الوطن قبل الدين... حين يرفض الكتّاب اليهود مغادرة وطنهم الأم الجزائر أو المغرب

تجربة الروائيين مريم بان وإدموند عمران المليح تقدم صورة أخرى عن تاريخنا المتعدد

بعض كتاب يهود شمال أفريقيا لم يتنازلوا عن أوطانهم الأصلية على الرغم مما عانوه من ضغوط (أ.ف.ب)

هناك بعض كتاب يهود شمال أفريقيا، بشكل خاص من الجزائر والمغرب، لم يتنازلوا عن أوطانهم الأصلية، لم يفرّطوا فيها ولم يغادروها، على الرغم مما عانوه من ضغط مزدوج، ضغط من قبل الحركة الصهيونية التي كانت تسعى إلى ترحيل أكبر عدد من يهود شمال أفريقيا إلى فلسطين منذ إنشاء دولة إسرائيل في 14 مايو (أيار) 1948، وضغط مارسه أبناء البلد من المسلمين، خصوصاً جراء ثقافة الكراهية التي نشأت ضد هؤلاء المواطنين وغذّتها حركات سياسية ودينية متطرفة لا تفرّق بين "الوطن" الذي هو ملك الجميع و"الدين" الذي هو لله، وتضاعف هذا الضغط بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 بين العرب وإسرائيل.

مريم بن حاييم قوة ناعمة في صلب الثورة الجزائرية

ومن النماذج الصامدة من الكتاب الجزائريين اليهود الذين قاوموا التهجير وظلوا مرتبطين بوطنهم، تأتي في مقدمتهم الروائية والشاعرة والرسامة الجزائرية اليهودية مريم بان (اسمها الكامل مريم بن حائيم)  (1928- 2001) والتي ظلت مقيمة في الجزائر حتى عام 1991، أي حتى دخلت  الجزائر في الحرب الأهلية التي سُمّيت بالعشرية السوداء، فغادرت على إثر ذلك مدينة الجزائر العاصمة نحو فرنسا (مرسيليا)، وهي الوضعية التي كانت السبب في تهجير كثيرين من المثقفين بعدما شعروا بأن حياتهم أصبحت مهددة لمواقفهم الفكرية المناهضة للظلامية والتطرف والإرهاب.

لقد عاشت الكاتبة مريم بان حياتها قبل استقلال الجزائر كما في فترة ما بعد الاستقلال كمثقفة مبدعة، شاعرة وروائية ورسامة تشكيلية، ومناضلة، عاشتها في اندماج تام مع المجتمع الجزائري، فكانت عضو اتحاد الكتاب الجزائريين، وكانت أيضاً عضو منظمة المجاهدين، وعضو الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، لم تكن عقيدتها حاجزاً في وجه ممارسة حياتها الطبيعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنزل مريم بان من قبيلة بني موشي التي يعود إليها الفضل في تأسيس مدينة عين البيضاء (جنوب شرقي الجزائر)، حيث استقرت هناك هروباً من الاستعمار الفرنسي بعد دخوله مدينة قسنطينة، وهي تعود إلى أسرة نزحت من الأندلس بعد محنة اليهود على إثر سقوط غرناطة، ومريم بان هي حفيدة الفيلسوف المعروف موسى بن ميمون.

وعلى المستوى السياسي والأيديولوجي، ترعرعت الكاتبة مريم بان في أسرة يسارية شيوعية مناهضة للصهيونية، فأبوها كان شيوعياً علمانياً، درست في ثانوية فرومنتان بالعاصمة (ثانوية بوعمامة حالياً) والتي طردت منها تحت حكم فيشي الفاشي كما حصل لجميع الأطفال اليهود.

مبكراً، ارتبطت بالحركة الوطنية الجزائرية ثم بالثورة الجزائرية، فانتمت إلى الحركة الشبانية الشيوعية الجزائرية، إذ وفي سنّ 14 أصبحت الأمينة العامة لهذه الحركة، ونظراً إلى انخراطها المباشر في صفوف جبهة التحرير الجزائرية، فقد حكمت عليها الإدارة الاستعمارية في عام 1958 غيابيا بـ 20 سنة أعمالاً شاقة.

درست مريم بان الفلسفة في جامعة الجزائر، وحين تخرجت اختارت مهنة التدريس في منطقة ريفية معزولة بضواحي مدينة مليانة غرب الجزائر العاصمة، لتعيش مع الأهالي الفقراء، فهذا الجيل من المعلمين كان يؤمن بأن النضال الاجتماعي والسياسي ضد الفقر لا ينفصل عن النضال ضد الأمية. بدأت حياتها كمثقفة بالكتابة في الصحافة اليسارية، ففي مطلع الثورة الجزائرية أسهمت بمقالات في جريدة الحزب الشيوعي "الجزائر الجمهورية" آلجي ريبيبليكان".

وبعد الاستقلال، كانت من الجزائريين اليهود القلائل الذين حصلوا على حق المواطنة، وبعد الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد الهواري بومدين ضد الرئيس أحمد بن بلة، في 19 يونيو 1965، وبداية تضييق الخناق على المثقفين التنويريين واليساريين، هاجرت الكاتبة مريم بان إلى فرنسا مثلها مثل كثيرين من المثقفين الوازنين الذين اضطّروا إلى مغادرة البلد من أمثال محمد ديب وحسين زهوان ومحمد بودية ومحمد حربي ومراد بوربون وأحمد أزغار ومحمد بن منصور وغيرهم.

وكانت مريم بان على علاقة وطيدة بالفضاء الثقافي الجزائري، ما يؤكد التنوع والتسامح الذي كان يطبع النخب الجزائرية، على اختلاف دياناتها إسلامية أو يهودية أو مسيحية، وعلى اختلاف لغات الكتابة العربية والفرنسية والأمازيغية، وفي هذا الجو الأدبي المنفتح والمتعدد، كتبت مريم بان مسرحية قام بإخراجها محمد بودية المسرحي والمثقف اليساري وأول مدير للمسرح الجزائري بعد الاستقلال، والذي اغتالته الاستخبارات الإسرائيلية الموساد في باريس في 28 يونيو 1973، ومسرحية ثانية بعنوان "نورة" عام 1979، أخرجها كاتب ياسين الذي كان يرأس الفرقة المسرحية "النشاط الثقافي للعمال".

وقد تعددت كتابات مريم بان بين الشعر والرواية والمسرحية ومن بين عناوينها التي عرفت رواجاً متميزاً بين القراء الجزائريين أذكر "الشمس المغتالة" شعر 2002، "في مفترق التضحيات" شعر 2000، ليلى، أطفال الشحاذ (مسرحية) 1998، "هكذا وُلد الإنسان" (قصص) 1993، "صبرينة، لقد سرقوا منك حياتك" رواية. في عام 2000، أصدرت مذكراتها بعنوان "حين تكون الأوراق مغشوشة" وهي مذكرات تعود فيها إلى قراءة المشهد الثقافي والسياسي الجزائري من خلال تجربتها كمثقفة ملتزمة بوطنها وبقضايا الدفاع عن حرية الشعوب.

الحاج إدموند المليح كاتب يهودي بتوابل مغربية

هكذا يسميه أصدقاؤه من المثقفين في المغرب "الحاج إدموند"، وكان الكاتب إدموند عمران المليح (1917-2010) سعيداً بهذا الاسم، فخوراً بهذا اللقب الشعبي لأنه يحمل كثيراً من دلالات الاحترام والتقدير والذوبان في المخيال العام من دون حواجز دينية، فكلمة "الحاج" إضافة إلى بعدها الديني، تحمل أيضاً بعداً اجتماعياً قيمياً للتدليل على التقدير والاحترام الشعبيين لشخصية ما.

ويكاد يكون مسار إدمون عمران المالح الإبداعي والنضالي شبيهاً إلى حد كبير بمسار الكاتبة الجزائرية مريم بان، فهو كاتب وروائي وشاعر وناقد تشكيلي ومناضل يساري مناهض للصهيونية. إنه نموذج المثقف المغربي اليهودي الوطني الذي فضّل البقاء في بلده المغرب والموت فيه والدفن في ترابه، وعلى مدى قرن تقريباً من حياته (توفي عن عمر 93 سنة) لم يتنازل عن الحديث باللهجة المغربية أو اللغة الأمازيغية بين أبناء بلده سواء في المغرب أو في المنافي، وهذا الموقف من اللغة له دلالة سياسية وثقافية عميقة سيكولوجياً واجتماعياً. فمن خلال ذلك، كان يريد أن يبين للعالم أن اللغة هي ظل الوطن، هي الوطن الذي نحمله في قلوبنا وعلى لساننا أينما رحلنا ونزلنا.

جاء إدموند عمران المليح الكتابة الأدبية متأخراً، إذ شرع في كتابة ونشر أولى نصوصه السردية الروائية والحكائية وقد بلغ الـ 63 من عمره أو يزيد قليلاً، لقد ظل مسانداً للقضية الفلسطينية، ومدافعاً عن الحوار السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذي يحترم الحقوق الوطنية والإنسانية للفلسطينيين، وعلى الرغم من بعض الشعور بالوحدة التي عاشها إدموند عمران المليح جراء هجرة كثير من الأسر اليهودية المغربية إلى فلسطين بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، ثم بعد حرب يونيو 67، إلاّ أنّه قاوم ذلك وانتصر عليه لأنه كان وطنياً قبل أن يكون دينياً، مغربياً قبل أن يكون يهودياً، وأنه ومن موقفه كمثقف وطني وإنساني لم يكن ضحية حلقة الكومينوتاريزم اليهودي، بل كان يشعر بأنه مواطن مغربي، يعيش ما يعيشه المواطن المغربي الآخر بغض النظر عن ملته أو دينه أو عرقه، كان فخوراً بمغربيته التي تتقاطع فيها الأمازيغية والعربية واليهودية.

لذا، فالإحساس بالمواطنة والالتزام بالدفاع عنها، اللّذان كانا مكمن قوة إدمون عمران المليح وما جعله يتغلب على هذا الشعور بالوحدة ويواصل العيش في المغرب كأي مثقف مبدع آخر. وكما حصل مع الكاتبة اليهودية الجزائرية مريم بان، فقد غادر إدموند عمران المليح المغرب إلى فرنسا بعد أحداث الدار البيضاء عام 1965 التي سُجن أثناءها من قبل نظام مخزن الملك الحسن الثاني.

وتدور كتابات إدموند عمران المليح حول إشكالية مركزية هي "المصالحة ما بين الأرض والإنسان والتاريخ"، ويمكن اعتبار عمران المليح الحكواتي المغربي اليهودي، لثقافته المغربية الشعبية الواسعة، وأيضاً لثقافته العالمة الإنسانية، فإننا نلمس في كتاباته ذلك النفس الروحاني الطبير القادم من التصوف اليهودي "القبّالا" والتصوف الإسلامي في تناغم جميل، وعمران المليح هو أحد الوجوه الثقافية الوازنة التي دافعت في نصوصها ومواقفها عن "العيش المشترك" في المغرب. وإذا كان قد كتب نصوصه جميعها بالفرنسية، إلاّ أنّنا نلمس أن فرنسية إدموند عمران المليح ملقحة باللغة الأمازيغية واللهجة المغربية والعربية.

وتتميز كتابات إدموند عمران المليح بجمالية مثيرة وفريدة فهي نصوص تجمع ما بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي (أستاذ فلسفة وأيضاً مريم بان أستاذة فلسفة) ونقل صور المجتمع المغربي الشعبي، وهو في ذلك يبدو حكواتياً كبيراً، تتشعب الحكايات في كتاب واحد وتستمر في كتب أخرى، ومن نصوصه السردية التي قُرئت بشكل كبير في المغرب وخارجه يمكن ذكر بعضها "المجرى الثابت" 1980، "أيلان" أو "ليل الحكي" 1983، "ألف عام بيوم واحد" 1986، "عودة أبو الحكي" 1990، كتاب "الأم" 2000. وقد نال إدموند عمران المليح جائزة الاستحقاق الوطني المغربية عام 1996 وهي أرفع جائزة ثقافية رسمية، كما تُوِّج بوسام الكفاءة تقديراً لمجمل أعماله الإبداعية عام 2004.

إن قراءة تجربتَيْ كل من الروائية الجزائرية مريم بان (مريم بن حائيم) والروائي المغربي إدموند عمران المليح، قراءة تجربتيهما، في علاقتهما بالوطن ودفاعهما عن القضايا الإنسانية الكبرى وعلى رأسها قضية استقلال الشعوب وإدانة الاستعمار، هذه القراءة تقدم لنا صورة أخرى عن تاريخنا المتعدد، وعن الجانب المتنور الذي للأسف، يتم التعتيم عليه اليوم في ظل انتشار وتعميم ثقافة الإلغاء وعدم الاعتراف الذي أوصل هذا الجيل الجديد في بلداننا إلى التطرف والإرهاب وثقافة الدم.

المزيد من آراء