التعليم المنزلي... خيار جديد للباحثين عن دراسة بمواصفات خاصة

تجربة وليدة في العالم العربي بين مؤيد ومعارض... وما زالت تفتقد للتنظيم

الطفل في التعليم المنزلي محور عملية التعلم وميوله وقدراته الشخصية معيار اختيار المناهج المناسبة له (أ.ف.ب)

بشكل شبه منتظم، تصطحب سارة وهي أم في الثالثة والثلاثين ابنها عمر ذا السبع سنوات إلى النادي الرياضي الشهير نهاراً، مصطحبين بعض الكتب والكراسات التعليمية وجهاز اللابتوب لينهمكا في الدراسة بعض الوقت. يحضر عمر تمرين السباحة في الوقت نفسه. تكرار الأمر أثار استغراب البعض من المحيطين بهم حيث من المفترض وجود الأطفال في المدارس في هذا الوقت، لتكون الإجابة هي أن عمر يتم تعليمه منزلياً، وبالتالي هو غير مضطر للذهاب إلى المدرسة بشكل منتظم وهي ظاهرة إن لم تكن منتشرة بشكل كبير في العالم العربي إلا أنها أصبحت آخذه في الظهور.

طبيعة التعليم المنزلي

التعليم المنزلي، هو تعليم الأطفال بالمنزل بدلاً من الانتظام في الدراسة بالمدارس التقليدية الحكومية أو الخاصة، وعادة ما يقوم على عملية التعليم في المنزل أحد الأبوين، أو مدرس تستعين به الأسرة وفي الغالب فإن العديد من الأسر التي تعتمد مبدأ التعليم المنزلي يكون ارتكازها على تقديم المعلومة بشكل أكثر تطوراً وأكثر جذبأ عن النظام المدرسي التقليدي. وقديماً كان معظم الأطفال قبل استحداث قوانين الالتحاق الإلزامي بالمدارس يتلقون تعليمهم بشكل غير رسمي من خلال المدرس أو الأسرة أو الكتاتيب في القرى، إلا أن الأمر تطور مع انتشار المدارس في كل مكان وفرض الحكومات للتعليم الإلزامي.

والتعليم المنزلي هو خيار قانوني في بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية ومعظم دول أوروبا، وفي دول أخرى مقيد بحالات معينة بينما يعد بدول أخرى غير قانوني تماماً، مثل ألمانيا  والسويد على سبيل المثال. ووفقاً لبرنامج الاستطلاعات الأميركية الوطنية للتعليم المنزلي، فإنه في عام 2016 بلغ عدد الأطفال الذين تلقوا تعليماً منزلياً في الولايات المتحدة قرابة 2.3 مليون طفل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بينما في الدول العربية لا تزال التجربة وليدة، ولكن أصبح هناك من يدعو لها، وهناك من ينفذها بالفعل، وبدأت بعض المراكز للتعليم المنزلي في الظهور وانتشرت الصفحات والمجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تهدف إلى مساعدة من قام بالفكرة من جانب ونشرها لآخرين من جانب آخر.

ففي مصر، على سبيل المثال، لم تقنن قوانين التعليم فكرة التعليم المنزلي، ولكنها لم تمنعه، وحتى سنوات سابقة كان يعرف بتعليم المنازل، وهو أن يتقدم الطالب إلى الامتحان دون التقيد بالحضور المنظم للمدرسة، وكان يرتكز بالأكثر على الشهادات العامة إلا أن الأمر حالياً أصبح أكثر انتشاراً بين المراحل العمرية الأقل، وغالبية من اختاروا هذا النوع من التعليم يضطرون في الغالب إلى تسجيل آبنائهم بمدارس نظامية مع تعليمهم بنظام التعليم المنزلي بالاتفاق مع المدرسة، ويغلب نفس الوضع على كل الدول العربية التي لم تنظم الأمر باستثناء الإمارات التي بدأت أخيرا في تقنين فكرة التعليم المنزلي وفق شروط معينة.

الدوافع

وتعتبر أهم الدوافع التي تدفع الأسر إلى اختيار التعليم المنزلي هي عدم الرضا عن نظام التعليم المدرسي، إما لأسباب أيديولوجية أو دينية أو تعليمية، ورغبتهم في تعليم أطفالهم وفق نظم معينة تلائم القدرات والمواهب الفردية لكل طفل، والقلق أو عدم الرضا عن البيئة المدرسية المحيطة بهم بالإضافة إلى رغبتهم في الاستفادة من الوقت الطويل الذي يقضيه الأطفال في المدرسة لصالح أنشطة أخرى مثل الأنشطة الرياضية أو تنمية المهارات الفنية.

وقد يكون التعليم المنزلي خياراً ملائماً في بعض الأوقات لذوي الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون إلى نظم تعليمية معينة ذات طبيعة خاصة، لأن المدارس تفتقر لمبدأ الفروق الفردية بين الأطفال وللأطفال المميزين في مجالات معينة مثل الرياضة التي يضعوها كأولوية ويحاولوا توفيق أوضاعهم التعليمية عليها، وليس العكس والأطفال ذوي القدرات التي تسبق أقرانهم الذين يحتاجوا إلى نظام أقوى أو أكثر تقدماً، وبالفعل التحق بعضهم بالجامعة في سن أصغر من أقرانهم، إذا كانت قوانين الجامعات تسمح بذلك.

 

 

نقاط قوة وضعف

عن فائدة فكرة التعليم المنزلي كبديل عن التعليم النظامي في المدارس ومدى انتشارها في مصر والدول العربية تقول الأستاذة دعاء مجدي، الخبيرة التربوية، وهي صاحبة تجربة في مجال التعليم المنزلي، لـ"اندبندنت عربية"، "في التعليم المنزلي يكون الطفل هو محور عملية التعلم فيتم اختيار المنهج الملائم لميوله وقدراته ويدرس المواد بالمعدل الذي يناسبه ويتم تقييمه بموضوعية بعيداً عن أي ضغوط ومقارنات، فيتم تعزيز نقاط قوته والتعامل مع نقاط ضعفه، مع الأخذ في الاعتبار أن تشمل العملية جميع مهاراته سواء الأكاديمية أو الشخصية والاجتماعية وبذلك يتم إعداده كفرد سوي وفعال في مجتمعه".

تضيف "أرى أن منحنى انتشار الفكرة يزيد بطريقة ملحوظة، وقد بدأت بعض الدول بالانتباه لها مثل دولة الإمارات، التي تبنت الفكرة وتم تشريعها بالفعل في مطلع العام الحالي، وهي خطوة جريئة أتمنى أن تلهم باقي الدول لدراسة إتاحة فرصة التعليم المنزلي لكافة المواطنين بشكل قانوني لاسيما أن أحدث الأبحاث تقر أن ذلك الشكل من التعليم هو من الأشكال الأكثر مواكبة للمستقبل".

أحد أهداف التعليم هو الحصول على شهادة مؤهلة للالتحاق بالجامعة ومن بعدها سوق العمل فكيف يتم ذلك مع فكرة التعليم المنزلي والطفل غير مقيد في مدرسة وكيف يمكن للأسرة اختيار المنهج المناسب للطفل، وعلى أي أساس، عن هذا الأمر تقول دعاء مجدي، "الأمر يختلف باختلاف أهداف كل أسرة، فمعظم الأعمال التي يتوقع أن تكون مهيمنة في المستقبل القريب تعتمد على المهارات وليس الشهادات، ولكن على الجانب الآخر فالتعليم المنزلي لا يعني ألا يحصل الطفل على شهادة، فهناك طرق مختلفة للحصول عليها كالتسجيل في إحدى المدارس الإلكترونية المعتمدة للتعليم المنزلي في الدول التي تسمح به أو بإجراء اختبارات تحديد المستوى والاختبارات المعادلة، وهناك العديد من الجامعات حول العالم التي تخصص نسبة من مقاعدها لخريجي التعليم المنزلي".

المناهج

أوضحت "بالنسبة لاختيار المناهج فكل أسرة أكثر دراية بقدرات وميول أطفالها، وميزة التعليم المنزلي أنها تتيح لولي الأمر إمكانية تفصيل منهج يلائم الطفل من كافة الجوانب، فيمكن الاعتماد على منهج جاهز من إحدى الشركات التي تعنى بهذا الأمر، أو تصميم مناهج خاصة عن طريق التوليف بين عدة مناهج مختلفة، فالطفل هو الأساس نختار المنهج حسب شخصيته، ونمط تعلمه، ومعدل استيعابه، بالإضافة لأهدافنا نحن كأولياء أمور التي نطمح أن يحققها لنا المنهج".

يخلق الذهاب للمدارس النظامية نوعاً من الالتزام عند الطفل، فيكون له روتين، ومواعيد، وطقوسا يومية في مواعيد ثابتة، بالإضافة إلى خلق بيئة اجتماعية للطفل من خلال وجوده وتفاعله مع أطفال آخرين، فكيف يمكن أن يتحقق هذان العاملان في حالة الطفل الذي يتعلم منزليا؟

تقول دعاء مجدي "في التعليم المنزلي يكون التعلم أسلوب حياة، فهو ليس كالمدرسة بمواعيد وملابس وتواريخ اختبارات محددة، ولكنه مرن ويختلف باختلاف أيامنا، فكما يلتزم الطفل بتناول الطعام والنوم واللعب كحاجات بشرية، يلتزم أيضاً بالتعلم، فهو حاجة فطرية يولد بها. مهمتنا فقط أن نوفر له البيئة المناسبة لكي يشبع فطرته".

تضيف، "التعليم المنزلي لا يعني بالضرورة أن يتعلم الطفل وحده داخل المنزل، بل يعني أن المنزل هو المسؤول عن تعليم الطفل، بمعنى أن ولي الأمر يختار المنهج والمعلمين وطريقة التدريس والتقييم، يمكن أن يدرس الطفل وحده أو مع أصدقائه بالمنزل أو بالمكتبة أو النادي، لا يوجد قيود ولا نمط محدد للتعليم المنزلي، كما أن عدم الالتزام بمواعيد مدرسية يومية يتيح فرصة أكبر للمتعلمين منزلياً أن ينخرطوا في المجتمع الحقيقي خارج أسوار المدرسة، وبالتالي تكون خبراتهم الاجتماعية أكثر واقعية".

بالنسبة لأهم المعوقات التي يواجهها من اتخذ قراره بالتعليم منزلياً، توضح دعاء "كفكرة وليدة على مجتمعنا العربي أعتقد أن أبرز المشاكل تكمن في غياب الوعي والدعم لمجتمع المعلمين منزلياً، سواء من الأفراد المعارضين لها كفكرة دخيلة مختلفة عما تربينا عليه فتتم مواجهتها بالنقد والتثبيط، أو من مؤسسات الدولة، فلا توجد تشريعات تقنن الفكرة وتيسرها، ولا مراكز دعم مؤسسية تقدم حلولا واستشارات ودورات تدريبية لأولياء الأمور". 

مثل أي فكرة جديدة علي المجتمع يكون لها مؤيدون ومعارضون فهناك من يرى أن التعليم المنزلي خيار جيد، يجب أن يتم إقراره بشكل رسمي وقانوني في الدول العربية مثل معظم دول أوربا وأميركا، بينما فريق آخر يقف ضد الفكرة تماماً، ويرى أن الهدف من المدرسة ليس مجرد التعليم، بل وجود الطفل في بيئة اجتماعية ليتفاعل مع أقرانه، ويشارك في أنشطة جماعية ويصبح جزءاً من المجتمع المدرسي الصغير، وفكرة التعليم المنزلي في حالة عدم وجود ضرورة لها هي عبء كبير على الأم، التي ستتولى غالباً تدريس الأطفال كل العلوم المختلفة، وسيكون أمرا شاقا للغاية في حالة وجود أكثر من طفل، كما سيطلب منها التفرغ التام لهذه المهمة لخلق الانضباط ووضع الجدول اللازم للتعلم".

تجارب وآراء

تقول مروة، وهي أم لجأت لفكرة التعليم المنزلي لمدة خمس سنوات، "شاءت الظروف أن نكون لفترة خارج مصر في منطقة نائية في البلد الذي أقمنا فيه، مما اضطرني لتعليم أطفالي منزلياً والاعتماد على الامتحان الذي تقيمه السفارة المصرية للأطفال، مما جعلني أقوم بدراسة المناهج الحكومية، وأضيف لها كثيراً من العناصر الأخرى التي كنت أراها أكثر فائدة للأطفال خصوصا في مجالات اللغة والعلوم".

بينما ترفض سهيلة، وهي أم لطفلين في السادسة والتاسعة مجرد التفكير بالأمر، وتقول، "أرى أن هذا عبء كبير يتم تحميله لهذه الأسر بدون داعٍ ويحتاج إلى أم لها قدرات خارقة لأن الأم في الأغلب هي من سيتحمل معظم العبء لتدريس أكثر من منهج لأكثر من طفل، والركض بين مراكز التدريب وتعليم اللغات والرياضة في مواعيد مختلفة لأكثر من طفل في تجربة قد تنجح وقد تفشل، خصوصا أن الأمر سيكون أكثر صعوبة مع تقدم الأطفال بالعمر من ناحية فرض النظام وإجبارهم على المذاكرة وفق نظام غير رسمي".

بينما تقول علياء وهي أم لطفلة عمرها خمس سنوات "عشت خارج مصر لعدة سنوات قبل إنجابي لطفلتي، وشاهدت فكرة التعليم المنزلي في الدولة التي عشت فيها، ويسير فيها الأمر بشكل قانوني، وقررت أن أخوض التجربة وبدأت بالفعل والأمر يسير حتى الآن، إلا أنني قمت بتسجيلها صورياً في إحدى المدارس خوفاً من ألا أتمكن من الاستمرار أو أن يتم إلغاء الأمر بشكل كامل، ونتعرض وقتها لمشكلة فيما يتعلق بتعليمها، ولكني أرى أنه لابد أن يتم وضع القوانين تنظم هذا الأمر في الدول العربية".