يا أحزاب يسار الوسط… انتبهوا فالشعبوية الاقتصادية قد تحدد الفائز في انتخابات بريطانيا

ينبغي ألا تكون المدرسة الفكرية حكراً على اليمين. فالتركيز على عدم المساواة والشعور المتزايد بانعدام الأمن الاقتصادي قد يمنحا حزبي العمّال والديمقراطيين الأحرار تقدماً مهماً على المحافظين

رئيس الوزراء بوريس جونسون يتناول قطعة من الحلوى لدى زيارته أحد المصانع في بلاكبول بشمال إنجلترا (أ.ف.ب) 

قد يكون التكهن السياسي مهمة غير محمودة خصوصاً في بريطانيا اليوم. وعلى الرغم من ذلك، لا بدّ من إلقاء نظرة على ما قد يُحسّن فرص حزب معيّن في انتخابات الـ 12 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ثمة عامل يجب أن يؤخذ في الحسبان  وهو تزايد الشعور بانعدام الأمن الاقتصادي. تُعرّف دراسة جديدة صادرة عن "مركز الأداء الاقتصادي" التابع لـ "كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية،" هذا الشعور بأنه "القلق من تراجع الدخل في المستقبل." ويخلص مؤلّفوها إلى أن غياب الأمن الاقتصادي يرتبط بجانبين، يتمثل أولهما في  مشاركة سياسية أكبر، كالنية في التصويت، على سبيل المثال. أما الثاني فهو يتجلى خصوصاً في المزيد من الدعم لأحزاب اليمين، في مقابل تراجع في الحماسة لأحزاب اليسار.

وتظل هذه النتائج متوقعة بغضّ النظر عن الحزب أو الأحزاب الموجودة في السلطة، ما يعني ضمناً أن على حكومات اليمين أن تواصل إثارة قلق الناخبين، إذا ما أرادت البقاء في السلطة. وأظهر الباحثون أن انعدام الأمن الاقتصادي كان مرتبطاً "بدرجة كبيرة" بمزيد من الدعم لدونالد ترمب في انتخابات عام 2016 وفي استفتاء بريكست.

وقبل 6 أسابيع أو أكثر من موعد الاستحقاق، يبدو من خلال منظار الموارد المالية للناخب البريطاني، أن فرص حزب المحافظين في تحقيق فوز انتخابي هي أكبر من فرص الأحزاب الموجودة في وسط الطيف السياسي أو على يساره. وفي الشهر الماضي، تعرّضت ثقة البريطانيين بوضعهم المالي الشخصي خلال الأشهر الـ 12 المقبلة إلى ضربة قوية. وتبيّن أن هذه الثقة تراجعت عمّا كانت عليه العام الماضي، بحسب استطلاع أجراه مركز "النمو من خلال المعرفة" GfK. كما انخفض  بشكل حاد، تقدير المفوضية الأوروبية المعادل، للمملكة المتحدة، في أكتوبر (تشرين الأول) ليصل إلى أقل من نصف متوسطه على المدى الطويل.

واستفاد سياسيّو اليمين من تنامي انعدام الأمن الاقتصادي على مدى أطول في دول العالم المتطوّر، مما ساهم بشكل خاص في صعود الشعبويّين، كما أظهر عدد من الدراسات. وكشفت بحوث نُشرت عام 2017 عن وجود علاقة قوية بين فقدان الوظائف في أجزاء من الولايات المتحدة بسبب تدفق الواردات الصينية، والتصويت لدونالد ترمب. واعتُبر أيضاً أن ثمة صلة بين الواردات الصينية وبين الدعم الذي حظي به خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في حين لعب انخفاض الشعور بالأمن الوظيفي في السويد دوراً في الصعود اللافت عام 2014 للشعبويّين اليمينيّين المتطرفين من حزب "الديمقراطيين السويديّين".

لكن لا ينبغي أن تكون الشعبوية حكراً على اليمين. ويمكن ليسار الوسط أن يفوز بالأصوات وأن ينقذ في النهاية الديمقراطية الليبرالية الهشّة في بريطانيا وخارجها، من خلال تبنّي ما يُسمى "الشعبوية الاقتصادية"، بغرض الردّ على المخاوف المالية للناخبين، وإلحاق هزيمة بأحزاب اليمين في المجال نفسه الذي يتقنون اللعب فيه.

تختلف الشعبوية الاقتصادية عن السياسية، كما يرى داني رودريك وهو اقتصادي بارز يدرّس في جامعة "هارفارد" يقول إن النوعين من الشعبويّين يكرهان القيود المفروضة على الحكومة المنتخبة، ويزعمان أنهما يمثلان "إرادة الشعب" التي تحتاج إلى حمايةٍ من "أعداء الشعب". ألا يبدو هذا مألوفاً؟ ويعني ذلك في السياسة، رفض الضوابط والتوازنات التي يمارسها المشرّعون والقضاة وكذلك وسائل الإعلام الحرّ، على السلطة التنفيذية.

ويرفض الشعبويون الاقتصاديّون أيضاً القيود المفروضة على وضع السياسات، وبوجه التحديد السياسة الاقتصادية. ويلفت رودريك إلى أن الأعداء الملموسين لهذا النوع من الشعبويين هي البنوك المركزية المستقلة والهيئات التنظيمية المستقلة والقيود الخارجية مثل قواعد التجارة العالمية.

وفيما تعتبر بعض الأنظمة شعبوية بالمعنى السياسي والاقتصادي معاً، فإن الشعبوية تتجلى في حالات أخرى فقط في أحد هذين المجالين. على سبيل المثال، كان أوغستو بينوشيه في تشيلي ديكتاتوراً، لكنه فوّض السياسة الاقتصادية في بلاده إلى التكنوقراط.

ويبدو تأكيد رودريك في مناقشات أخيرة على أن الشعبوية الاقتصادية ضرورية في بعض الأحيان موقفاً غير عادي. ويقول في هذا الإطار إن "الظروف الاستثنائية تتطلّب الحرية في إجراء تجارب في السياسة الاقتصادية". ويجب استخدام تلك الحرية لمعالجة عدم المساواة وانعدام الأمن الاقتصادي مع الحفاظ على التعددية السياسية.

وعلى سبيل المثال، يشير رودريك إلى أن الحكومات المنتخبة تستعيد السيطرة على السياسة الاقتصادية، وحسناً تفعل، من خلال التخفيف من صرامة القيود التي تفرضها  الاتفاقيات التجارية، لا سيما أن هناك أجزاء هذه الاتفاقيات من شأنها أن تضمن استفادة الشركات متعددة الجنسيات على حساب عمّالها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعلمنا التاريخ أن من الممكن تبرير الشعبوية الاقتصادية. ويعتبر رودريك إن "صفقة فرانكلين د. روزفلت الجديدة" كانت عبارة عن رزمة من السياسات الشعبوية التي كانت ضرورية  "لاستيعاب المشاعر الشعبوية التي كانت قد أججتها أزمة الكساد الكبير، وإعادة توجيه تلك المشاعر". وعلى الرغم من أن روزفلت أيّد في البداية السياسات التقليدية مثل الميزانية التي تتسم بالتوازن، فهو سرعان ما غيّر موقفه وقدّم مبادرات "كانت ترتدي زيّاً شعبوياً واضحا،" على حدّ تعبير رودريك.

فُرضت ضريبة جديدة على الأثرياء، سُميت بـ "نقع الأغنياء". ومرّر روزفلت قوانين الحدّ الأدنى للأجور التي قاومتها المحاكم المحافظة، عبر التهديد بزيادة حجم "المحكمة العليا،" وذلك كي يتمكّن من تعيين عدد أكبر من القضاة المتعاطفين معه والحصول على الغالبية. وعمل على فصل قيمة الدولار عن الذهب، وهو الأمر الذي شكّل حتى ذلك الوقت عائقاً خارجياً رئيسياً للسياسة النقدية الأميركية. وبعد ذلك انخفض سعر الدولار كما ينبغي، وتراجعت أسعار الفائدة الأميركية، ما عزّز الناتج المحلي الإجمالي.

وهدفت أيضاً الإصلاحات الاقتصادية التي أجراها روزفلت، إلى درء التهديدات التي تعرضت لها الديمقراطية، كتلك التي أطلقها الأب تشارلز كوفلين الذي يصف نفسه بأنه فاشي ولديه عشرات الملايين من المتابعين عبر الراديو.

ويقول رودريك "نعرف الآن أن فرانكلين روزفلت كان على حق. فقد كان من المستحيل إنقاذ الاقتصاد أو الديمقراطية من دون التخفيف بشكل كبير من القيود المفروضة على السياسة الاقتصادية. هناك أوقات قد تكون فيها الشعبوية الاقتصادية هي السبيل الوحيد لإجهاض إبنة عمّها الأكثر خطورة، الشعبوية السياسية".

ومع بدء الحملة رسمياً هذا الاسبوع استعداداً للانتخابات المبكرة، قد يرغب حزبا العمّال والديمقراطيّين الأحرار في التفكير بما إذا كان ارتفاع مستوى التفاوت وتفاقم انعدام الأمن الاقتصادي في المملكة المتحدة، إضافةً إلى تهديد الشعبوية السياسية من جانب حزب المحافظين، كلها مسائل تستدعي إعادة نظر حقيقية في السياسات الاقتصادية التي ترضي جمهور الناخبين.

© The Independent

المزيد من آراء