العسل الفلسطيني يقاوم الغش الإسرائيلي بجودته

يضرم المستوطنون النار أحياناً بالمناحل أو يسرقونها

بخفة واطمئنان، يتجول النحّال الفلسطيني نضال النوباني (50 سنة) بين خلايا النحل الخاصة به في إحدى التلال في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية.

ففي الوقت الذي ينشغل فيه النحل بجمع العسل من زهور الزعتر والميرمية والشومر (أعشاب طبية)، يستعد النوباني لجمع عسل السدر (العسل الأغلى ثمناً)، هو الذي "يداعب" النحل منذ نعومة أظفاره وخبير بأدق تفاصيلها، يحرص في كل مرة على استخراج أجود أنواع العسل العضوي، ويعلم تماماً أن هذا النوع من العسل يستحق كل تلك المعاناة والتعب واللسعات في كثير من الأحيان.

فمربو النحل في فلسطين ليسو كغيرهم من أصحاب هذه المهنة، ناهيك عن التعب والجهد الكبيرين في تربية النحل والحفاظ على سلامته من الأمراض والآفات، ثمة خوف مستمر من الاعتداء على المناحل عند رؤوس الجبال والتلال المحاذية لجدار الفصل العنصري الإسرائيلي، والقريبة من المستوطنات، فالمستوطنون يضرمون النار أحياناً بمناحل العسل حال معرفتهم أنها تعود إلى فلسطينيين أو يقومون بسرقتها.

يقول الخبير في تربية النحل نضال النوباني لـ"اندبندنت عربية"، "يتصف العسل في فلسطين بالجودة العالية، نظراً لتنوع الأزهار والطقس الذي يحتوي على مناخات متعددة، منها مناطق الأغوار الحارة، والمناطق الجبلية والسهلية، وكلها مناسبة لتربية النحل

يقول الخبير في تربية النحل نضال النوباني لـ"اندبندنت عربية"، "يتصف العسل في فلسطين بالجودة العالية، نظراً لتنوع الأزهار والطقس الذي يحتوي على مناخات متعددة، منها مناطق الأغوار الحارة، والمناطق الجبلية والسهلية، وكلها مناسبة لتربية النحل، كما أن موسم جني النحل للعسل يمتد حوالى ثمانية شهور، وهذا ما يفتقر إليه عدد كبير من دول العالم".

ويضيف "تتمثل أبرز مشاكلنا بإغراق السوق بالعسل الإسرائيلي الرديء والمهرّب، الذي يفتقر إلى المواصفات المطلوبة بطرق غير مشروعة، ما أدى إلى ضرب الأسعار الحقيقية للعسل البلدي الطبيعي، وهذه حملة إسرائيلية مقصودة أدت إلى عزوف العديد من النحالين عن التربية، وخلقت مشكلة حقيقية في عملية تسويق الإنتاج المحلي، ففي الوقت الذي يباع سعرالكيلوغرام الواحد من العسل الإسرائيلي بـ 10 دولارات، يبدأ سعر العسل الطبيعي الفلسطيني بـ 25 دولاراً وقد يصل إلى 50".

منافسة إسرائيلية شرسة

على الرغم من الإنتاج الوفير للعسل الذي قدر العام الماضي بـ 620 طناً، لا تصدر فلسطين أكثر من 50 في المئة منه فقط إلى أسواق الكويت والإمارات وقطر، وتسويق المنتج الفلسطيني من العسل يعد أحد أهم وأكبر المشاكل التي تواجه قطاع النحل الفلسطيني، بخاصة أن العسل الإسرائيلي "المغشوش" يغرق الأسواق المحلية، إضافة إلى أنواع أخرى من العسل الصناعي المستورد من دول أوروبية، والتفاوت الكبير في الأسعار بين العسل الإسرائيلي والفلسطيني والمستورد دفع بكثير من التجار الفلسطينين لاستيراد العسل الإسرائيلي الرخيص ضمن قوائم المواد الغذائية الاستهلاكية المسموحة بحسب الاتفاقيات الموقعة تحت اسم "مربى" وليس عسل، وهذا يصعب على الحكومة الفلسطينية منع إدخاله لأنه قانوني.

في المقابل، يوضح الخبير في تربية النحل منصور حنني، أن "هناك مشكلة كبيرة تواجهنا وتؤثر كثيراً، وهي الضخ الكبير للعسل الإسرائيلي في الأسواق، ومن الضروري العمل على إيجاد وسم أو ختم عام لتعريف وتمييز المنتج الفلسطيني عن غيره من الجهات ذات الاختصاص كوزارة الزراعة ووزارة الاقتصاد وجمعية حماية المستهلك، في الوقت الذي نشدد على ضرورة ضبط السوق الفلسطينية المفتوحة للعسل الإسرائيلي والمستورد، والعمل على تطبيق الشروط المرجعية والمواصفات الفلسطينية للعسل، بوضع رسوم استيراد عالية ومرتفعة على جميع أنواع العسل المستوردة من الخارج تحت اسم مربى، أو فرض رسوم جمركية عليه عند المعابر الخارجية".

ويضيف حنني "يجب أن تكون هناك جهود رسمية لرفع شأن النحالين ومنتجهم ومساعدتهم على خفض تكلفة الإنتاج والتسويق والوصول إلى ظروف أفضل وليس فتح السوق للمستوردين بشكل حر، ويجب رفع الوعي في المدارس والجامعات وتوضيح أهمية قطاع النحل في فلسطين وكيفية تمييز العسل المغشوش "الصناعي" عن الطبيعي، كأن توضع مثلاً مواضيع في داخل المنهاج الفلسطيني في المدارس عن العسل والنحل في فلسطين".

ميثاق العسل الفلسطيني

بداية عام 2019، أطلقت وزارة الزراعة الفلسطينية ميثاق جودة عسل النحل الفلسطيني الذي اعتبر الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط في هذا المجال، وأعدّ تماشياً مع التوجه العالمي الجديد، للحصول على العسل الأجود والأكثر تميزاً، وتشجيع المزارعين الفلسطينيين على تطوير جودة المنتج وزيادة حصته السوقية في الأسواق المحلية والعالمية.

ويعتبر قطاع النحل من القطاعات الإنتاجية المهمة والواعدة في المنظومة الإنتاجية الزراعية الفلسطينية حيث وصل عدد خلايا النحل في الضفة الغربية وقطاع غزة بحسب أرقام وإحصائيات وزارة الزراعة الفلسطينية أكثر من 84 ألف خلية، توزعت على حوالى 2000 نحال، بإنتاجية وصلت عام 2018 بـ 620 طناً، ويعتبر قطاع النحل واحداً من أهم القطاعات الزراعية، التي تسهم بما نسبته 8 في المئة من مجموع الناتج الزراعي من الناتج الإجمالي للثروة الحيوانية من القطاع الزراعي الفلسطيني.

في سياق متصل، يقول مدير دائرة النحل في وزارة الزراعة الفلسطينية وليد لحلوح إن "قطاع تربية النحل بقي لسنوات من دون تنظيم ورؤية واضحة في الإنتاج حتى عام 2014، عندما خصصت وزارة الزراعة دائرة مختصة بشؤون النحل والإرشاد للنحالين، حيث عمدنا خلال السنوات الماضية لتدريب نحالين ومهندسين زراعيين على إنتاج "غذاء الملكات، وحبوب لقاح وعلك النحل، وإنتاج شمع العسل".

ويضيف "أخضعنا عدداً من النحالين لدورات إنتاج الكريمات من خلال العسل، نظراً لأهمية تنويع منتجات النحل إلى جانب العسل، فقطاع النحل يعتبر من القطاعات الإنتاجية المهمة والواعدة في المنظومة الإنتاجية الزراعية، وذات أولوية ضمن مكونات الاستراتيجية الوطنية للقطاع الزراعي للأعوام 2017-2022، فضلاً عن توزيع 2020 خلية نحل مع كامل مستلزماتها استفاد منها أكثر من 400 أسرة من الأسر المهمشة، ووزعنا 140 خلية نحل على 14 أسرة معدمة في كافة المحافظات، ضمن مشروع محاربة الفقر، إذ تعد مشاريع تربية النحل أحد أهم فروع الإنتاج الزراعي الحديث، الأقل كلفة وتعتمد على استغلال رحيق الأزهار لإنتاج العسل".

وتوجد في الأراضي الفلسطينية أنواع عدة من العسل كعسل الحمضيات والخرفيش وحبة البركة واليانسون والكزبرة والمرار والزعتر البري، وسدر الدوم وسدر الربيض وعسل الرباط والكينا والروبينيا.
 
إسرائيل "عمدت خلال سنوات، للتأثير في قطاع النحل الفلسطيني عبر تدمير البيئة الفلسطينية وغطائها النباتي من خلال إلقاء النفايات ومياه مجاري المستوطنات للأراضي الزراعية أو تجريفها
ويرى لحلوح أن إسرائيل "عمدت خلال سنوات، للتأثير في قطاع النحل الفلسطيني عبر تدمير البيئة الفلسطينية وغطائها النباتي من خلال إلقاء النفايات ومياه مجاري المستوطنات للأراضي الزراعية أو تجريفها، أو بالاعتداءات من قبل المستوطنين على خلايا النحل وحرق المراعي وتلويثها بمخلفات المصانع، الأمر الذي أدى إلى تلوث النباتات والمراعي بشكل عام، ومع ذلك كله لم تكتف إسرائيل بذلك، بل سعت لتدمير قطاع النحل بضخ كميات من العسل الإسرائيلي الرخيص الثمن الذي ينتج بشكل تجاري كبير وغير طبيعي، إذ تتم تغذية النحل على السكر وليس مراعي طبيعية".

عسل صناعي من دون نحل

طور طلاب جامعة التخنيون في إسرائيل ابتكاراً أعلن عنه قبل أيام، يسمح بإنتاج العسل من دون مساعدة النحل، حيث يتم إنتاج العسل الاصطناعي بواسطة بكتيريا "تتعلم" إنتاج العسل بعد برمجتها في المختبر، بالتالي يمكن أيضاً التحكم في طعم العسل.

هذا ابتكار بالغ الأهمية نظراً لانخفاض أعداد النحل في أجزاء عدة من العالم. وتبوأ الاختراع المرتبة الأولى في مسابقة iGEM المرموقة التي عقدت في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT.