طفل يشيع أباه... عريس الانتفاضة اللبنانية

مشاركة شعبية حاشدة من كل المناطق في الجنازة

عمر يبكي أباه فوق نعشه (غيتي)

على وقع هتاف "ثورة ثورة" و"ثوار أحرار حنكمّل المشوار"، حُمل نعش شهيد الانتفاضة اللبنانية علاء أبو فخر اليوم الخميس، مزيناً بالعلم اللبناني للصلاة على روحه ومن ثم نقله إلى مثواه الأخير في مقابر بلدة الشويفات جنوب بيروت، في مأتم شعبي حاشد، وحضور رسمي وحزبي.

مشهد وحيد خلال الجنازة، قد يبقى طويلاً في ذاكرة كل من حضرها: طفل بملامح جميلة، يبكي ويصرخ فوق رأس الضحية الممددة في نعش وطني. يحاول الطفل الجميل، احتضان أبيه، شمّ رائحته لمرة واحدة وأخيرة. ويحاول عمر الطفل الذي تحوّل فجأة إلى رجل بعينين غاضبتين، الانتقام ممن لا يعرفهم، ممن يتّموه باكراً.

أنين عمر، جرح كل من سمعه. كم هي موجعة، الطريقة التي تلمّس بها والده. كأن الطفل يحاول الصراخ، لكن الصوت يخونه، كأنه يحاول الغضب ولا يعرف.

انتقل عمر بين ليلة وضحاها، من طفل عمره 11 سنة، إلى رجل بالغ، يريد ذبح قاتل والده. هذا التحوّل، يتحمل مسؤوليته من حمل الطفل على الأكتاف، طالباً منه القول "بدي اذبحه بإيديي للقاتل (سأذبح قاتل والدي بيدي)".

لا يعرف عمر ماذا يفعل غير البكاء، يريد البقاء إلى جانب جثة والده. يريد الحديث معه وإخباره عن كل ما حصل معه بعد غيابه. عن الليلة التي قضاها وحيداً في سريره، عن صباح لم يكن علاء موجوداً فيه.

يحاول الطفل الجميل، أن يتلمّس ما يدور حوله، بكاء ونحيب وصراخ وتهديد ووعيد. تشعر أن الطفل – الرجل، حائر بين الحزن والاشتياق واللعب مع رفاقه. مرحلة من الاشتياق بدأت ولن تنتهي.

هي لحظة مؤلمة شعر بها كل أب كان موجوداً في التشييع، كل أب خاف أن يصيب ابنه ما أصاب عمر. فما مشاركة كثيرين من الآباء والنساء في التظاهرات، إلاّ للمطالبة بمستقبل أفضل لأبنائهم.

يمشي عمر خلف نعش أبيه المحمول على أكتاف أصدقائه ورفاقه. يمشي ولا يعد خطواته، بل يحاول القفز عالياً لرؤية أبيه مرة جديدة، عله يلمح ابتسامة أخيرة.

كبر عمر قبل أوانه، انتُزِع من طفولته بسبب طلق ناري لم يكن ضرورياً، لكن هذا الطلق أصاب رأس علاء ليكون أول شهيد في الانتفاضة اللبنانية.

مراسم الدفن – العرس

شارك في تشييع شهيد الانتفاضة اللبنانية علاء أبو فخر، آلاف المواطنين الذين حضروا من كل المناطق، ونقل عبر وسائل إعلام محلية وأجنبية، وفتحت الطرق لتسهيل المشاركة في الجنازة.

وأثنت الكلمات على حسن خلق الراحل، وصفاته وحماسته الثورية. وقال النائب تيمور جنبلاط خلال التشييع "إنّه ليس لنا سوى الدولة التي ناضل من أجلها علاء". وأضاف "نلجأ إلى العقل ونرفع نداءً من الشويفات مع جميع اللبنانيين لنقول، القضاء العادل المستقل ينصف دماء علاء". في المقابل، اعتبر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن أن "فقيدنا هو فقيد الوطن، وتمنياتنا أن تكون عبرة ودعاؤنا للوطن بالسلامة ولأهل الحكم بالتعقل".

وما عكّر صفو التشييع الوطني، بعض الكلمات التي حاولت إخراج المناسبة من رمزيتها الوطنية، إلى زواريب الأحزاب. فعلاء ينتمي إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، لكنه تمرّد على قرارات حزبه بعدم المشاركة في التظاهرات والتريث لاتضاح الأمور. ومن يعرف علاء، يدرك مدى معارضته نهج النائب السابق والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، خصوصاً أن الشهيد كان ناشطاً وشارك منذ اليوم الأول في الانتفاضة اللبنانية، مخالفاً بذلك قرار حزبه. وتكريماً للراحل، قررت بلدية الشويفات إطلاق اسم علاء أبو فخر على مثلث خلدة حيث سقط شهيداً.

 

تشييع رمزي

في سياق متصل، أقام الحراك في ساحة إيليا في مدينة صيدا جنوب لبنان، تشييعاً رمزياً لأبو فخر حيث تجمع المحتجون وسط الساحة حول نعش مفترض ملفوف بالعلم اللبناني ورفعوا صورة كبيرة لعلاء، وطافوا بالنعش في الساحة بعدما نثروا الورود عليه على وقع النشيد الوطني اللبناني والأغاني الثورية حاملين الأعلام اللبنانية والبالونات البيضاء بعدما كتب كل واحد منهم عليها مطلبه، مثل لا للطائفية، لا للبطالة وغيرها من المطالب المحقة، إضافة إلى كلمات وجدانية لعلاء أبو فخر قبل أن يطلقوها في السماء، في رسالة إلى أن مطالبهم وصلت حدود السماء ولم يسمعها المسؤولون بعد .

ولفتت إحدى المعتصمات في كلمة إلى "أن التشييع اليوم هو رمزي بالتزامن مع تشييع الشهيد أبو فخر في الشويفات ومن أجل توجيه تحية وجدانية وتحية محبة لروحه الطاهرة الذي قدمها لأجل هذا الوطن". 

تعب

تعب عمر من كل هذا الحزن في قلبه الصغير، رمى جسده الضئيل في حضن أمه. شكا لها بعينيه ما يعانيه. احتضنته الأم كثيراً وطويلاً. اعتصرته بين يديها، علها تعوضه عن غياب أبيه.

تبكي الأم أيضاً، تنظر إلى ابنها الجميل، تقبّل عينيه، يديه، تشم شعره، تسقط دمعة من عينها على صدر عمر، يرفع الطفل رأسه كأنه انتقل إلى مرحلة الرجولة فجأة، يحتضن أمه، ترمي بثقلها على حضن ابنها الصغير. يصبح عمر رجلاً فجأة، تنهار الأم الشقراء، تصرخ، تئن، تتعذب، تحترق، لكن الابن يواسيها. يداعب شعرها في محاولة لتصبيرها على مصابها.

لارا التي سالت دماء زوجها على قدميها، يوم الحادث – الاغتيال. لم تتوقف عن مطالبة المتظاهرين بالنزول إلى الساحات، في محاكاة لوصية زوجها الثائر، الذي تمرّد على قرار حزبه بعدم المشاركة في الاحتجاجات، مطبقاً قناعاته، ممارساً ما يؤمن به من أفكار.

هي بداية حياة جديدة لعمر ولارا، حياة من دون الأب والزوج والرفيق والحبيب والصديق.

ينظر عمر إلى أمه ودمع في عينيه، ينظر إليها طويلاً، كما لو أراد القول: لا تخافي يا ماما، سأكون إلى جانبك دوماً، سنبكي معاً ونشتاق معاً، ونعود إلى الضحك معاً حين تنتصر الانتفاضة التي أرادها والدي، لتكون مستقبلاً أفضل لنا.

المزيد من العالم العربي