لبنان... التوقيفات والاعتقالات تثير غضب المنتفضين

قلق من إلحاق البلاد بمنظومة الدول الخاضعة للعقوبات والتي حرمت شعبها من أساسيات الحياة

متظاهرون لبنانيون يحاولون إزالة الأسلاك الشائكة التي وضعت من قبل شرطة مكافحة الشغب على الطريق المؤدي إلى القصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

تعيش السلطة في لبنان حالاً من الإرباك الشديد في ضوء مرور شهر على الانتفاضة الشعبية العابرة للمناطق والطوائف، ويعتبر "التيار الوطني الحر" نفسه الأكثر استهدافاً، كونه الأكثر إمساكاً بالمؤسسات الرسمية.

فبعدما طوت الانتفاضة الشعبية شهرها الأول وسقطت المراهنات على عامل الوقت والانشقاقات داخل صفوفها، على الرغم من إطلالات رموز "العهد" الإعلامية وإطلاق الوعود وتحفيزات إشراك ممثلين عن "الانتفاضة" في الحكومة المقبلة، لم يعد أمام السلطة سوى استخدام أدوات القمع الممنهج.

 

طرق "مشبوهة"

وتقول مصادر سياسية إن "قيادة الجيش تتلقى ضغوطاً سياسية لعدم التهاون والتساهل مع المتظاهرين واستخدام الخشونة المفرطة والعنف إذا لزم الأمر، لفتح الطرقات العامة التي يتجمهر فيها المتظاهرون"، مؤكدة أنه طُلب من الجيش تحويل الموقوفين إلى التحقيق وعدم إطلاق سراحهم، بعد فض الإشكالات التي تحصل من حين إلى آخر.

وتشير المصادر إلى أن فريقاً أمنياً يرتبط بمرجعيات سياسية، بات يدير عمليات القمع ضد المتظاهرين، مستندةً إلى عملية توقيف الناشط خلدون جابر، الذي اعتُقل بطريقة "مشبوهة لم يشهدها لبنان منذ عهد الوصاية السورية". وقالت "جرى اختطافه من قبل عناصر مسلحة بزيّ مدني، وجرى التنكيل به وضربه وسحله لسيارة عسكرية قبل أن يختفي أثره، على الرغم من الجهود الحثيثة من قبل المحامين وذويه لمعرفة الجهة التي أوقفته ومكان احتجازه، ليتبين لاحقاً أنه بعهدة استخبارات الجيش اللبناني"، ويطلق سراحه في ما بعد بناءً على إشارة من القضاء العسكري.

 

"الاستبداد" السوري

توقيف خلدون جابر أثار موجة من الانتقادات الواسعة لدى الرأي العام اللبناني ومؤسسات حقوق الإنسان، وطالب رئيس "المركز اللبناني لحقوق الإنسان" وديع الأسمر بإطلاق سراحه. وقال في تغريدة "معقول رجعنا لأيام غازي ورستم وعدنان؟".

ولاحقاً، أصدر المركز بياناً جاء فيه "حيال تضارب المعلومات عن مكان توقيف جابر وعدم السماح لمحاميي لجنة الدفاع عن الموقوفين التواصل معه أو تعيين طبيب لمعاينته، يعتبر المركز اللبناني لحقوق الإنسان أن السيد خلدون جابر هو حتى إشعار آخر ضحية إخفاء قسري، وما يتعرض له هو جريمة موصوفة تطرقت إليها المادة 37 من قانون الإخفاء القسري".

 

مختل عقلياً؟

ووسط هذه الأجواء المشحونة، عمد بعض الأشخاص إلى افتعال المشاكل مع المتظاهرين في منطقة جل الديب في المتن، فلجأوا بداية إلى رشق المتظاهرين بالحجارة، الذين ردوا عليهم بالمثل، وتطور الإشكال إلى إطلاق النار من قبل أحد الأشخاص الذي تبين لاحقاً أنه من أنصار "التيار الوطني الحر"، ويُدعى إدوار ميلاد ديك، وقد تردد أن أحد وزراء "التيار" حاول حمايته والحؤول دون توقيفه بحجة "الاختلال العقلي". لكن مما لا شك فيه أن "المنطقة نجت من مجزرة حقيقية"، بحسب شهود كانوا موجودين لحظة بدء الإشكال.

 

عودة "حماة الديار"!

وفي ظل هذه التطورات، ظهر تنظيم باسم "أنصار الديار"، وقد نشر رئيسه المدعو رالف شمالي والمعروف بعلاقاته مع "التيار الوطني الحر"، فيديو عبر صفحته على "فيسبوك"، دعا خلاله محبيه وأنصاره إلى فتح الطرقات بالقوة خلال 24 ساعة، رداً على ما وصفه بـ "الاعتداء والتعرض لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون"، وموعزاً إلى أنصاره "فتح الطرقات بالقوة بعد 24 ساعة حتى لو وصل الدم إلى الركب".

ودعا أنصاره إلى أن " يكونوا أقوياء لأن لا أحد يحمينا ونحن سنحمي أنفسنا"، رافضاً شتم الرئيس ورشق الجيش بالحجارة. وقال "هذا ما يقومون به ولا أحد يتعاطى معهم، سننزل إلى الطريق والقوي يلاقينا".

 

على طريقة الأنظمة المارقة

في السياق، قالت المحامية رجينا قنطرة إن "الانتفاضة اللبنانية هي ثورة الشعب ضد القمع والحرمان وضد إلحاق لبنان بمنظومة الدول المارقة الخاضعة للعقوبات، التي حرمت شعبها من أساسيات الحياة الكريمة وقمعته سجناً، قتلاً وتهجيراً"، معتبرةً أن تلك الانتفاضة خلعت عنها ثوب الطائفية والمناطقية والخضوع للزعيم، وتوحدت تحت العلم اللبناني حصراً، وهزت سلطة التسوية السياسية الظالمة والظلامية والرجعية.

وأضافت أن "تلك السلطة الظلامية تبادر إلى معاملة الحراك الوطني اللبناني كما تعاملت منظومة الدول المارقة، يريدون إلحاق الدولة اللبنانية بها لناحية اتهام المتظاهرين بالعمالة والمؤامرة على أمن لبنان واقتصاده، وصولاً إلى التعدي عليهم بالتوقيفات والسجن والقتل، وأخيراً تهديدهم بالتهجير".

وطالبت الجيش بتحمل المسؤولية تجاه الشعب، "لمنع استعمال سلاح الأحزاب التابعة للسلطة ضد الانتفاضة السلمية المحقة، كما حصل في صور والنبطية والعبدة والبداوي ووسط بيروت وجل الديب في الفترة الأخيرة، ومحاسبة القتلة والمعتدين المعروفين بالاسم والصورة، وينتمي بعضهم إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، كما حصل عندما سقط عمر زكريا وحسين العطار وعلاء أبو فخر".

وشددت قنطرة على ضرورة الإفراج عن موقوفي "حرية التعبير" ومنع إخفائهم وتعرضهم للضرب، كما حصل مع الشاب خلدون جابر، متخوّفةً من أن "تتحول السلطة في لبنان إلى سلطة ظلامية شبيهة بدول محور الممانعة".

 

رأي قانوني

من جانبه، رأى المحامي نديم البستاني أن "التحركات الشعبية الحاصلة أخيراً في لبنان حق أساسي من حقوق المواطن اللبناني، مكفولة بالدستور اللبناني بشكل محسوم، وذلك انطلاقاً من حق التجمع وإبداء الرأي، وفق المادة 13 منه، وأيضاً بحسب ما ورد في المقدمة في الفقرات ب-ج-د". ووفق البستاني، فإن "هذا الحراك يجد ملاذاً آمناً له في ظل كنف الضمانات الدولية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية"، موضحاً أن أي "اعتقال للمتظاهرين السلميين هو خرق قانوني سافر، والأدهى من هذا، أننا نشهد حالات من استخدام العنف المفرط وغير المبرر مع المطالبين بحقوقهم، بما يخالف قاعدة وجوب التقيّد باستعمال أقل قدر لازم من القوة الضرورية، وكما قاعدة التدرج في استعمال القوة".

ودق البستاني ناقوس الخطر القانوني إزاء ازدياد منهجي في الحالات التي قد سجلت نوعاً من الاعتقال التعسفي، إذ كان يُصار إلى توقيف المتظاهرين من دون سبب جدّي، وإنما فقط نتيجة نشاطهم وحماسهم السلمي في ساحات التظاهر. بعدها، يجري سوقهم إلى أماكن الاحتجاز من دون تصريح العناصر الأمنية التي تعتقلهم عن صفتهم وعن موقع التوقيف. وذكّر بالمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تكرس حقوق الموقوفين وتفرض على عناصر الضابطة العدلية أن يمتنعوا عن توقيف أي شخص من دون قرار من قبل النيابة العامة. هذه المادة التي تمنع أيضاً أن تتخطى مدة التوقيف الأربعة أيام، وكما تفرض أن يُصار إلى إبلاغ الشخص الموقوف بحقه بالاتصال الهاتفي بأي من معارفه.

 

توقيع تعهد

وقال إن "الأخطر من كل ذلك هو إلزام الموقوفين بتوقيع تعهد بعدم التظاهر أو التعرض للسياسيين، تحت طائلة تهديدهم بالتوقيف القسري، في حين أن هذا النوع من التعهدات هو مخالف لأبسط الحقوق الدستورية والإنسانية، ويجب أن يُستتبع العقاب بالسجن لأي من رجال السلطة والأمن والقضاء ممن قد تسوّل له نفسه تغطية هكذا إجراءات غير شرعية".

وختم البستاني "إنّ التوقيفات قد انصبت باتجاه واحد لقمع المتظاهرين السلميين، بينما لم نشهد توقيف الأشخاص الذين اعتدوا على المتظاهرين بشكل وحشي من قبل العناصر التابعة لحركة أمل وحزب الله، كما ولم نلحظ أية ملاحقة قضائية بحق القادة المسؤولين بما لا يجب أن يستثني الوصول حتى إلى رؤساء هذين الحزبين، لا سيما أن العقيد يوسف دمشق الملقب بـ(أبو خشبة - قائد الجهاز الرسمي لأمن مجلس النواب، التابع مباشرة لنبيه بري، رئيس البرلمان)، شوهد في مقطع فيديو وهو يشد إزر ما عُرف بتظاهرة الدراجات النارية، التي انطلقت في الأيام الأولى لبدء التحركات الاحتجاجية، للاعتداء على المتظاهرين في ساحة الشهداء. وقد جرى التعامل مع هذه المجموعة التخريبية من قبل فوج المغاوير في الجيش اللبناني، الذي سجل أعلى المعايير الأخلاقية والقانونية، في الموازاة بين ضبط الأمن القومي للبلاد وحفظ حقوق المتظاهرين".

المزيد من العالم العربي