أين يضع اللبنانيون مدخراتهم في زمن الانتفاضة؟

يقدّر حجم الأموال المهرّبة إلى المنازل بثلاثة مليارات دولار

قام كثيرون بشراء ليرات ذهبية حفاظاً على أموالهم (اندبندنت عربية)

في مقابلته الأخيرة، لمح رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون إلى أن "اللبنانيين يدخرون أموالهم تحت المخدة"، طالباً عدم المبالغة والتهويل. هذه الملاحظة الرئاسية، وإن اتخذت الطابع الواقعي، إلا أنها في المقابل تؤشر إلى أن المواطن اللبناني عاد إلى أساليب تقليدية في حفظ الأموال، مدفوعاً بالخوف على مستقبله والمصير المجهول لمدخراته.

أساليب الأجداد

يضع علماء الاقتصاد عملية الادخار تحت المخدة وليس البنك، في خانة عدم الثقة، وتجلت تلك العملية من خلال الطوابير الطويلة أمام المصارف خلال أيام العمل وقيام بعض العملاء بتصوير وعرض نقاشاتهم النارية مع موظفي المصارف بسبب وضع قيود على عمليات السحب.

وأدت هذه الأزمة النفسية إلى عودة المواطن إلى الطرق التقليدية، وتحوّل المنزل إلى الملاذ الآمن لمدخرات اللبنانيين، وعادت "القجة المكمورة" إلى أداة لتخبئة القرش الأبيض لليوم الأسود، تتحدث ربة أحد المنازل عن شرائها "المكمورة" لابنتها البالغة ست سنوات، وتشجعها على وضع القطع النقدية من فئة 250 و500 ليرة، لتشتري فيها ملابس جميلة وألعاباً، وهي تقوم بتفقدها باستمرار لدفعها نحو ادخار جزء من مصروفها الخاص. وتلفت السيدة إلى أنها ما كانت لتقوم بهذه الخطوة مع صغيرتها لولا الدخل المحدود للعائلة وعدم توافر أي قرش إضافي في ميزانية البيت.

التقنيات البدائية

كما يمكن الحديث عن عينة أخرى من الناس الذين عادوا إلى التقنيات البدائية لأنها تبقى في متناولك عند الحاجة، وعززت أزمة إقفال البنوك صوابية خطوة ادخار التجار للأموال في منازلهم. وبحسب صفوان، أحد التجار في سوق طرابلس القديم، اشترى منذ سنتين تقريباً خزنة ووضعها في منزله، وبدأ يضع فيها مدخراته لأنه كان يشعر بأننا قد نصل إلى مرحلة لا يمكننا الاستحصال على الودائع إن لم تكن على مقربة منا، وهذه الخطوة أمّنت السيولة المالية للتجار لتأمين "ستوك بضاعة" في هذه الأوقات العصيبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى جانب هذه الأساليب من الادخار، توجه بعض اللبنانيين في الفترة السابقة لانتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) إلى تحويل مدخراتهم من العملة الوطنية إلى الدولار واليورو، كما قام كثيرون بشراء ليرات ذهبية وأونصات، تقول سيدة متقدمة في السن "الذهب أداة للزينة والخزينة"، لذلك هي تفضل شراء الذهب وتخبئته في صندوق صيغتها على الاحتفاظ بالأوراق النقدية الورقية.

لا يمكننا الادخار

سخرت شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني من فرضية "ادخار الأموال بانتظار المجهول"، من هؤلاء بلال الذي يبيع الحلوى على عربته، وهو يعبّر عن عتب بيئته على الدولة لأنهم يعملون كل يوم بيومه، وهم إن توقفوا عن العمل ليوم واحد، يُحرمون من مقومات الحياة ولا يمكنهم شراء الخبز والحليب لأبنائهم.

وتتسع شريحة المحرومين لتشمل إلى جانب المياومين، أناساً كُثراً يضطرون للقبول بتخفيض رواتبهم تحت الضغط، فقط من أجل الحفاظ على مصدر دخلهم الوحيد، ومن بين هؤلاء شابة يافعة تعمل ممرضة كانت تتقاضى حوالى مليون ليرة (حوالى 650 دولاراً)، قام المستشفى الخاص الذي تعمل فيه بطرابلس بتخييرها بين إما القبول بتخفيض الراتب الى 700 ألف (ما دون 500 دولار) أو إنهاء خدماتها، ويبرز على محياها التساؤل "كيف لها بالادخار ودخلها غير كافٍ لتغطية أجرة المنزل"، لذلك فمن وجهة نظرها العائلة التي يمكنها الادخار هي التي يعمل فيها الزوج والزوجة، على ألا يقل دخل أحدهما عن سقف 1000 دولار أميركي، لأن قائمة الحاجات المعيشية طويلة جداً.

لا ثقة بالسياسة الاقتصادية

بدأت ملامح الأزمة الجدية مع انتخاب الرئيس دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، والتلويح بفرض عقوبات صارمة على "حزب الله" وحلفائه، واستهداف القطاع المصرفي بصورة مباشرة والتي لن يكون آخرها استهداف بنك "جمال تراست بنك". ولمس التجار هذه الضغوط والقيود، وازدادت المخاوف من تحوّل لبنان من موقع نظام اقتصادي، حليف للغرب، إلى خصم مفترض يحتاج إلى تقليم مخالبه، وتفاقمت حالة عدم الثقة مع هجمة محلية على الدولار والحديث عن تهريب أموال إلى الخارج.

كما برزت عملية اللجوء إلى الملاذات الآمنة، ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن عمر أنها تقوم على شراء سندات الديون السيادية لدول يشهد سوقها استقراراً ما، وتحقق مردوداً مالياً مقبولاً، أو الاندفاع لشراء عملة أجنبية مستقرة نسبياً، بينما يتربع الذهب على عرش هذه الملاذات.

ثلاثة مليارات

وتقدر حجم الأموال المهرّبة إلى المنازل بثلاثة مليارات دولار، وتدخل ضمن فئة "التسربات" التي تخرج من الدورة الاقتصادية، لذلك فهي تؤثر في حجم الاقتصاد والناتج المحلي، إلا أنها لا تشكل مبلغاً ضخماً مقارنة بحجم الودائع المصرفية في لبنان والبالغة حوالى 172.4 مليار دولار بحسب تقديرات شهر يوليو (تموز)، أي دون 2 في المئة من مجمل الودائع، و5 في المئة من الناتج المحلي. وتشتمل على الثلث من السيولة النقدية التي يفترض أنها متوافرة لدى المصارف أي حوالى 57 مليار دولار، وهو مبلغ هائل يمكنه تغطية الهجمة غير المسبوقة على القطاع المصرفي لسحب الودائع السائلة.

لذلك يعتقد أيمن عمر أن المشكلة الحقيقية ليست في الثورة ولا في وضع الناس أموالهم في المنازل من أجل المحافظة عليها، وإنما السبب ضعف الثقة بالقطاع المصرفي والسلطة السياسية والمالية التي يسيطر عليها أمراء الحرب وشبكة الفساد، وكذلك السياسة الاقتصادية المعتمدة القائمة على الريع على حساب الاقتصاد الإنتاجي.

الأموال المهربة إلى الخارج

ويتضح أن ظاهرة ادخار الأموال في المنازل ذات دلالة كبيرة حول نظرة اللبناني إلى مستقبل بلاده، ولكن في المقابل، يلفت عمر إلى ضرورة التنبه إلى عملية تهريب الأموال إلى الخارج من قبل كبار المتمولين خلال فترة الأزمة، وتقدّر بما لا يقل عن 10 مليارات دولار، أي ما يشكل 17 في المئة من الناتج المحلي.

ويحذر عمر من أننا دخلنا في المراحل الأولى للانهيار، ويفترض القيام بإجراءات فورية وجذرية لمعالجة الأزمة، وربما تعتبر إستراتيجية الـ "hair cut" أسلوباً ذا مردود سريع، لقص شعر الديون السيادية على غرار ما حصل في اليونان، ويعتقد عمر أن عدم الإقدام على هذه الخطوة في لبنان لأنها ستطاول كبار المودعين من أصحاب المصارف ورجال السلطة.

الحل والسلطة السياسية

أمام هذا الواقع، يفترض اتخاذ إجراءات لإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمصرف، وتعتمد بصورة أساسية على جانب من خلال إشعار المودع بأن مدخراته في أيد أمينة ويمكنه سحبها وقت يشاء وكيفما يشاء، ويجب أن يسهم المصرف المركزي بلعب دوره من خلال الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، وضخ كميات من العملات الأجنبية للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة.

ولا تتوقف الحلول لأزمة الثقة على عتبة المواطن والمصرف، وإنما يتجاوزها إلى السلطة السياسية، ويشير تطور الأحداث إلى أن رجال الانتفاضة ما عادوا يصدقون أياً من مسؤولي النظام القديم. ويقترح أيمن عمر قيام الدولة ببعض الإجراءات لردم الهوة من خلال إعادة ضخ المال في القطاعات الإنتاجية من خلال القروض الصناعية والزراعية، وقروض الإسكان لأن قطاع العقارات يحظى بمساهمة كبيرة بالناتج المحلي والاقتصاد.