رفع الراية الأمازيغية في حراك الجزائر... بين السجن والبراءة

أهداف ظاهرها طيب وباطنها خفي بخاصة مع النشاط الكبير لحركة "الماك"

رفع الراية الامازيغية في حراك الجزائر يهدد المتظاهرين بالحبس (أ.ف.ب)

صدمت الأحكام الصادرة ضد متظاهرين من الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، الرأي العام، على اعتبار أن "الشباب" ذنبهم أنهم رفعوا الراية الأمازيغية ليس إلا، على الرغم من أن السلطات وجهت لهم تهمة المساس بسلامة الوطن ووحدته، ما قد يدفع إلى ردود أفعال خارجية تزيد النظام المؤقت ضغطاً، في ظل تصنيف الخطوة ضمن إجراء سياسي يستهدف ترهيب الحراك.

أحكام بالسجن وأخرى بالبراءة

استبقت السلطات الأحداث وقامت بـ "نصف تراجع" بتبرئة، اليوم الأربعاء (13 نوفمبر)، خمسة معتقلين من حاملي الراية الأمازيغية، بعد ساعات من صدور أحكام بالسجن النافذ ضد 21 شاباً من موقوفي الحراك الشعبي، حيث رأت هيئة المحكمة أن الشباب الخمسة لم يرتكبوا أي تصرف يؤكد تهمة المساس بالوحدة الوطنية التي وجهت إليهم على خلفية رفع الراية الأمازيغية في التظاهرات.

وعلى الرغم من أن أحكام البراءة التي أثلجت صدر المتهمين وعائلاتهم ولاقت ترحيباً واسعاً لدى الحراك الشعبي، غير أنها كشفت عن "تصدع" داخل قطاع القضاء بالنظر إلى الأحكام الصادرة أمس الثلاثاء، ضد 21 متظاهراً تقضي بالسجن لمدة سنة واحدة، بينها ستة أشهر غير نافذة، وإلزامهم بدفع غرامة مالية تقدر بـ 30 ألف دينار جزائري (250 دولاراً)، ما أثار حفيظة العائلات والحقوقيين والشارع.

وقال نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، سعيد صالحي، إن تعامل المحكمة مع المتظاهرين الخمسة، "يؤكد أن قضاياهم لا تستحق الإدانة ما يبرز الطابع الاستثنائي لمحكمة سيدي أمحمد التي دانت رافعي الراية الأمازيغية بتهمة المساس بسلامة وحدة الوطن".

مخاوف؟

وكانت النيابة قد طلبت تسليط عقوبة السجن عامين ضد المتظاهرين الذين تم إيداع أغلبهم الحبس الاحتياطي، بعد تعليمات من قائد الأركان قايد صالح، باعتقال أي متظاهر في حراك الجمعة، يحمل راية أخرى غير العلم الوطني، جاءت في خطاب "رفضته" الأطراف داخل الحراك والحقوقيين على اعتبار أن القانون الجنائي، لا يتضمن أي عقوبة ضد شخص يحمل راية أخرى غير العلم الرسمي، بل إن الدستور ينص على أن الأمازيغية لغة وطنية مثل اللغة العربية.

في المقابل، يرى الكاتب الإعلامي المهتم بالشأن السياسي أيوب أمزيان في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن رفع راية غير الراية الوطنية في مثل الظروف التي تعيشها البلاد، له أهداف ظاهرها طيب وباطنها خفي، بخاصة مع النشاط الكبير لحركة "الماك" التي تطالب بانفصال منطقة القبائل، التي أرادت الاستثمار في حراك الشعب وتوجيه مطالبه.

 وأضاف أنه "تم التحذير مسبقاً من طرف السلطات بعدم رفع راية من غير الوطنية"، مبرزاً أن السلطة الفعلية ترفض رفع رايات أخرى في مثل أحداث كهذه، لأن مطالب الحراك ليست من أجل الهوية، وإنما رحيل منظومة فاسدة، أما اللغة الأمازيغية فمعترف بها دستورياً وهي اللغة الرسمية الثانية بعد العربية.

ويشدد أمزيان على أنه "ليس كل سكان القبائل يعترفون بالراية الأمازيغية، فقط من يتبعون الأفكار الانفصالية"، مشيراً إلى أن الأحكام الصادرة ضد حاملي الراية الأمازيغية، لا تزيد من الضغط على السلطات، ولا يمكن لأي جهة التدخل في الشأن الداخلي للجزائر.

لماذا تجريم رفع الراية الأمازيغية؟

من جهته، يعتبر الصحافي عمار قردود في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أنه كان من المفروض وضع آليات قانونية توضح بأن حمل الراية الأمازيغية عمل محظور قانوناً، وليس بين ليلة وضحاها يتم تجريم حامل راية الأمازيغ، موضحاً أن هناك تناقضاً واضحاً وفاضحاً لدى المشرع الجزائري، "فمن جهة تم ترسيم اللغة الأمازيغية مع تدريسها في المدارس والاحتفال بيناير كرأس السنة الأمازيغية، ومن جهة أخرى يتم تجريم حامل الراية الأمازيغية".

ويشير قردود إلى أن صدور الأحكام جاء بعد أقل من أسبوع على توقف إضراب القضاة، "وهو رسالة مشفرة لكل من أبدى تضامنه مع القضاة الذين في النهاية هم من أصدروا أحكاماً ثقيلة وقاسية في حق مواطنين أبرياء ذنبهم الوحيد رفعهم للراية الأمازيغية".

قضاة "ينقلبون" على الحراك

عاد الحديث عن القضاة بعد "انقلابهم" على الحراك الشعبي، وهم الذين دعوه خلال إضرابهم الأسبوع الماضي، إلى التضامن معهم من أجل استقلالية القضاء وتكريس العدالة ودولة القانون، حيث أكدوا أنهم يقعون تحت ضغوط من السلطة التنفيذية، وبأن أحكامهم لا تصدر بمعزل عن تدخلات مسؤولين بالأجهزة الحكومية.

 لكن الإضراب توقف بعد تعهد الحكومة برفع أجورهم، من دون أن تقدم لهم أي ضمانة باحترام مبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات، ما زرع الأمل في أوساط الحراك بأن تعامل القضاة مع ملفات المتظاهرين سيشهد تغيراً بعد الصراع الذي دار مع وزير العدل بلقاسم زغماتي، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان.

من جهة ثانية، يعتقد أستاذ العلوم السياسية رابح لونيسي في تصريح لـ "اندبندنت عربية"، أن "محاولة تجريم رافعي الراية الأمازيغية تدفع البعض إلى الشك بأن وراء ذلك قوى كبرى في شمال المتوسط، وعلى رأسها فرنسا التي خشيت من انتشار فكرة الوحدة المغاربية التي تعبر عنها هذه الراية، وهو ما سيؤدي إلى إنشاء دولة قوية في جنوب المتوسط، إضافة إلى "الكيان الصهيوني الذي يعمل من أجل تفكيك دول منطقتنا وضرب أي فكرة وحدوية".

وقال إن الدراسات الأكاديمية أثبتت بأن فكرة الراية والبعد الأمازيغي يمكن أن يؤديا إلى تشكيل هذه الدولة القوية.

المزيد من العالم العربي