبية مُسرَّبة أن أديس أبابا "تسعى إلى تطوير ترسانتها الحربية لمواجهة أي تهديد لمشروعها القومي"، وهو ما أثار كثيراً من المخاوف في ظل المفاوضات الجارية، ويطرح تساؤلات حول السيناريوهات المطروحة إذا ما تعثّرت المناقشات، خصوصاً أنها مرتبطة بمهلة زمنية من قِبل الوسيط الأميركي، الذي يعول الكثيرون على وساطته لحل الأزمة.

تفاؤل زائف... النقاط الجوهرية محل خلاف
أدَّى الاجتماع الأخير بين وزراء المياه في الدول الثلاث بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا الأسبوع الماضي إلى "حالة من التفاؤل" مع تداول بعض وسائل الإعلام المصرية والسودانية أنباءً عن التوصل إلى "اتفاق ملء الخزان في 7 سنوات"، نقلاً عن مسؤولين سودانيين.

لكنْ، وزير الإعلام بالحكومة الانتقالية بالخرطوم سرعان ما أزال حالة التفاؤل، إذ نفى الناطق باسم الحكومة السودانية فيصل محمد صالح، يوم الثلاثاء، "توصُّل مصر والسودان وإثيوبيا إلى توافق حول بعض النقاط الجوهرية المتعلقة بمشروع سد النهضة الإثيوبي خلال اجتماعهم الأخير بأديس أبابا".

 

ويعدُّ الاجتماع هو الأول من نوعه في ظل وساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي، بعد أن تقرر حضورهما المفاوضات بوصفهما مراقبين من أجل تقييم التقدم المُحرز وتذليل العقبات وفقاً لخارطة طريق زمنية حددها اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في واشنطن برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

من جانبه، كشف المهندس محمد السباعي المتحدّث باسم وزارة الموارد المائية والري المصرية، أنه "لم يتم التوصّل إلى اتفاقٍ حول عدد سنوات ملء بحيرة السد الإثيوبي خلال الاجتماع الأخير بين وزراء المياه في الخرطوم بمشاركة الولايات المتحدة والبنك الدولي، كما تُداول في بعض وسائل الإعلام"، مؤكداً أنه "خلال الاجتماعات الأربعة سيُتوصّل إلى توافق حول قواعد ملء وتشغيل السد الإثيوبي، وتفعيل بنود إعلان المبادئ العشرة".

الاجتماع الأول... مناقشة الحلول المقترحة
وأوضح السباعي، في تصريحات خاصة، "شهد اجتماع أديس أبابا بدء مناقشة الحلول المُقترحة من الدول، وسيعقبه اجتماعٌ آخر يومي الـ2 والـ3 ديسمبر (كانون الأول) بالقاهرة، لاستكمال ما تم خلال اجتماع الأول الذي شهد مناقشة المقترحات الخاصة بقواعد الملء والتشغيل".

وأضاف، "ما حدث بالاجتماع أن كل دولة وضعت اقتراحاتها وتصوراتها، وأهم بند تضمنه المقترح المصري أن يتم الملء على مراحل بالتنسيق مع إثيوبيا والسودان حسب نسبة الفيضان وغيرها من العوامل المؤثرة في كمية المياه سنوياً، فضلاً عن إدارة مشتركة للسدود الموجودة على الحوض"، مشيراً إلى أن هذا المبدأ "مُطبق بالفعل بين مصر والسودان، وكذلك مستقرٌ في كل الأنهار الدولية العابرة الحدود".

 

وتابع السباعي، "مصرُ ليست ضد بناء السدود، لكن يجب مراعاة التحديات التي يجب أن تدركها كل الأطراف، وهي ندرة المياه واتساع الفجوة بين الإيرادات المائية والاحتياجات الفعلية في ضوء اعتماد القاهرة على أكثر من 95% من احتياجاتها من مياه النيل".

وبسؤاله حول مقترحات الجانب الأميركي والبنك الدولي للوصول إلى هذا التوافق، قال "الطرفان موجودان بوصفهما مرَاقبين في المفاوضات، لكن الدول الثلاث مسؤولون عن مسار عملية التفاوض ومقترحات الوصول إلى الحل".

واعتبر تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أنه "إذا واصلت واشنطن وساطتها ومنحت القضية الاهتمام المناسب، فبإمكانها المساعدة في تجنّب الأعمال العدائية في بقعة حيوية من أفريقيا مع الحفاظ على التدفق السلس للتجارة الدولية".

ولفت التقرير إلى أن واشنطن "أساءت التعامل مع هذا الأمر حينما تركت الأطراف بمفردها في الماضي، فثمة طرف ثالث بديل ينتظر في الظل لتحقيق أجندة تتعارض مع تلك الأميركية"، في إشارة إلى موسكو التي طرحت وساطتها بين مصر وإثيوبيا خلال القمة (الروسية - الأفريقية) في سوتشي الشهر الماضي.

سيناريوهات تعثر المباحثات
قبل أيامٍ من "اجتماع واشنطن" الذي مثّل الانفراجة الأساسية في الأزمة، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي حول استعداد بلاده للحرب للدفاع عن سد النهضة صدمة بالقاهرة، إذ جاء إعلان آبي أحمد "استعداد ملايين الجنود للدفاع عن السد في ظل انسداد أفق التفاوض مع مصر وإعلانها وصول المفاوضات إلى طريق مسدود".

وأكدت وزارة الخارجية المصرية، وقتها، أن تصريحات آبي أحمد تضمنت "تلميحات غير مقبولة اتصالاً بكيفية التعامل مع ملف سد النهضة، الأمر الذي تستغربه مصر باعتبار أنه لم يكن من الملائم الخوض في أطروحات تنطوي على تناول خيارات عسكرية".

 

ووسط مخاوف من أن تؤدي المفاوضات الراهنة إلى مزيدٍ من إهدار الوقت كما جرى منذ اتفاق إعلان المبادئ عام 2015، كشفت وثيقة إثيوبية مُسرَّبة عن نية أديس أبابا الدخول في سباق تسلّح غير مسبوق بعد أن طلب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحاصل مؤخراً على جائزة نوبل للسلام من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، "تحديث الجيش الإثيوبي" من خلال طائرات "الرافال" وصواريخ استراتيجية بعيدة المدى يمكنها حمل رؤوس نووية، حسبما ذكرت مجلة "لوبوان" الفرنسية التي نشرت وثيقة تتضمن قائمة طويلة من ثلاث صفحات لترسانة الأسلحة المتطورة المطلوبة من باريس.

وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن "مصر على وجه الخوص تشعر بالقلق من العناد الإثيوبي بشأن سد النهضة الذي له عواقب وخيمة على تدفق نهر النيل اللازم لري 90% من الحقول المصرية"، مشيرة إلى أنه رغم انخفاض حدة التوتر منذ تدخل الوساطة الأميركية في الأزمة، فإن "الخلاف لا يزال بعيداً عن الحل".

وقال معهد واشنطن، "لا يمكن استبعاد احتمال قيام مثل هذه الأعمال العدائية إذا تعثّرت الوساطة الأميركية، وقد يكون القيام بعمل عسكري خياراً صعباً بالنسبة إلى القاهرة، خيارٌ له عواقب وخيمة على البلد بأسره، لكن الحكومة لا يمكنها ببساطة التغلب على أزمة مياه واسعة النطاق"، مشيراً إلى أن "النقص الحاد الذي ينطوي عليه أي ملء سريع لخزان سد النهضة سيؤدي إلى اضطراب اجتماعي واقتصادي شديد لملايين المواطنين المصريين وللأعمال التجارية".

ودعا تقرير لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية، المجتمع الدولي إلى "الضغط من أجل تسوية مُنصفة للنزاع بين مصر وإثيوبيا"، معتبراً أن أي مواجهة مستمرة بينهما "تشكل تهديداً كبيراً للسلام"، ومحذراً  من أن عدم الوصول إلى حل يمكن أن يحوّل الأزمة إلى "حرب بين البلدين".

الخيار العسكري... لا أحد قادر على تحمّله
وتابع التقرير، "تثير الهوة بين مواقف البلدين تساؤلات جدية حول إمكانية القيام بعمل عسكري مصري لمعالجة ما يعدُّه الاستراتيجيون المصريون تهديد الأمن القومي الأكثر إلحاحاً في البلاد، كما حشد آبي (للحرب) بنفس القدر، وألمح إلى هذا في الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول)، عندما قال إن بلاده مستعدة لإرسال ملايين الجنود لحماية السد إذا اندلعت حرب".

ووصف التقرير العمل العسكري بـ"الحماقة"، مؤكداً أنه "إلى جانب كونه كابوساً لوجيستياً وعملياتياً، فمن غير المرجح أن يسفر عن نتائج قد ترغبها مصر في عدم وجود احتلال دائم لمنطقة السد، وهو اقتراحٌ لا يمكن الدفاع عنه، وله تداعيات دولية وخيمة، ودون ذلك ستظل إثيوبيا تسيطر على مياه النهر، ويمكنها أن تضع مخططات لا حصر لها لتحويل مجراه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السفير الإثيوبي في القاهرة يتفق مع ما ذكره "فورين بوليسي" وكثير من المحللين الاستراتيجيين حول صعوبة الخيار العسكري، إذ أكد أن أيّاً من البلدين "لا يمكنه تحمّل تكلفة الحرب"، مشدداً على أن الحرب "ليست حلاً مطروحاً لتسوية أزمة سد النهضة".

وفيما يتعلق بالوثيقة المسرَّبة في مجلة "لوبوان" الفرنسية والحديث عن الاستعداد للخيار العسكري، قال السفير الإثيوبي دينا مفتي، "دعونا نتحدث عن التطور الإيجابي الذي توصّلت إليه المفاوضات، لا حول تصعيد التوتر".

وأضاف، في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "قيادات المفاوضات مسؤولون، ولا يبحثون عن تصعيد التوتر، لكن يبحثون عن تخفيف التوتر وفرص أفضل للتعاون، لا عن الخلافات والتحركات السلبية. يجب علينا أن ننسى الحديث عن التصعيد، وهدف شعبنا هو الرخاء والتنمية، والتغلب على الفقر، لا شن الصراعات. والحديث حول الصراع والحرب أمرٌ سلبيّ"،

وتابع، "أمّا الحديث عن الصفقات العسكرية، فنحن دولة ذات سيادة، وأي دولة ذات سيادة مستقلة يمكن أن تعقد صفقات مع أي دولة. أنتم لديكم الحق ونحن لدينا الحق، ولا يمكن السؤال حول الصفقات التي تبرمها أي دولة مستقلة مع دولة أخرى".

واعتبر السفير أنه "لا توجد وساطة أميركية، الولايات المتحدة والبنك الدولي مراقبان، وليسا وسيطين، حتى الآن لا يوجد وسطاء"، مؤكداً أن الاجتماع الأخير "كان مُثمراً"، ومضيفاً "قبل منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل ستُسوّى الخلافات، ولهذا الجميع متفائل، وأنا أيضاً متفائل".

المزيد من العالم العربي