الليرة السورية تنهار... فما علاقة الانتفاضة في لبنان؟

هبوط العملة سجل رقماً قياسياً لم يحدث في تاريخ نشرات الصرف

تاجر سوري بحوزته رزمة من العملة السورية في إحدى أسواق مدينة القامشلي شمال شرقي البلاد (أ.ف.ب)

 

تواصل "الليرة" السورية النقدية مسار انهيارها الحاد أمام الدولار الأميركي في هبوط مفجع أرَّق السوريين، وأفقد معه كل معاني التدخلات الحكومية والفعاليات الاقتصادية التي حصلت في الفترة الأخيرة، دعماً لعملة البلاد الغارقة في أتون الحرب.

الصعود للأسفل!

وإزاء ذلك، تهبطُ الليرة الجمعة 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، كما كل صباحٍ مع افتتاح نشرة الصرف، لكنها هذه المرة سجلت رقماً قياسياً هو الأول في تاريخ نشرات الصرف.

وتتأرجح معها العملة السورية هبوطاً بما يزيد على 717 ليرة، وسط حديث عن انخفاض أكبر من المنتظر أن تشهده الأسواق السورية عما قريب، ما لم يحدث أي تدخل جديد قد يصل إلى حاجز الألف ليرة ويتجاوزه في ضوء توقعات اقتصاديين.

من جهته، المصرف المركزي السوري (المسؤول الأول عن السياسة النقدية)، والذي يبيع الدولار بـ 434 ليرة وهو سعر الصرف النظامي الحكومي، يواجهُ كل ذلك بصمتٍ مطبقٍ.

في حين تتزايد الانتقادات التي تطاوله حيال غضّه النظر عن نداءات اقتصاديين وخبراء، للإسهام في وضع خطط استباقية مذ وصل سعر الصرف قبل أشهر إلى حاجز الـ 600 ليرة، خشية صعوده مجدداً ولإبقائه في هذه الحدود.

حيتان المال

ومع ما تكتنفه السياسة الاقتصادية على الدوام من غموض، وافتقاره التعاطي بإيجابية مع وسائل الإعلام ومصارحة المواطنين بالحقائق، إلا أن السوريين أصابهم الضجر من أصحاب القرار الاقتصادي، لعدم خروجهم بحلول ناجعة تسهم بلجم الهبوط المفزع.

وما "زاد الطين بلّة" الضجة الإعلامية لمبادرة أطلقها كبار رجال الأعمال السوريين، والتي لاقت رفضاً قاطعاً من الشارع وصفهم بـ "حيتان المال"، في ظل ما أصابها من تشكيك كونها مبادرة إعلامية ليس إلا!

تزامناً، أصيبت الأسواق في الداخل السوري بالكثير من التخبط والعجز مع حالة إرباك طيلة الفترة السابقة.

ويرى الخبير الاقتصادي رضوان مبيض، في حديث لـ "اندبندنت عربية"، أن "وقائع الأسواق السورية لا تنبئ بتحسن ولا حتى على المدى المنظور، ما لم تتبدل السياسة النقدية"، متوقعاً أن "تتجه الليرة في ظل هذه الأوضاع إلى التعويم بعدما أصابها من تضخم".

وقفة في الحراك

ومع اندثار الـ 100 قرش، وهو ما يعادل ليرة واحدة سورية، باتت عملة مفقودة عملياً منذ أكثر من عشر سنوات ولم تعد مستخدمة، وحتى إن وجدت لا تسمح قيمتها بشراء أية سلعة.

ويبرر مراقبون أن كثيراً من العوامل السياسية والعسكرية باتت تحكم تدهور الليرة، ومنها سيطرة القوات الأميركية على حقول النفط، مع غموض السياسات والبرامج النقدية في البلاد، إضافة إلى اتساع عمليات المضاربة.

إلا أن الخبير الاقتصادي مبيض، أفصح بما لا يدعو مجالاً للشك، أن الانهيار الكبير والمفاجئ حديثاً ينتج من الطلب الكبير على القطع الأجنبية بعد إغلاق المصارف اللبنانية أبوابها إبان الحراك السلمي في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأوضح أن ما يحدث هو سعي التجار السوريين إلى التوجه للحصول على القطع من سوريا، خصوصاً أنهم ملتزمون بحركة تبادلات تجارية مع دول أوروبية وعربية، وقال "هؤلاء كانوا يحصلون على تمويلهم من حساباتهم الجارية في المصارف اللبنانية بالدولار، ومع إغلاقها عادت عمليات الطلب وبشكل كبير على القطع الأجنبي مجدداً".

في أحضان الأسواق

في مقابل ذلك، اعتاد المستهلكون السوريون على تبدل أسعار المنتجات بارتفاعٍ شملت عمليات شراء أقل الأشياء وأرخص الأغراض ثمناً، من السلع البسيطة اليومية غذائية واستهلاكية.

 ويبرر التجار ذلك بإعطاء ثمن الأغراض بحسب نشرة سعر صرف الدولار التي تتقلب كل يوم مرات عدة، والأكثر تبدلاً السلع المستوردة من مواد غذائية وسجائر مستوردة وآلات كهربائية وغيرها.

ومع هذا التأرجح، يراقب تاجر دمشقي في سوق للمواد الغذائية، البورصة اليومية وصفحة من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، متخصصة بتحديد سعر الصرف في السوق الخفية أو كما يطلق عليها بالعامية "السوق السوداء"، في حين تتهم الحكومة هذه الصفحات أنها تعمل وتُدار من جهات خارجية لم تحددها باسمها.

"كل يوم سعر جديد" يقول أحد التجار ممسكاً بآلة حاسبة إلكترونية، مشيراً إلى بورصة صرف القطع الأجنبي، ويتابع "نعاني ركوداً بالأسواق وجموداً مخيفاً يدفعنا للتوقف عن البيع لأن سعر الدولار هو الفصل في عملنا".

المستورد والمحلي

وبات عميقاً ارتباط الدولار بحركة الأسواق من كافة المواد والبضائع حتى المحلية منها، وهو ليس أفضل من بقية الأسواق وخصوصاً تلك التي تعتمد على المواد المستوردة، ومنها مثلاً الدواء الذي يرتفع بشكل هائل. وكما يوضح رجال الأعمال أن توقف دعم المستوردات من قبل المصرف المركزي في مايو (أيار) عن 41 سلعة أولية دوائية وغذائية، أدى إلى انقطاع تدفق القطع الأجنبي إليهم.

من جانبه مصرف سوريا المركزي، المنكفئ على ذاته، أطلق قبل شهر أي في 13 أكتوبر بالتعاون مع غرفة تجارة دمشق، بدء تنفيذ مبادرة تهدف إلى تدخل قطاع رجال الأعمال.

التلاعب بالأسواق

"عملتي قوتي"، هو اسم المبادرة التي نالت ما نالته من فشل، على الرغم من محاولاتها البسيطة والطفيفة لإرجاع الدولار إلى قيمة 635، في وقت وصل إلى ما دون 670. وذكر بيان المصرف المركزي أن "هدف الحملة ضبط تقلبات العرض والطلب على القطع الأجنبي"، متهماً أجندات خارجية بالتلاعب بالأسواق.

"المركزي" كان أمام فرصة سانحة، والمقصود المبادرة في صنع تغيير أفضل. ويرى مصدر يعمل في القطاع المصرفي أن المبادرة بين المركزي ورجال الأعمال:

"كادت أن تلغي أي أدوار جديدة لعمليات المضاربة التي تنشط في الفترة الأخيرة، خصوصاً وسط حماسة غرفة تجارة دمشق، ضماناً لعدم ارتفاع أسعار السلع في السوق المحلية، لكن واقع الحراك في الدولة الجارة لبنان قلب كل الخطط".

وترجح التوقعات أن يظل واقع الليرة مواصلاً في الهبوط، في ظل واقع سياسي وعسكري واقتصادي متدهور، ولن يتحسن إلا بسياسة نقدية جديدة مترافقة بمكافحة الفساد، مع ضرب منابع التهريب والاهتمام بالصناعات الوطنية، ويمكن وقف نزيف القطع الأجنبي والإمساك بيد هبوط الليرة ومساعدتها على الصعود مجدداً.

المزيد من اقتصاد