أسرار وكواليس التنحي: مبارك من القصر إلى شرم الشيخ

اختلفت الروايات على لسان من تحدثوا من رجال النظام السابق، بشأن تلك الحقبة العصيبة

الرئيس الأسبق حسني مبارك (أ.ب)

رغم مرور 8 أعوام على تنحي الرئيس السابق محمد حسني مبارك عن السلطة، فى 11 فبراير (شباط) 2011، إثر احتجاجات عارمة مناهضه لحكمه شهدتها الميادين والشوارع المصرية، ما زال التضارب يحيط بكواليس اللحظات الأخيرة للرئيس فى القصر.

وخلال السنوات الماضية، لم يكشف مبارك أو أحد نجليه علاء وجمال -اللذين كانا قريبين منه خلال لحظات حكمه الأخيرة- أيا من التفاصيل التى دارت فى القصر. فى المقابل، اختلفت الروايات على لسان من تحدثوا من رجال النظام السابق، بشأن تلك الحقبة العصيبة التى شهدتها البلاد.

بداية الأحداث لم تكن ضخمة وبدون خسائر كبيرة

على وقع انتشار الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاحتجاج ضد سياسات وزارة الداخلية فى الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011، خرج آلاف الشباب فى ميدان التحرير وعدد من شوراع القاهرة للتظاهر، وسرعان ما استطاعت قوات الأمن فض هذه التجمعات، كما يقول أحد كبار القادة السابقين بوزارة الداخلية وقت أحداث الثورة: "كانت بداية الاحتجاجات فى الشوارع ليست بالضخمة، هتافات وشعارات ومسيرات سلمية، وفى الإجمال مرت الأمور دون خسائر كبيرة.. لكن -فى المقابل- كان هناك توجس من تصاعد الأحداث واستغلالها من قبل بعض الأطراف، لا سيما وأنها اندلعت بعد أيام من هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى خارج تونس فى الرابع عشر من الشهر ذاته إثر احتجاجات مماثلة".

ورغم عدم انكار المسؤول الأمني، الذى فضل عدم ذكر اسمه، تعدد الأسباب التى دفعت مئات الآلاف للخروج إلى الشارع، وعلى رأسها انتخابات مجلس الشعب الأخيرة فى العام 2010، تراه يتذكر: "كانت هناك ضرورة أمنية لتغير النظام القائم من إدارته لشؤون البلاد، على وقع التحديات القائمة، لا أحد ينكر الاحتقان الشديد الذى تبع آخر انتخابات نيابية فى مصر، قبل شهور من اندلاع الثورة".

ففى آواخر عام 2010 شهدت مصر انتخابات نيابية، أسفرت عن سيطرة شبه كاملة لأعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، على مقاعد البرلمان، ما دفع المعارضة إلى التشكيك فى نزاهتها، ووَسْمِها بالتزوير.

جماعة الإخوان المسلمين تتدخل في الأحداث

مع أول جمعة من عمر الثورة والتي وافقت الثامن والعشرين من يناير، تغيرت الأحداث. ويتذكر المسؤول الأمني قائلًا: "استغلت جماعة الإخوان المسلمين الأوضاع، وهاجم عناصرها المخربون السجون وحرقوا أقسام الشرطة وتراجع عمليًا جهاز الداخلية في الشارع بعد تصاعد الأحداث في ذلك اليوم، وتزامن مع ذلك رفع المتظاهرين شعارات تطالب بتنحي الرئيس".

 

مسؤول آخر كبير بوزارة الداخلية، يتذكر "بات عملنا بعد يوم الـ28 من يناير مقتصرًا على حماية المقرات والمؤسسات الأمنية، وتولت القوات المسلحة قيادة ضبط الأمن فى الشوارع والميادين المصرية".

 الطريق إلى السجن

فى هذه الاثناء، ألقى مبارك خطابه الأول وأعلن إقالة حكومة الدكتور أحمد نظيف. وعلى الإثر عين الرئيس وزير المخابرات العامة عمر سليمان نائبا له، وكلف وزير الطيران آنذاك، الفريق أحمد شفيق بتشكيل الحكومة الجديدة. ووفق رواية شفيق فى أحد تصريحاته الصحافية، بعد سنوات من الثورة، طلب مبارك منه أن يُبقي على وزيري الخارجية والعدل، السفير أحمد أبو الغيط، والمستشار ممدوح مرعي.

ويكشف أحد وزراء حكومة نظيف المستقيلة، بعد 8 سنوات،" للإندبندت عربية" مفضلًا عدم ذكر اسمه: "علمت ومجموعة رجال الأعمال الذين كانوا أعضاء فى حكومة الدكتور نظيف، أن الرئيس طلب من رئيس الوزراء المكلف الفريق شفيق استبعادنا كرجال أعمال من الحكومة الجديدة". ويتذكر الوزير الذى كان أحد رجال الأعمال الذين دخلوا حكومة نظيف فى آخر تعديلاتها، قائلًا: " بدأنا فى التفكير فى العودة لممارسة حياتنا الطبيعة، إلا أنه سرعان ما انهالت علينا البلاغات واستدعاءات النيابة بعد أيام قليلة من تنحي الرئيس مبارك، والتي على إثرها سُجن أغلبنا،  لكن لاحقًا بُرئ معظمنا من التهم التى وجهت إلينا".

صراعات القصر ومحاولات دفع الرئيس للتنحي

بعد خطابه الأول، فى مساء الثامن والعشرين من يناير2011، لم يتمكن مبارك من احتواء مظاهر غضب المحتجين المتصاعدة، وفى هذه الأثناء، كان الرئيس ونجلاه علاء وجمال وبعض من رجال الحزب الوطني القليلين، ووزير الإعلام السابق أنس الفقي، يحاولون إيجاد مخرج للأزمة وفق الكاتب الصحافي وعضو البرلمان المصري مصطفى بكري قائلًا" للإندبندنت عربية" : "بدأت معالم ترك مبارك للسلطة بعد الأول من فبراير، حين أذاع المجلس الأعلي للقوات المسلحة بيانه الأول، وذكر فيه أنه يتفهم مطالب المحتجين، وهو ما يعني أن الجيش قرر الوقوف إلى جانب الشعب، واستبعد خيار دعم الرئيس، وهو ما اعتبره مبارك رفض دعم رسميا من الجيش. وعلى الإثر صدر قرار للإذاعة والتلفزيون بعدم إذاعة بيانات القوات المسلحة مجددا، ولم يذع هذا البيان إلا مرة واحدة فى تمام الساعة الخامسة من مساء الأول من فبراير".

وبحسب رواية بكري، فى هذه الأثناء تزايدت الضغوط الأمريكية على الرئيس للتنحي، وطلب الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما من مبارك أن "يتنحى فورًا" وأن يشكل حكومة برئاسة رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، محمد البرادعي.

الجيش المصري ينحاز إلى الشعب

ووفق بكري، فإنه فى الثامن من فبراير/شباط ، "طلب رئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي، من وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، أن يستعد لتسلم السلطة، لكن المشير لم يرد على هذا الطلب وترك الأمور تمضي، وفى العاشر من الشهر ذاته، اجتمع المجلس الأعلي للقوات المسلحة بدون حضور قائده الأعلى، الرئيس مبارك، وأعلن أنه فى حالة انعقاد دائم لحين انتهاء الأزمة، ما عكس توجه الجيش للوقوف بجانب الشعب المصري".

 

 

وعن بيان القوات المسلحة فى العاشر من فبراير، يروي الرئيس السابق لقطاع الأخبار بالتلفزيون المصري، عبد اللطيف المناوي، فى كتابه "الأيام الأخيرة لنظام مبارك – 18 يوما"، أن "الأحداث الأكثر سخونة كانت يوم 10 فبراير/شباط، اليوم السابق لبيان تنحي الرئيس. حينها تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد المسؤولين بالجيش، أبلغني فيه أن هناك بيانا هاما من المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيصل للتليفزيون لإذاعته، وطلب مني عدم إطلاع أحد عليه وتحديدا القصر الرئاسي، وعلمت أن الاجتماع الذي خرج بالبيان عقد دون حضور الرئيس الذي هو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة". ويضيف المناوي: "عندما وصلني البيان كان قراري إذاعته، وبعد دقيقتين من إذاعة البيان تلقيت اتصالا من وزير الإعلام، أنس الفقي، ثم اتصالا من رئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي. سألني أنس الفقي: ما هذا الذي أذيع؟ فأجبته بأنه بيان الجيش. فعاد وسألني، من أتى به؟ قلت ببساطة أنه جاء من القوات المسلحة. وكان يجلس بجانبه الدكتور زكريا عزمي، ثم قال لي، إذا تلقيت بيانات أخرى من الجيش فاتصل بنا، وأضاف: "دكتور زكريا يؤكد عليك ألا تذيع أي بيانات للجيش قبل إبلاغنا، ثم اتصل بي زكريا عزمي مباشرة ليطلب مني نفس الطلب".

ويتذكر بكري "عمليًا بدأت فكرة ترك السلطة لدى الرئيس مبارك تترسخ لديه فى آخر أيام الثورة، لكن نجلاه وزوجته السيدة سوزان مبارك فضلا عن بعض الشخصيات القريبة من الحكم، كانوا متمسكين ببقائه فى الحكم، والعمل على إيجاد مخرج لمواجهة تزايد أعداد المحتجين في الشوارع المصرية".

أسرار الليلة الأخيرة

رغم إلقاء مبارك ثلاث خطب خلال الـ18 يوم هى عمر الثورة، فإنها لم تكف جميعها رغم التنازلات التي قدمها خلالها والتي كان آخرها نقل صلاحياته لنائبه عمر سليمان، والتأكيد على عدم الترشح هو أو نجله جمال للرئاسة.

وعن لحظات التنحي روى الفريق احمد شفيق آخر رؤساء الحكومة فى عهد مبارك في عدد من لقاءاته التلفزيونية بقنوات مصرية خاصة منذ عامين ما حدث ليلتها قائلًا: "في يوم الجمعة الموافق 11 فبراير تم إخلاء قصر الاتحادية، ذهبنا إلى مبنى الحرس الجمهوري حيث جلست مع وزيري الداخلية والخارجية وقتها وأيضا زكريا عزمى وعمر سليمان، وطلبوا التحدث مع المشير حسين طنطاوي، فذهبت أنا وعمر سليمان إلى المشير وجلسنا في غرفة مغلقة، وقبل ترك مبنى الحرس الجمهوري دخل علينا جمال مبارك وسلم سلامًا باهتًا جدًا، وكنا مدركين جميعًا أن التنحي خلال ساعات إن لم يكن تم بالفعل".

ويتذكر شفيق فى تصريحاته  المُتلفزة: "سألتهم هتعملوا إيه؟"، فردوا: "منتظرين الرئيس يتخذ قرارًا"، وطلبوا من عمر سليمان أن يتحدث إلى الرئيس عن الموقف، فهاتف سليمان مبارك وأخبره أن الناس على أبواب الاتحادية، فرد الرئيس: "أنا موافق على التنحي، سأتنحى، لكن أطلب بضرورة وصول أسرتي إلى شرم الشيخ قبل إذاعة البيان"، في إشارة إلى رغبة الرئيس بسفر نجليه وزوجته إليه في شرم الشيخ التي كان قد سافر إليها فى صباح ذلك اليوم.

وتابع:"طلبت من عمر سليمان أن يتحدث إلى الرئيس مجددًا وإبلاغه بخطورة الموقف، فقام وأبلغه عزمه كتابة خطاب التنحي لإذاعته بدلا من الرئيس، وهو ما وافق عليه الرئيس، إلا أنه طلب تغيير كلمة التنحي إلى التخلي عن الحكم".

وأوضح شفيق "سألت من سيذيع الخطاب؟، فرد المشير طنطاوي: لست أنا، فيما عبر سليمان عن موافقته إلقاء البيان"، مستطردًا:"سجلنا بيان التنحي وأرسله المشير مع مندوب للتليفزيون ليكون مستعدًا لإذاعته في توقيته، وبمجرد إقلاع الطائرة المُقلة لأبناء الرئيس إلى شرم الشيخ اتصل بالتليفزيون وأبلغهم بإذاعته".

رواية الفريق شفيق، تتوافق فى تفاصيلها، مع رواية النائب البرلماني مصطفي بكري، الذى قال "خلال اجتماع وزارة الدفاع الذي ضم سليمان وشفيق وطنطاوي، وابلاغهم جميعا للرئيس بضرورة التنحي، وافق الأخير على الفور". موضحًا أن أسرة الرئيس فقط هي من كانت متمسكة ببقاء مبارك فى الحكم".

ووفق بكري، سأل عمر سليمان مبارك عما إذا كان يريد حصانة قضائية ولكنه رفض قائلا "لماذا الحصول على حصانة قضائية وأنا لم أقترف شيء".

وبشأن وصول بيان التنحي للتلفزيون المصري، روى المناوي في كتابه عن الثمانية عشر يومًا من عمر الثورة- إنه "في الساعة الثانية عشرة ظهرا يوم إذاعة بيان التنحي، علمت أن الرئيس يجهز نفسه للسفر إلى شرم الشيخ". ويضيف المناوي: "وصلني بيان التنحي مع اللواء إسماعيل عثمان، وحين دخل عليّ أخرج بسرعة شريطا من جيب معطفه الداخلي، وقال  "معي البيان"، وأبلغني أنه سينتظر حتى تصله أوامر بإذاعته، وعند وصول الأوامر تمت إذاعته.

المزيد من سياسة