Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسطين... زواج الأقارب وقلة الوعي تزيد الأمراض الوراثية

يتطلب عقد الزواج فحوصات إلزامية للـ"تلاسيميا" فقط

إجراء عملية جراحية لأحد المرضى (مستشفى سانت جون للعيون في مدينة القدس)

"لم نكن نعلم أن جيناتنا أنا وزوجتي تحمل هذا المرض، إلاّ بعدما وُلدت ابنتي مصابة بالتليف الكيسي، على الرغم من أننا من بلدين مختلفين، ولم تسجل أي حالة إصابة في عائلتينا"، يقول والد إحدى المريضات. فالتليف الكيسي خطير ومميت في معظم الأحيان، لأن طبقة سميكة من المخاط تتكون في الرئتين والجهاز الهضمي وأجزاء أخرى من الجسم، ما يسبب مضاعفات عدّة.

وخلال السنوات الماضية، كانت هناك عقاقير وأدوية كثيرة  تُستخدم للتخفيف من وطأة المرض، وليس لعلاجه، ولكن هذا العام، وافقت إدارة الدواء والغذاء الأميركية على علاج جديد له، بتكلفة تصل إلى أكثر من 300 ألف دولار في السنة الواحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الـ "تلاسيميا" فقط إلزامي

المرض السابق ليس الوحيد الوراثي المنتشر في فلسطين، فهناك عدد كبير من الأمراض التي تظهر جيناتها في المواليد الجدد، وفي الضفة الغربية لا يوجد أي فحص إلزامي لهذه الأمراض الوراثية التي ربما لا تؤدي جميعها إلى الوفاة، ولكنها تعطل جزءًا ما في الجسم، حتى إنه لا يوجد أي قانون يمنع إكمال عملية الزواج أو الإنجاب في حال اكتشاف أمراض وراثية، فالفحوصات الإلزامية الوحيدة هي للـ "تلاسيميا" وأخرى تتعلق بالدم وبعض الأمراض المزمنة، إذ لا يُعقد الزواج من دون تقديم نتائج الفحص المجاني الموقع من مختبرات وزارة الصحة فقط، فالقاضي الشرعي أو المأذون لا يقبل إتمام الزواج في حال كانت الورقة من مركز طبي أو مستشفى آخر.

في هذا السياق، يرى مدير المركز الوطني لتشخيص السرطان والأمراض الوراثية التابع لوزارة الصحة محمود ارزيقات أن المشكلة تكمن في الوعي، إذ يجب على كل عائلة الإبلاغ عن الأمراض الوراثية الموجودة لديها، من أجل إعداد خريطة وراثية لتتبّع المرض، ومن ثم لاحقاً اختيار شريك الحياة، مشيراً إلى أنه لا داع لأن تكون هناك إلزامية قانونية لفحص الأمراض كافة قبل الزواج، لأن هذا الأمر سيسبب قلقاً للعائلة ومخاوف زائدة، إضافة إلى أن المعايير المتبعة في فلسطين هي المقررة من منظمة الصحة العالمية.

اختيار الجنين غير المصاب ممكن... لكنه مكلف

يقول ارزيقات إنه في حال اكتشاف جينات مصابة بين المقبلين على الزواج، فربما يمكنهم الزواج، والتوجه إلى مراكز خاصة لإجراء عملية الإخصاب خارج الرحم على أكثر من بويضة، واختيار الجنين غير المصاب وزراعته في الرحم، وهذه قد تكون تكلفتها مرتفعة، لأنها لا تُعتبر من الأولويات الصحية في فلسطين. هذا، عدا عن أن فلسطين تفتقر للبحث العلمي القوي الذي بإمكانه الخروج بتوصيات للسكان، من شأنها التخفيف من الأمراض الوراثية وزيادة الوعي، وقلة الدعم والاهتمام تقف عائقاً كبيراً أمام تطور الدراسات، كما أوضح الطبيب ارزيقات.

من ناحية ثانية، يبدو أن للعيون أيضاً حصة وراثية، إذ يقول أخصائي طب وجراحة العيون علاء التلبيشي، إن هناك عدداً كبيراً من الأمراض الوراثية المنتشرة في فلسطين، كاعتلالات القرنية، أو القرنية المخروطية، أو تلك التي تصيب العدسة، ولكن أبرزها اعتلالات الشبكة الوراثية الناتجة من زواج الأقارب، والتي لم يتوفر لها علاج بعد، وعلى رأسها مرض الـ"عشى الليلي"، وهو ضعف الرؤية الليلة وفقدان تام للنظر في وقت ما، الذي تبلغ نسبة الإصابة به، واحد من كل 1000 شخص، أي ما يعني خمسة أضعاف النسبة العالمية، هذا عدا عن مرض عمى الألوان وأمراض أخرى تضعف الرؤية.

زواج الأقارب سبب في انتشار الأمراض

يوضح التلبيشي أن ما بين 90 في المئة و95 في المئة من الأمراض تورّث بشكل صفة متنحية، ويزيد على الإصابة بها زواج الأقارب، بسبب الاحتمالية الأكبر لالتقاء الجينات الحاملة للمرض، مضيفاً أنه في حالات الإصابة يجب إجراء تشخيص كامل لمعرفة الخريطة الجينية، خصوصاً إذا كان منتشراً في العائلة. ويذكر مثالاً لعائلة أصرّت على إتمام الزواج على الرغم من إصابة الشاب والفتاة بالمرض الوراثي ذاته، ما يعني أن نسبة إصابة الأطفال هي 100 في المئة، ولكن بسبب غياب الوعي الكافي والقانون المانع، تم الزواج على الرغم من نصح الأطباء والمحيط.

وخلال عمله في مستشفى سانت جون للعيون في مدينة القدس، يشير التلبيشي إلى فحص 120 عائلة جديدة سنوياً، فيها على الأقل طفل مريض. وعلى الرغم من استحداث مختبر منذ ثلاث سنوات لتقديم خدمات الفحص للناس بتكلفة ليست مرتفعة، إلاّ أنّ وزارة الصحة لم تضفها بعد إلى نظام التحويلات الطبية لهذا المستشفى، إلى جانب قلة الوعي بأهمية الفحوصات قبل الإقدام على الارتباط، والابتعاد عن زواج الأقارب الذي وصلت نسبته إلى أكثر من 45 في المئة تقريباً، بحسب جهاز الإحصاء المركزي.

فحص شبه إلزامي

ويرى البعض أنه يجب أن تكون هناك قائمة طويلة لكل الأمراض الوراثية التي لا علاج لها، لإجراء الفحص المتعلّق بكلّ منها بشكل إلزامي قبل الزواج، لأنّه لا يجوز التسبب بمرض دائم للأطفال عند إنجابهم، كما أنه من حق كل زوج أن يتعرف على الحالة الصحية لشريك حياته، في حين أن هذه الفحوصات قد تكون مكلفة جداً بالنسبة إلى آخرين، إضافةً إلى حالة عدم الاستقرار النفسي التي ستصيب العائلتين، إذا ما اكتُشف مرض ما لدى إحداها، معتبرين أن العلم أوجد حلولاً كثيرة للزواج والإنجاب حتى في حالة الأمراض الوراثية.

وهناك مراكز عدّة في فلسطين توفّر خدمات تتعلّق بالأمراض الوراثية، كالاستشارة للمقبلين على الزواج وإعداد الخرائط الجينية التي تتبع الأمراض على اختلاف أنواعها في كل عائلة وإجراء الفحوصات اللازمة وتعزيز البحث والدراسات حول الجينات ومحاولة الوصول إلى المجتمعات البعيدة من مراكز المدن والمهمشة، بهدف تقديم بعض الخدمات الصحية أو التوعوية، ولكن تبقى مشكلة الوعي عائقاً أمام هذه المراكز في مناطق عدّة.