أدوات الموت الإسرائيلية... حياة بيد الفلسطينيين

تحويل الرصاص وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع إلى تحف فنية وأكسسوارات وقلائد

مجسمات من عمل هيثم الخطيب (اندبندنت عربية)

"وايرز أرت" أو ما يعرف بـ"فن الأسلاك" فن من نوع آخر، تحول عند بعض الموهوبين والفنانين الفلسطينيين من هواية إلى حرفة ومهنة تنقل رسائل ذات دلالات وطنية.

وقد بدأت قصة هذا النوع من الفنون مع هيثم الخطيب (43 سنة) من قرية بلعين غرب رام الله وسط الضفة الغربية، عندما حاول شد الأسلاك الشائكة الفاصلة بين بلدته والمستوطنة الإسرائيلية المجاورة، حينها أصيب بجروح بليغة جراء القطع المدببة على الأسلاك، وقال "وقتها قررت أن أحول ذاك الألم إلى فن يعكس حقيقة الواقع المرّ الذي يعيشه الفلسطينيون منذ احتلالهم قبل 71 عاماً عبر ما يسمى (واير أرت).

"واير أرت" فلسطيني

الخطيب بدأ بفن "واير أرت" مذ كان في العاشرة من عمره من دون أن يعي ذلك، إذ قام آنذاك بلف أسلاك معدنية مختلفة على بعضها البعض ليشكل بها سيارة صغيرة متقنة، أثارت إعجابه وأرضت رغبته الطفولية بامتلاك لعبة جميلة، لكنها وفي الوقت ذاته كانت سبباً لسخرية أصدقائه منه وتراجعه عما أحب.

ومع مرور السنوات، أصبح الطفل مصوراً صحافياً، فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 وتصاعد الأحداث في الضفة الغربية، اتخذت بلدة بلعين غرب رام الله منحاً جديداً عقب المسيرات السلمية، إذ قامت إسرائيل عام 2005 ببناء جدار الفصل وقضم ثلثي أراضي القرية، ما دفع بهيثم إلى توثيق المواجهات والقتل والرصاص التي كانت تندلع في قريته في كل جمعة. وقال في حديث لـ "اندبندنت عربية"، "منذ 14 عاماً وأنا أوثّق وأصور الاعتداءات الإسرائيلية التي تحدث في فلسطين بشكل عام، وفي قرية بعلين بشكل خاص، وأنتجت خلال تلك الفترة كتابين مصورين وأربعة أفلام وثائقية.

ومنذ عامين تقريباً بدأت أشعر بوقت فراغ كبير لغياب الأحداث والمسيرات في بلدتي كما السابق، فعدت لهوايتي في فن تشكيل الأسلاك المعدنية التي من خلالها أجسّد القضية الفلسطينية، وأعبّر عما في دواخلي من غضب وأمل. أول مجسم لي كان للشهيد الطفل محمد الدرة، وهو يختبئ وراء أبيه من رصاص الجنود، ولاقى المجسم إعجاب الكثيرين ما شجعني لاستكمال هوايتي في فن الأسلاك علّها توصل رسالة القضية الفلسطينية وتؤثر في مشاعر الآخرين أكثر من الصورة الصحافية التي عملت عليها طيلة سنوات."

النحاس كالفلسطينيين

عشرات التماثيل واللوحات التي أتقنها الخطيب من الأسلاك المعدنية، تنتشر في زوايا بيته المتواضع في قرية بلعين، والتي تجسد أطفال الحجارة والمزارعين الفلسطينيين والمرأة المناضلة، ومجسمات للكوفية الفلسطينية الشهيرة التي كان يرتديها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما أنه يعمل خلال الفترة الحالية على تكبير مجسماته المعدنية شيئاً فشيئاً. وتابع الخطيب "أقوم بجمع الأسلاك النحاسية من الأسلاك الكبيرة التي لم يعد الناس بحاجة إليها، فبدلاً من رميها في القمامة أفرغ ما فيها لأصنع المجسمات، وكل مجسم قد يستغرق معي بضع ساعات لإنجازه، واختياري لمعدن النحاس لم يكن اعتباطاً، فأنا أرى أن النحاس بقوته وصلابته وقدرته على التحمل، كما الشعب الفلسطيني الذي يتحمل المعاناة والمأساة منذ النكبة عام 1948 وما قبل ذلك، إضافة إلى ذلك فإن لون النحاس لا يتغير عبر الزمن، وأطمح من خلال هذا النوع من الفنون أن أعبر عما في داخلي من رسائل لم أستطع كصحافي أن أنقلها إلى العالم".

عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يسعى الخطيب لنشر فنه ومجسماته لأكبر عدد من الجمهور حول العالم، وهو يسعى إلى تكبير حجمها لوضعها في الميادين والساحات العامة. ويطمح الخطيب بحسب تعبيره، لإقامة "معرض فني داخل فلسطين وخارجها، يضم كل أعماله الفنية من المجسمات واللوحات الوطنية والتعبيرية، ليس بهدف كسب المال، وإنما لربح أكبر عدد من المتضامنين الدوليين مع القضية الفلسطينية".

غياب الدعم الفلسطيني

في الوقت الذي ينشر فيه الخطيب آخر أعماله ومجسماته وتماثيله المعدنية، يعاني من غياب الحاضنة الفلسطينية الرسمية أو الشعبية، والتي من شأنها رفع قدراته وتنمية موهبته في فن "واير أرت". في حين تتواصل معه جهات إسرائيلية متعددة "تترجى" منه تبني أعماله الفنية النادرة واللافتة، حتى أنه اضطر في مرة من المرات، لصد ناشطة إسرائيلية وصلت لمنزله في قرية بلعين محاولة إقناعه ببيع منتجاته لتاجر إسرائيلي، لكنه رفض عرضها جملة وتفصيلاً.

تجارب سابقة

يعتبر الخطيب عمله جزءاً من فن إبداعي معاصر بدأ يأخذ طريقه إلى العالمية، وهو "فن الأسلاك" الذي تحول عند بعض الموهوبين والفنانين من هواية إلى حرفة ومهنة.

لكن الفنان الفلسطيني أكرم الوعرة (51 سنة) من مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين جنوب الضفة الغربية، قرر هو الآخر تبديل أدوات الموت الإسرائيلية المحيطة به من قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرصاص، إلى تحف فنية وأكسسوارات وقلائد.

فبعد كل مواجهة بين الشبان الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين، يهم الحلو إلى جمع القنابل المعدنية عن أرض المعركة، وأخذها إلى ورشته الفنية المتواضعة داخل المخيم، حيث يقوم بإعادة تشكيل قنابل الغاز المسيل للدموع، وتحويلها إلى خواتم وأساور وقلائد وقطعٍ فنية مختلفة. وقال الوعرة لـ "اندبندنت عربية"، "عشقي لإعادة التدوير جعلني أحول القنابل المميتة التي يطلقها الإسرائيليون تجاهنا إلى شيء جديد"، وتحويل القنبلة التي تقتل وتفتك بمئات الشبان الفلسطينيين إلى قطعة فنية مليئة بالحياة، تُذكّر العالم أجمع بما نعيشه في فلسطين".

القنبلة حياة جديدة

الوعرة الذي يعتبر القنابل المسيلة للدموع التي يطلقها الجنود الإسرائيليون بكثافة في كل مواجهة تحدث في فلسطين، مصدر دخل له، يرى فيها فرصة للتغيير وبث الرسائل الوطنية الفلسطينية بكل لغات العالم، ويقول "هذه القنبلة أطلقها جندي إسرائيلي حاقد بكل كُره وبدافع الأذى، هو يريد أن يبعدني عن أرضي، لكنني حولتها لأداة كلها حياة، حتى أنني صنعت من قنابل وعبوات عسكرية أخرى قطع أثاث وهدايا، وملاعق وشوكاً وأثاثاً مكتبياً ومنزلياً، فضلاً عن إنارة للمنازل والمحال التجارية، ومن المخلفات الخشبية صنعت أكسسوارات للحدائق، وتحفاً فنية".

التنوع عند الوعرة لا يقتصر على منتجاته وحسب، فكذلك زبائنه يتنوعون بين سياح أجانب، وعرب يقبلون على منتجاته اللافتة من الأكسسوارات وغيرها، ويفضلون شراءها لأنها تحمل الكثير من القصص، أبرزها "أدوات الموت... حياة بيد الفلسطينيين".