"البيشمركة" على أبواب كركوك... والعرب قلقون من خسارة مكاسبهم الكبيرة

واشنطن تشجع عبد المهدي على "التفاهم" مع الأكراد في شأن المدينة الغنية بالنفط

احتفال عسكري في الذكرى السابعة والتسعين لتأسيس الشرطة العراقية في كركوك (غيتي)

ينتظر الأكراد العراقيون، بفارغ الصبر، عودة قواتهم المسلحة إلى مدينة كركوك العراقية، الغنية بالنفط، التي يعتبرونها "قدس كردستان"، بعد الخروج منها إثر إجراء استفتاء في شأن انفصال مناطقهم عن العراق. وفضلاً عن الصراع الحاد على نفط كركوك الغزير، مع العرب والتركمان، يقول الأكراد، إنهم يشكلون نحو نصف عدد سكان كركوك، ذات النسيج الإتني المعقد، لذلك يصرون على حيازة منصب المحافظ، وهو أعلى موقع تنفيذي على مستوى الوحدة الإدارية، إضافة إلى تمسكهم بوجود قوة عسكرية كردية، لفرض الأمن في المدينة.

هيمن الأكراد على الملف الأمني في كركوك، عندما هربت القوات العراقية منها أمام اجتياح تنظيم داعش الإرهابي أجزاء واسعة من البلاد صيف 2014، مخلفة فراغاً عسكرياً في عدد من المحافظات، ما فتح المجال أمام قوات "البيشمركة" الكردية لبسط سيطرتها على مناطق إستراتيجية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2017، اجتاحت القوات المسلحة التابعة للحكومة الاتحادية في بغداد، مدينة كركوك، وأخرجت القوات الكردية منها، تنفيذاً لتعهد رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، رداً على استفتاء الانفصال.

نصر سياسي نادر للعرب

وبعد اضطرار محافظ كركوك السابق، نجم الدين كريم، إلى الهرب، إثر سيطرة القوات الاتحادية على المدينة، تمكن العرب من الحصول على المنصب، لأول مرة منذ أعوام، ما شكل نصراً سياسياً نادراً لهم في هذه المدينة. وكان العبادي، تعهد بإخراج القوات الكردية من كركوك، إذا أصرت الحكومة الإقليمية في كردستان على إجراء استفتاء الانفصال. ولكن هذا التهديد، لم يردع الزعيم الكردي البارز مسعود البارزاني، الذي مضى في خططه حتى النهاية، وأجرى الاستفتاء، متسبباً بغضب كبير في بغداد. ويعيد الكثير من العراقيين الفضل في الحفاظ على "وحدة العراق" إلى العبادي، عندما أحبط مشروع الانفصال الكردي، قبل أن يستخدم ملف إخراج القوات الكردية من كركوك في حملته الانتخابية خلال الاقتراع العام في البلاد الذي تمّ خلال مايو (أيار) الماضي.

مخاوف عربية في المدينة

ومع وصول عادل عبد المهدي (شيعي) إلى منصب رئيس الوزراء، وبرهم صالح (كردي) إلى منصب رئيس الجمهورية، أشيع أن صفقة ستبرم بين الأكراد والحكومة الاتحادية لتسوية أوضاع الانتشار العسكري في كركوك، ما تسبب بإثارة مخاوف العرب في المدينة. ووجه ممثلون عن المكوّن العربي في كركوك، اتهامات إلى رئيس الحكومة العراقية، بالموافقة على ضغوط داخلية وخارجية، لإعادة تسليم المدينة إلى الأكراد. يقول مصدر دبلوماسي رفيع في بغداد لـ "إندبندنت عربية" "الولايات المتحدة شجعت رئيس الوزراء العراقي على التفاهم مع رئيس الجمهورية، في شأن تسوية الأوضاع العسكرية في كركوك". ووفقاً لمراقبين، فإن عبد المهدي يدرك حساسية قرار السماح لقوات كردية بالانتشار مجدداً في كركوك، لذلك يحاول رئيس الوزراء العراقي التوصل إلى تسوية جزئية. ويوم الأربعاء 6 فبراير (شباط)، اندلع الجدل بين بغداد وكردستان، في شأن حقيقة التوصل إلى "تفاهم أولي على الوضع العسكري في كركوك"، وتداولت وسائل إعلام محلية أنباء عن اتفاق بين بغداد وكردستان، على إشراك قوة كردية صغيرة في مهمات أمن كركوك.

اتفاق أولي وقّع بين بغداد وحكومة كردستان

وقال محمد الحاج وهو مسؤول حزبي كردي، إن اتفاقاً أولياً وقّع بين بغداد وحكومة كردستان، يقضي بانتشار ألف جندي كردي، مقابل كل 12 ألف جندي من القوات الاتحادية، في كركوك. أضاف في تصريحات إلى الصحافيين، عقب اجتماع عقدته أحزاب كردية في كركوك، أن القوات الكردية في المدينة لن يكون بمقدورها ممارسة مهماتها كالسابق، لكن قيادة قوات "البيشمركة"، نفت التوصل إلى تفاهم نهائي مع بغداد في ما خصّ كركوك. وقالت في بيان، "قيادة البيشمركة عقدت اجتماعها مع وزارة الدفاع العراقية لبحث المتغيرات الأمنية والأوضاع في المناطق التي تقع خارج إدارة الإقليم (الكردي)، وتحسين العلاقات بين الجانبين، إذ من المقرر أن تبدأ اللجان الفرعية للجانبين أعمالها واجتماعاتها خلال الأسبوع المقبل" محذرة "وسائل الإعلام من نشر أي أنباء عارية من الصحة".

وقدمت قيادة العمليات المشتركة، وهي أعلى هيئة عسكرية اتحادية في البلاد، تفسيراً مختلفاً لهذه التطورات، أدام الجدل في هذا الملف، وسلط الضوء على الارتباك الواضح في موقف الطرفين، ما يعكس الحساسية البالغة، التي تغلف الوضع في كركوك. وقالت القيادة، إن عناصر في تنظيم داعش، يستغلون مناطق منزوعة السلاح تفصل بين القوات الاتحادية و"البيشمركة" الكردية، لتنفيذ عمليات قتالية، مؤكدة ضرورة التنسيق بين الجانبين، لتلافي الخروق الأمنية. وقال الناطق باسم القيادة، العميد يحيى رسول، "لا يوجد أي اتفاق يقضي بعودة البيشمركة إلى كركوك أو أي منطقة"، موضحاً أن "الصورة الحقيقية للحدث، هي أن داعش الإرهابي بدأ يستغل المناطق بين ساتر البيشمركة (شمال الحويجة) ومكان (انتشار) القطعات (الاتحادية)"، وشدد على "ضرورة التنسيق المشترك للقضاء على الإرهابيين" في مناطق "ذات اهتمام مشترك، إذ يجب أن يكون التنسيق (مستمراً) مع قوات البيشمركة". وتقول مصادر مطلعة، إن حسم الترتيبات العسكرية بين بغداد وكردستان في كركوك، سيكون مدخلاً لاستعادة الأكراد منصب المحافظ من العرب في المدينة، ما يشير إلى إمكانية تطور السجال السياسي بين مكونات المدينة.