بريطانيون قاتلوا ضد "داعش" يتعرضون لمضايقات الأجهزة الأمنية

جندي سابق اسقطت تهم عنه يؤكد انه يريد استعادة حياته الطبيعية

سقط تنظيم "داعش" واستسلم كثير من مقاتليه، لكن بقيت مشاكل كثيرة يتوجب حلّها حتى بالنسبة لمن قاتلوا ضد ذلك التنظيم (رويترز)

وجّه متطوّعون قاتلوا ضد تنظيم "داعش" في سوريا، اتهاماتٍ للسلطات البريطانية بمعاملتهم كإرهابيين، في إطار حملة مضايقات "مزيفة". وعلمت "إندبندنت" أن شخصاً واحداً في الأقل من هؤلاء، غادر المملكة المتحدة بسبب تدخّل مزعوم من الأجهزة الأمنية.

و ابتداءً من 2014، انضم عشراتٌ من البريطانيين إلى "وحدات حماية الشعب" الكردية، الفصيل الذي دعمه تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة، لطرد تنظيم "داعش" من المناطق التي أعلنها أرضاً للخلافة. وقُتل 8 متطوّعين بريطانيّين مع تلك الوحدات في سوريا، وكانوا 7 رجال وامرأة.

وقد عادت إلى بريطانيا الغالبية العظمى من الذين نجوا من القتال، لكنهم هؤلاء وجدوا أنفسهم عرضةً للتوقيف مرّاتٍ عدة وللاستجواب كذلك. وفي بعض الحالات، قُبِضَ عليهم بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية. وبعد محاولاتٍ فاشلة لمحاكمة الأشخاص الذين قاتلوا إلى جانب "وحدات حماية الشعب" الكردية، أصبح عيدان جيمس أول متطوّع يُدان هذا الشهر.

وكذلك حُكِمَ على ذلك الشاب البالغ من العمر 28 عاما، بالسَّجن سنة كاملة بسبب مشاركته في معسكر للتدريب يديره "حزب العمّال الكردستاني" المحظور في العراق، على الرغم من أنه لم يقاتل من أجل تلك الجماعة. وقد اتّهمته "النيابة الملكية العامّة"  بدايةً بالإعداد لأعمال إرهابية عِبْرَ السفر إلى سوريا، للانضمام إلى "وحدات حماية الشعب"، لكن القاضي وجد إنه "لا توجد أمامه قضية للنظر فيها".

وأشار القاضي جاستيس إديس إلى أن الجماعة الكردية "تدعم سياسة المملكة المتحدة وغيرها من الحلفاء عِبْرَ محاربة "داعش"، وعملياتها كانت مدعومة بغارات جوّية نفّذها سلاح الجو الملكي البريطاني." وأضاف القاضي في حديث مع صحيفة "أولد بيلي" أن القتال إلى جانب "وحدات حماية الشعب"، لم يكن إرهاباً على الإطلاق، بموجب القوانين المعمول بها في المملكة المتّحدة.

وأحيت ملاحظاته ادّعاءاتٍ موجّهة إلى أجهزة الأمن بممارسة النفاق، بعد مواصلة عناصرها مراقبة المتطوّعين العائدين واعتقالهم. وذكر جندي سابق أُسقِطَتْ عنه تهم بالإرهاب في يوليو (تموز) العام 2018، بعد تحقيق دام نحو عامين، إنه ما زال يتعرض للتوقيف بشكل روتيني لدى مروره عبر المطارات والموانىء البحرية.

وأساساً، اتُّهِمَ الجندي السابق جيمس ماثيوز بانتهاك القوانين المتعلقة عب رالحضور إلى الأماكن التي تقدم "تعليمات لأغراض مرتبطة بالإعداد للإرهاب"، والتدرّب مع "وحدات حماية الشعب" الكردية.

وقد وثّقْ الشاب البالغ من العمر 44 عاما، تجاربه في كتابٍ بعنوان "مقاتلة الوحوش" Fighting Monsters، ووصف فيه شعوره أثناء الإجراءات القانونية المطوّلة، "لقد كنتُ حقل تجارب"، وفق كلماته. واتّهم "النيابة العامّة الملكية" بمحاولة تغيير منطقه بشكل متكرّر.

وأضاف، "كنت آمل، عندما أُسْقُطت التهم الموجهة إليّ، أن تُجرى إعادة تفكير من جانب السلطات... لكن ليس لدي أدنى شك في أنني ما زلت أخضع للمراقبة". وأكد ماثيوز أنه أوقِفَ بموجب الجدول 7 من قانون الإرهاب، أثناء عودته إلى بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصُودر هاتفه وجهازه المحمول.

وقد زار أفراد من الشرطة منزل شقيقته في يونيو (حزيران) واستجوبوها بشأن مكان وجوده وأنشطته، وغادروا بعدما سبّبوا لها "إزعاجاً وإرباكاً وخوفًا". وأشار إلى أنه وجّه رسالةً إلى الشرطة يطلب فيها تفسيراً لكنه لم يتلقّ ردًّا. ووصف التجربة بأنها "محبطة للغاية".

وأضاف، "أحاول أن أعيش حياة طبيعية، فأنا لم أرتكب أيّ خطأ، وقد أسقطت التهم. أريدهم أن يخرجوني من القائمة وأن يتركوني وشأني، لكنني لا أعتقد أنهم سيتوقفون على الإطلاق. لا توجد استمرارية في مقاربتهم لهذا الأمر مع مختلف الذين قاتلوا إلى جانب وحدات "حماية الشعب الكردي"، ولا توجد تفسيرات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال متطوّع سابق مع "وحدات حماية الشعب"، لم يرغب في الكشف عن إسمه، إنه غادر المملكة المتحدة بعد "تعرّضه لمضايقات" من أجهزة الأمن، على الرغم من إطلاق سراحه من دون اتّخاذ إجراء آخر، عقب تحقيق الشرطة معه. ويُعتقد أن وكالة الاستخبارات في البلد الذي يعيش فيه الآن، تلقّت تحذيراً بوجوده على أراضيها من قبل لندن، لكنه لم يصنّف ذلك التحذير بوصفه تهديدًا.

واعتبر زميل مقاتل سابق في "وحدات حماية الشعب" الكردية، إسمه ماكر غيفورد، سياسة بريطانيا في شأن عودة المتطوّعين بأنها "غير متماسكة". وتحدث غيفورد البالغ من العمر 32 عاماً عن رفض منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتّحدة أخيرًا بسبب سفره إلى سوريا، ويُجرى التدقيق معه بموجب الجدول 7، في كل مرة يمر خلالها عبر المطار. وأضاف، "كشفتُ إرادياً عن جميع كلمات المرور الخاصة بي، فأنا منفتحٌ وصادق إلى أقصى الحدود معهم، إضافةً إلى أنهم قبل ذلك لم يجدوا شيئًا يتيح لهم الادّعاء عليّ ومحاكمتي".

ويعتقد غيفورد، الذي أكد أنه توقّف القتال في 2017، عدم توجيه اتّهام له بسبب المقابلات الرفيعة المستوى التي أجرتها معه وسائل الإعلام. وأضاف، "جرّبت النيابة العامة الملكية كلّ شيء في كتاب القواعد لمقاضاة متطوّعين آخرين في "وحدات حماية الشعب"، وضربوا أولئك الذين لا دعم لهم، ممّن تعرّضوا لإصابات، أو تلقوا صدمات أو تعرّضوا للإفقار."

ووفق كلماته، "لم أشعر أبداً بأنني إرهابي، ولم أكن كذلك في مطلق الأحوال. وحقيقة أن تقديم المتطوّعين الدوليين إلى المثول أمام المحاكم وتمزيق حياتهم، وذلك أمر فظيع. يتمثّل ما فعلناه في أننا قاتلنا "داعش" وأردنا فعل الشيء الصحيح".

وتكرّ السبحة، جوشوا ووكر، طالبٌ انضم إلى "وحدات حماية الشعب" في 2016، وجرى اعتقاله أثناء عودته إلى مطار غاتويك بعد 18 شهراً. ولم يُحاكَم بسبب أنشطته في سوريا، بل وُجّهت إليه تهمة ارتكاب جريمة إرهابية لحيازته نسخة من كتاب "دليل عمل للشخص الفوضوي"، لكن هيئة المحلفين برّأته بعد الاستماع إليه. وقد أوضح أنه عمل على الحصول من الإنترنت على الملف الذي يحتوي على تعليمات تتعلٌق بصنع قنابل، من أجل تمارين تبادل الأدوار في جامعة "أبيريستويث".

وكشف ووكر لصحيفة "إندبندنت" إنه بعد أشهر من تبرئته في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2017، عن تلقيه اتصالاً من "برنامج مكافحة التطرف". ووفق كلماته، "طلبتُ منهم بأسلوب مهذّب أن يدعوني وشأني، فإنني أحاول العودة إلى ممارسة حياتي الطبيعية، ولا تساعدني في ذلك المتاعب التي أتعرّض لها باستمرار. ومنذ ذلك الحين تركوني لشأني بعد ذلك".

وأشار ووكر إلى أن الشرطة لم تعمد إلى توقيفه أثناء السفر لقضاء عطلاتٍ في إيرلندا وفرنسا، لكنه يعتقد أنه "محظوظ" بالمقارنة مع زملائه الآخرين ممن تطوّعوا مع "وحدات حماية الشعب" الكردية.

وقد عاد الطالب البالغ من العمر 29 عاماً إلى الجامعة لمواصلة دراسته في السياسة الدولية والدراسات الإستراتيجية، لكنه يتخوّف من احتمال تعرّضه لمشاكل في المستقبل، لجهة الحصول على تأشيرات دخول إلى بعض الدول، ووصف نهج السلطات البريطانية تجاه "وحدات حماية الشعب" الكردية بأنه "منافق للغاية".

واستشهد بمثل عن متطوّع ألماني علم بأنه مُنع من الدخول إلى المملكة المتحدة لأسباب أمنية لحضور جنازة المقاتل البريطاني جاك هولمز في العام 2017. ويتوقع بعض الذين قاتلوا إلى جانب "وحدات حماية الشعب" الكردية، أن الضغوط السياسية من تركيا التي تعتبر المنظمة جماعة إرهابية، قد تكون وراء جهود الملاحقة المستمرة التي يتعرَض لها المتطوّعون السابقون.

وفي المقابل، تُصر أوساط النيابة العامّة والشرطة على أن إجراءاتها تحصل بشكل مستقل ووفقاً للقانون. وقد أكّدت  الحكومة البريطانية مراراً على أن كل شخص عائدٍ من سوريا سيخضع للتحقيق معه. وكشف آليستير ليون، وهو محام يمثل ماثيوز وآخرين من الذين تطوّعوا للقتال إلى جانب "وحدات حماية الشعب"، أنه جرى اعتقال شخص واحد في الأقل هذه السنة.

واعتبر محامي بيرنبيرغ بيرس أن "من المستحيل أن نرى من بُعد، ما يمكن أن يصبّ في مصلحةٍ عامة محتملة. ومما لا شك فيه أن الشرطة والنيابة العامّة ارتكبتا خطأ فادحاً في اعتبار تلك الحالات إرهاباً، وعليهم التوقّف".

وأوضح المحامي ليون أن السبب في المشكلة يكمن في تعريف الإرهاب في القانون البريطاني، بأنه كل عمل أو تهديد بعمل بهدف "مساندة قضية سياسية أو دينية أو أيديولوجية". وأضاف "إنه تعريف مطّاط للغاية لدرجة أنه يعرّف الإرهاب بأي شكل من أشكال العمل العسكري أو شبه العسكري في كل مكان في العالم، الذي لا يكون بناءً على طلب من دولة".

ورأى أن تعليقات جاستيس إديس في ما يتعلّق بـ"وحدات حماية الشعب" الكردية، يجب أن يكون المؤشّر واضحاً للغاية بالنسبة للشرطة وللنيابة العامّة بوجوب ترك هؤلاء الأشخاص لشأنهم والكفّ عن ملاحقتهم".

وفي المقابل، تصرّ الحكومة على أن كل شخص يشارك في النزاع في سوريا أو العراق، سيُحقّق معه لمعرفة إذا كان قد ارتكب جرائم جنائية "وضمان ألا يشكّل تهديداً لأمننا القومي".

© The Independent

المزيد من تحلیل