رئاسيات الجزائر تشعل معركة إلكترونية بين النظام "المؤيد" والحراك "الرافض"

السلطات تتهم الجهات الخارجية بالوقوف وراء دعوات العصيان والعنف لإحداث شرخ بين أبناء الشعب الواحد

 

تظاهرة ضد سياسات فيسبوك في الجزائر أمام مقر فيسبوك في باريس (أ.ف.ب)

يبدو أن المعركة بين النظام المؤقت والحراك الرافض للانتخابات الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر (كانون الأول)، توسعت إلى ساحة جديدة بعد الشارع، وقد انتقلت إلى الفضاء الأزرق الذي بات يعرف تصعيداً "خطيراً" بين الجزائريين، استدعى تدخل المؤسسة العسكرية التي حذرت من أطراف تعمل على زرع الفتنة عبر معلومات مغلوطة.

"فيسبوك" ساحة معركة

وردّ جزائريون على غلق صفحات تناصر جهة في الحراك الشعبي، بتنظيم تجمعات أمام مقرات "فيسبوك" في مختلف عواصم العالم، وآخرها كان في العاصمة البريطانية لندن، احتجاجاً على استجابة إدارة "فيسبوك" لطلب السلطة الجزائرية، التي ترى أن هذه الصفحات تمارس "التضليل والتشويش" وتدعو إلى "العنف"، من خلال "نشر أخبار وفيديوهات كاذبة ومغلوطة، والترويج لأفكار متطرفة وعنصرية وجهوية".

وفي هذا الشأن، يعتبر المحلل السياسي أنس الصبري في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "جهات خارجية ممثلة في نشطاء جزائريين يتحركون بالتنسيق مع أطراف داخلية من دعاة المرحلة الانتقالية والمجلس التأسيسي والرافضين للانتخابات، من أجل دفع الشارع إلى التصادم والوصول إلى إلغاء الرئاسيات، وذلك بعد فشل كل المحاولات في الشارع"، مضيفاً أن "المعركة انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي يصعب التحكم فيها، وقد باتت ساحة للسب والشتم والتخوين والكراهية والتعصب والتطرف بين أبناء الوطن الواحد".

وتابع الصبري أن "السلطات تتهم الجهات الخارجية بالوقوف وراء دعوات العصيان والعنف، الذي بدأت معالمه تظهر في الشوارع مع بداية الحملة الانتخابية إثر المناوشات الكلامية والسب والشتم المسجلة في مناطق عدة بين الرافضين للانتخابات ومؤيدي المرشحين"، محذراً من استمرار الوضع، ما يضع البلاد على "كف عفريت".

انزعاج... ومواجهة مخيفة

وعبّر النظام المؤقت عن انزعاجه من صفحات "تنشر الأخبار المزيفة وتنشط حملات مغرضة ضد الدولة ومؤسساتها وضد الشعب"، وقال وزير الاتصال حسان رابحي، إن "السلطات المختصة سجلت عدداً من محاولات قام بها أعداء الشعب الجزائري للمساس بمؤسسات الجمهورية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، عبر منصات التواصل الاجتماعي، كذلك صفحات الفيسبوك، تنشر الأخبار المزيفة وما يُعرف بفايك نيوز بهدف زعزعة الاستقرار"، داعياً وسائل الإعلام إلى التصدي للمحاولات التي تسعى إلى نشر الأكاذيب وتزوير الحقائق عبر هذه الوسائط الاجتماعية، وذلك من خلال التعاطي بحذر مع الأخبار الكاذبة والمزيفة التي يروج لها عدد كبير من الصفحات.

وفي الوقت الذي لجأ المعارضون للانتخابات إلى مواقع التواصل الاجتماعي كساحة جديدة لمواجهة النظام المؤقت وللتاثير في الرأي العام، سارعت فئة من الحراك إلى فتح مئات الصفحات للدفاع عن خيار الانتخابات كحل للخروج من الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، لتتحول بذلك مختلف الصفحات إلى ساحة معركة "خطيرة" تهدد المجتمع الجزائري بالانفجار في أية لحظة، في مشهد لم يكن أحد يتوقع حدوثه بين الجزائريين، بعدما بلغ قمع الرأي المخالف أوجّه وارتفعت حدته في الأسابيع الأخيرة، مع انتشار ملايين الحسابات المزيفة تعمل على زرع الفتنة والتفرقة بخطابات عنصرية وجهوية وأيديولوجية.

22 مليون جزائري مشترك

بدوره، يؤكد أستاذ الإعلام والاتصال في إحدى جامعات شرق الجزائر، جمال بوديسة في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "الذين يقفون وراء نشطاء الفضاء الافتراضي يعملون على إحداث شرخ بين الجزائريين، عبر إثارة مواضيع الهوية والجهوية والتحريض على رموز سياسية ومهاجمة المعارضين، وذلك خدمة لأجندة معينة لها طموحات وأهداف سياسية"، مشيراً إلى أن المساس بالمؤسسة العسكرية أعطى مصداقية للاعتقاد بأن الهدف مما يجري في البلاد هو دفع الجزائر إلى الهاوية.

ويحذر قائلاً "ما يجعل الفترة المقبلة أسوأ هو ارتفاع عدد مستعملي الفيسبوك في الجزائر، بعدما بلغ 22 مليون مشترك، أي ما يمثل 50 في المئة من عدد السكان"، لافتاً إلى مخاطر الإشاعات المتداولة التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي، وغالباً ما تصل إلى الجمهور العريض بطريقة مقصودة أو بطريقة عفوية عبر الإرسال المتعدد الذي يصل إلى ملايين المشتركين في الوقت ذاته.

تحذيرات من نوايا "خبيثة"

وأشار قائد الأركان أحمد قايد صالح إلى خطورة سعي البعض  لتأزيم الوضع وإطالة أمد الأزمة، من خلال التعمد في نشر الإشاعات والأخبار المزيفة والأكاذيب بطريقة مستمرة عبر وسائط إعلامية عدّة، مؤكداً أنهم يتعمّدون انتهاج هذا السبيل على الرغم من أنه كان بوسعهم اكتساب مصداقية أكثر من خلال التركيز على نقل الأحداث الحقيقية، عوض تعمّد تضليل الرأي العام من خلال صناعة الأكاذيب والسيناريوهات غير الحقيقية والمغلوطة، والتي تُنسب إلى شخصيات ومراكز اتخاذ القرار.

واعتبر صالح أن "كل ذلك يأتي من خلفية وجود مخططات مدروسة جرى إعدادها بمكر شديد قصد التشكيك في أي فعل يهدف إلى تهدئة وطمأنة الشعب، والوقوف أمام إيجاد أي مخرج للأزمة وتعطيل كل مسعى للعودة بأسرع وقت ممكن إلى صناديق الاقتراع، من أجل انتخاب رئيس للجمهورية، وفقاً للإرادة الشعبية الحرة". وقال إن "من يسعى إلى تعطيل مثل هذه المساعي الوطنية الخيّرة هم أشخاص وأطراف تعمل بمنطق العصابة، وتسير في سياق أبواقها وأتباعها، الهادفة دوماً إلى المزيد من التغليط والتضليل".

المزيد من العالم العربي