ترمب و"منبّه اللّوه"

"لن أستبعد تفكك الولايات ومطالبة بعضها بالاستقلال عن الاتحاد"

مطالبات مبكرة باستجواب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من قبل الكونجرس (رويترز)

حطت الطائرة في مطار دولاس بعاصمة الولايات المتحدة الأميركية، واشنطن، بعد رحلة طويلة من أبو ظبي استغرقت 15 ساعة من دون توقف. بدت العاصمة باردة بروداً يتجاوز الطقس، تشعر بالبرد القارس الذي أتى بغير موسمه مبكراً. خبراء الطقس والأحوال الجوية يحذرون من موجة صقيع مبكر، امتدت حتى الجنوب الأميركي الذي نادراً ما يأتيه الصقيع، ناهيك عن أنه يجتاحه في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني).

يتزامن هذا البرد المبكر مع مطالبات مبكرة باستجواب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من قبل الكونغرس، وهو استجواب يرى معارضو الرئيس أنه سيطيح به ويدفعه خارج البيت الأبيض، مبكراً قبل انتهاء مدته التي مقرر لها الاستمرار نظرياً حتى يناير (كانون الثاني) 2021، ما لم يُنتخب لدورة رئاسية ثانية ونهائية تمتد حتى عام 2024.

في الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام، حرب ضروس ساحاتها الكونغرس والإعلام بكل أنواعه، ومحور هذه الحرب هي مسألة استجواب الرئيس ترمب حول مكالمة هاتفية أجراها مع رئيس أوكرانيا الجديد والممثل الكوميدي السابق فولوديمير زيلينسكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسرّب فحوى المكالمة الهاتفية بين الرئيسين من قبل شخص مجهول يُسمى "معلق جرس" WHISLEBLOWER ، ولعل أفضل ترجمة لهجوية لها هي "منبّه اللّوه"، وهو أحد رجال أو نساء البيت الأبيض الذي يطالب الرئيس ترمب بالكشف عن هويته، وذلك في محاولة لحرف الموضوع عن فحوى المكالمة إلى "تخوين" من سرّبها، لكن القانون يحمي "منبه اللوه" وإلاّ ما تقدم أحد لكشف أمر ما يتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة أو كشف أخطاء وخطايا حكومية لا تُعد ولا تُحصى.

والموضوع الذي أثار الرأي العام الأميركي، أو على الأقل معظم الرأي العام، هو أن الرئيس ترمب ضغط على الرئيس الأوكراني في المكالمة الهاتفية كي يعطيه معلومات حول تعاملات ابن منافسه في الانتخابات المقبلة، هنتر ابن نائب الرئيس السابق جو بايدن.

وكان ترمب، حسب ما تسرّب، قد ضغط بطريقة ابتزازية على رئيس أوكرانيا، مدركاً حاجة بلاده الماسة للمساعدات المالية والاقتصادية. وهدد الرئيس الأميركي بوقف تلك المساعدات، ما لم يعطه الرئيس زيلينسكي معلومات يرغب في استخدامها ضد منافسه بالانتخابات الرئاسية العام المقبل، وهو ما يرى معارضو ترمب أنها مسألة ترقى للخيانة العظمى باستخدام مصالح وأموال أميركية لمصلحته الانتخابية، والمساومة بالمال العام من أجل أهداف شخصية، ما يُعد استغلالاً لمنصب الرئاسة لأهداف شخصية انتخابية بحتة.   

لكن ترمب ومؤيديه يعارضون هذه المحاولات ويصفونها بـ"المؤامرة والملاحقة الجنونية" التي شبّهها بملاحقة السحرة وقتلهم كما في العصور الوسطى بأوروبا وأميركا Witch Hunt. ويفسر مؤيدو الرئيس المطالبة باستجوابه بأنها حيلة العاجز، فهم لن يستطيعوا هزيمته في الانتخابات المقبلة، ومن ثم فلا بد من إزاحته عبر استجوابه وحرمانه من الترشح للرئاسة العام المقبل.

وترددتُ على الولايات المتحدة كثيراً منذ أربعة عقود تقريباً، أتيتُ طالباً وزائراً ومحاضراً وسائحاً، ولم أشهد طيلة تلك العقود حالة الانقسام الحاد الذي يعيشه المجتمع الأميركي اليوم. فقد تسببت ظاهرة "ترمب" بفرقة مجتمعية تشوبها الشعبوية والعنصرية، والحق أن الشعبوية نسخة معدّلة ومنقّحة للعنصرية. مؤيدو ترمب من البيض البروتستانت يرون أن الاستجواب مفبرك كمؤامرة على أميركا يقودها "اليسار والليبرال والاشتراكيون والشيوعيون"، وترددت كلمة مؤامرة مرات عدّة على مسامعي من هذا الفريق حتى خلتُ أنني في الشرق الأوسط، منبع المؤامرات والتفكير المؤامراتي.

أظن أن حالة التفرقة والانقسام في أميركا اليوم، ستزداد عمقاً وشراسة، والحرب بين مؤيدي الرئيس وخصومه ستشتعل ضراوة، ولعل ما قاله لي سفير أميركي سابق يعبّر عن عمق هذا الشقاق والانقسام في المجتمع الأميركي "لا أتوقع حرباً أهلية، ولكنني أتوقع أعمال شغب وعنفاً ولن أستبعد تفكك الولايات ومطالبة بعضها بالاستقلال عن الاتحاد".

المزيد من آراء