مطالب المحتجين العراقيين... من الإصلاح إلى "الإسقاط"

ارتفع سقف مطالب المتظاهرين منذ انطلاق حركتهم في أكتوبر الماضي

عشرات القتلى وآلاف الجرحى حصيلة الأسابيع الماضية من الاحتجاجات في العراق. ساحتا التحرير والخلاني والساحات الأخرى في المحافظات المنتفضة شهدت ميدانياً عمليات كر وفر بين المنتفضين وقوات مكافحة الشغب. الحراك في الميدان قابلته تحركات سياسية ودعوات إلى الإصلاح من قبل الحكومة، لم تجد صداها عند المنتفضين. فكان جلياً أن نلتمس عدم الرضى الشعبي وعدم ثقة الجماهير بوعود الإصلاح، بل يرون إنها إصلاحات ترقيعية ولا تمس جوهر المشكلات التي انتفضوا من أجلها.

لعل الجديد في تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة بالاحتجاجات السابقة، هو ارتفاع سقف مطالب المتظاهرين. فبعدما كانت التظاهرات تطالب بإصلاحات اقتصادية وتوفير الخدمات، ارتفع سقف المطالب هذه المرة ليشمل حلّ الحكومة وتغيير الدستور وتنحي الطبقة السياسية عن السلطة.

دعوات الإصلاح حبيسة البيانات الحكومية

دعوات الإصلاح من الحكومة بدأت تتسارع مع اتساع المظاهرات وتحولها إلى دعوات إلى العصيان المدني. إذ نجحت نقابة المعلمين والنقابات الأخرى في تعليق الدوام الرسمي مدة أسبوعين تضامناً مع المتظاهرين وللضغط على الحكومة من أجل تقديم استقالتها.

بدأت البيانات الإصلاحية الصادرة عن الحكومة بالتزايد، منها وليس آخرها ما أصدرته حكومة عادل عبد المهدي في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 من قرارات تتضمن محاولات تحجيم مشكلة البطالة. إذ قرر مجلس الوزراء منح وزير النفط صلاحية الموافقة على تعيين خريجي معاهد التدريب النفطي لعامي 2018 – 2019 على ملاك الوزارة وشركاتها العامة.

وكانت قد سبق هذه الإصلاحات بيانات أخرى أصدرها مجلس الوزراء، منها تقليص رواتب المسؤولين حتى الدرجة الرابعة من الرئاسات والوزراء وأعضاء مجلس النواب والدرجات الخاصة والوكلاء والمديرين ليصل في الحالات العليا إلى النصف.

وزارة الدفاع تخرج عن صمتها

كل هذه الدعوات ووعود الإصلاح لم تتمكن من تحجيم أو إنهاء المظاهرات التي شهدت انتهاكات لحقوق الإنسان رصدتها منظمة العفو الدولية. إذ أوضحت المنظمة في بيان لها نشر على موقعها الإلكتروني استخدام أنواع من القنابل لم يسبق استخدامها لقتل المتظاهرين بدلاً من تفريقهم، محددة نوعين مختلفين من القنابل المصنعة في بلغاريا وصربيا على غرار القنابل العسكرية، ويبلغ وزنها 10 أضعاف ثقل عبوات الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى إصابات مروعة ووفاة لم يسبق لها مثيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد خبير الطب الشرعي لمنظمة العفو الدولية أن "شدة الإصابة وزوايا الاختراق تشير بقوة إلى أن القنابل أطلقت مباشرة على الضحايا بدلاً من الارتداد عن الأرض". ولعل تقرير منظمة العفو الدولية سيتفاعل أكثر مع تصريح الأخير لوزير الدفاع العراقي نجاح الشمري، الذي أكد أن هناك "طرفاً ثالثاً يقوم بقتل المتظاهرين" في العراق، وأن الأسلحة المستخدمة لم تستوردها أي جهة عراقية. وشرح أن "البندقية التي تستخدمها القوات الأمنية العراقية يمكنها إصابة شخص على مسافة تتراوح بين 75 إلى 100 متر، بينما بعض المتظاهرين قُتلوا برصاص أطلق من بعد 300 متر".

العراق يدور في محور الدول الهشة

مع استمرار التظاهرات، يوضح إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة، أنه لا توجد ملامح واضحة لاستجابة الحكومة والقوى السياسية لمطالب المتظاهرين، ما يؤشر إلى بقاء وتزايد الفجوة بين المجتمع والحكومة.

وقال إن هذا المؤشر يبقي العراق في دائرة الدولة الهشة، ومن ثم لا يمكن التعويل كثيراً على أن تكون التظاهرات قادرة على تصحيح مسار العملية السياسية في العراق، فالمشكلات معقدة ومركبة بسبب عمل المنظومة السياسية في منطقة تراعي مصالح الإقطاعيات والزعامات السياسية على حساب مصلحة المجتمع.

يرى العنبر أن هذه الاحتجاجات حتى وإن لم تحقق جميع مطالبها، تبقى أهميتها بوعي الشارع واندفاع جيل الشباب للمطالبة بحقوقه وتقديم نموذج للثقافة السياسية التفاعلية.

ويشير العنبر إلى أن تظاهرات العراق حركت الجمود الذي غطى حركة الجماهير بعد أحداث الربيع العربي وتحولها إلى سيناريوهات حرب أهلية في بعض البلدان، وعليه فإن القوى الإقليمية تعمل وفق منطق الممانعة ضد حركة الاحتجاجات التي تحدث هنا في العراق، مؤكداً أنه ووفق نظرية التقليد والمحاكاة فإن هذه الاحتجاجات بانت تأثيراتها الواضحة في بيروت والكويت والأردن وفي دول الجوار مثل إيران.

المزيد من العالم العربي