رحيل "رجل المارلبورو" يفتح ملف "رجل الشيشة" وملايين المدخنين

توفي" الكاوبوي" نوريس عن عمر يناهز 90 عاماً... وشدد على أبنائه بعدم التدخين... وأصابع الاتهام تشير إلى الدراما

صورة لـ"كاوبوي" كأحد إعلانات شركة مارلبورو التي أسهمت في انتشار التدخين  (وسائل التواصل الاجتماعي)

الأجيال المقبلة على عامها الستين تعرف جيداً، حتى لو أنكرت، أن جزءاً لا يتجزأ من تنشئتها في سنوات المراهقة، وما يطلق عليه شعبياً بـ"سنوات الشقاوة"، وما بعدها كان "رجل المارلبورو" وكذلك امرأته. والأجيال الأصغر قليلاً ربما سمعت أو رأت أو بحثت من باب حب الاستطلاع عن "رجل المارلبورو وامرأته" لتعرف ماذا فعلا بملايين البشر؟ وماذا امتلكا ليجعلا من السيجارة حلماً جميلاً وأملاً عظيماً وأسلوب حياة تهفو إليه القلوب؟.

أعمدة النيكوتين

قلوب الملايين تأثرت وما زالت تحت وطأة "البلايين من "عمود النيكوتين"، وفي أقوال أخرى أكثر فجاجة بـ"عمود السرطان". أستاذ القلب والأوعية الدموية الدكتور أحمد شريف يقول إن التدخين يؤثر سلباً على القلب. "التدخين يغير من بنيان القلب الأصلي ويضعف من قدرته على ضخ الدم إلى بقية الجسم. كما يزيد من احتمالات إصابة القلب بالأمراض المختلفة، وكذلك أمراض الأوعية الدموية، وقد يصل الأمر إلى درجة النوبات القلبية والسكتة الدماغية".

رجل "المارلبورو"

أدمغة الملايين التي حذت حذو "رجل المارلبورو" "الكاوبوي" الأصيل تتذكر جيداً صاحب اللقب بوب أو روبرت نوريس الذي رحل عن عالمنا عن عمر يناهز 90 عاماً قبل أيام. الغالبية العظمى لا تعرف اسمه، أو معلومات عنه سوى أنه "مارلبورو مان" الذي دغدغ أحلامهم بتلك الصورة التي تختلط فيها الذكورة مع الوسامة مع حب نموذج "الكاوبوي" مع قدر معتبر من عشق النموذج الأميركي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن وفاته قبل أيام أيقظت الذكريات وقلبت المواجع وألبت المشاعر المتضاربة حول التدخين وما له وما عليه، وما آلت إليه أوضاع وظروف وقيود الإعلان عنه. نوريس الذي اهتمت بوفاته صحافة العالم ظل نجم إعلانات سجائر مارلبورو الشهيرة لنحو عقد ونصف العقد بدأت في ستينات القرن الماضي. وهي سنوات فارقة مؤثرة وتقول الكثير عن ثقافات الشعوب ووعيها واقتصادها وأيضاً أخلاقيات العلم والأبحاث والدراسات، ومصالح الدول والشركات الكبرى المتشابكة تشابكاً تصعب حلحلته.

حلحلة المصالح

وعلى الرغم من أن مؤشراً من مؤشرات الحلحلة لاح في الأفق بعد تتويج نوريس على مدار 14 عاماً كاملة متواصلة كـ"مارلبورو مان"، فإن أحداً لم يتلفت لها. فقد اكتشف نوريس فجأة أنه لا يريد لأي من أطفاله الأربعة أن يدخنوا. فاتخذ قراراً حاسماً بالتوقف عن إعلانات السجائر رغم أنه كان في أوج مجده الإعلاني.

ونقل العديد من وسائل الإعلام الغربية عن أبنائه في حوارات عدة أجريت معهم على مدار سنوات أن أباهم طالما كان يتحدث معهم عن أضرار التدخين، وأنه لا يريد أن يتجه أي منهم للتدخين أو حتى يدخن سيجارة على سبيل التجربة. ويقول أحدهم، "في يوم سألته: لكن لماذا تمثل في هذه الإعلانات عن السجائر بينما أنت لا تريدنا أن ندخن؟ يومها اتصل والدي بشركة فيليب موريس وأخبرهم أنه قد توقف عن الإعلانات".

 

 

رجل "المارلبورو" يحارب التدخين

وإذا كان نوريس توقف عن الإعلانات قبل ما يزيد على أربعة عقود، فإن الملايين ممن اعتنقت التدخين أسلوب حياة والسجائر مكوناً رئيساً فيها بـ"فضل" أو بـ"فعل" التأثر بإعلانات "رجل المارلبورو" مازالوا يدخنون. "خالد.ف"، 59 عاماً، طبيب، يدخن منذ كان في الـ18 من عمره. ورغم أنه طبيب، فإنه لا يفكر في الإقلاع عن التدخين لأنه حاول مراراً لكن إرادته لم تكن بالقوة المطلوبة. يقول، "بالطبع لا أخبر مرضاي بذلك. وبالطبع أنصح بعضهم بالإقلاع عن التدخين. والحقيقة أن إعلانات مارلبورو وغيرها مما كانت تقدم صورة مبهرة عن الحياة، حيث امرأة رائعة الجمال تبحر مع رجل بالغ الوسامة في أجواء شديدة الروعة، أو رجل شديد الوسامة في صحراء جرداء يبحث عن جمل وهو يدخن سيجارة تحمل الاسم نفسه، وغيرها لعبت دوراً كبيراً في تشجيعي وأبناء جيلي على خوض مضمار التدخين الذي تمكن منا تماماً لدرجة فقدنا معها الأمل في القدرة على الإقلاع".

التفكير في الإقلاع عن التدخين أو البدء فيه أو تجربة نوع من السجائر أو التغيير من نوع إلى آخر وغيرها أفكار تتأثر حتماً بالإعلانات، المباشر منها وغير المباشر. في عام 2002، صُدم العالم بخبر وفاة إريك لوسون أحد رجال مارلبورو الذين ضلعوا في تصوير إعلانات بيع السجائر. المثير هو أن لوسون توفي متأثراً بمرض سرطان الرئة المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتدخين. والأكثر إثارة أن أربعة من أشهر من قاموا ببطولات الإعلانات الأشهر الداعية إلى التدخين توفوا متأثرين بأمراض لها علاقة بالتدخين. ويشار إلى أن لوسون أمضى سنوات ما قبل وفاته في الدعوة إلى التوعية بالأمراض التي ينجم عنها التدخين، لا سيما بين المراهقين والشباب، وضرورة السيطرة على الإعلانات التي تروج للتدخين.

تحذيرات مصورة

لكن الإعلانات المروجة للتدخين لم تعد مجرد "كاوبوي" مغامر على حصان، أو امرأة رشيقة تدخن سيجارة أكثر رشاقة، أو شاب وسيم يبحث عن جمل في صحراء جرداء، فقد منع العديد من الدول الإعلانات عن التدخين، وطبق العديد أيضاً التحذيرات الصحية المصورة على علب السجائر، وزادت ضرائب على مبيعاتها، وارتفعت أرفف عرضها لتصبح بعيدة عن أيدي صغار العابثين الباحثين عن فرصة ذهبية آنية حالكة الظلام مستقبلاً للانضمام إلى تعداد المدخنين، لكن تظل السيجارة مغرية، ويظل التدخين مثيراً، وتظل عناصر الجذب لا تعد أو تحصى ومنها الإعلانات غير المباشرة.

غرفة زجاجية

 تقول ماهيتاب الأمير، 52 عاماً، مهندسة، والمتعافية من التدخين بعدما يزيد على ثلاثة عقود من التدخين أن الإعلان عن التدخين لا يتوقف عند حدود إعلان تلفزيوني أو إذاعي أو صحافي مذيل بعبارة "دخن هذه السيجارة أو تلك". تقول: "حين ترعى شركة منتجة للسجائر فعالية رياضية وتوزع تي شيرتات عليها اسم منتجها، أو يظهر فنان محبوب في عمل درامي والسيجارة لا تفارق يده وفمه، أو يظهر أحدهم في برنامج تلفزيوني يحظى بنسبة مشاهدة عالية وهو يقول أنه بلغ الستين أو السبعين من العمر ويدخن ولم يشك مرضاً طيلة حياته، فإن كل ما سبق دعاية غير مباشرة وغير مجانية للتدخين".

تضيف: "كنت أدخن بشراهة على مدار ما يقرب من 30 عاماً، ولم أفكر يوماً في الإقلاع عن التدخين إلا أن سافرت ذات مرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبينما كنت أركض من صالة إلى أخرى لألحق بطائرة داخلية حتى استوقفني مشهد الغرفة الزجاجية المخصصة للمدخنين وللمرة الأولى في حياتي أصاب بقرف ورعب شديدين للمشهد. مجموعة من البشر يقفون في زنزانة مغلقة يغلفها الدخان والجميع يلقي عليهم نظرة وكأنهم في حديقة حيوان. يومها قررت أن أقلع عن التدخين مهما كلفني الأمر. وبعد ما تعديت المرحلة الصعبة بنجاح أصبحت أكثر قدرة على ملاحظة سبل الإعلان أو الجذب غير المباشر عن التدخين، وهي أخطر من الإعلانات المباشرة لأن الفكرة تتسلل إلى الأفراد دون استئذان أو تنويه بأن المعروض إعلان مدفوع يهدف إلى الربح ورفع المبيعات".

 

 

الترفيه والتدخين

مستشار مبادرة مكافحة التبغ في المكتب الإقليمي للشرق الأوسط بمنظمة الصحة العالمية (إمرو) الدكتورة فاطمة العوا قالت لـ"اندبندنت عربية"، إن "لدينا مشكلة كبيرة جداً في الأعمال الدرامية والترفيهية لا سيما تلك التي تعرض في شهر رمضان المبارك، وحتى في المواد التعليمية، حيث يتم الترويج للتدخين وتعاطي مواد التبغ المختلفة. وكنت قد أشرت من قبل إلى نموذج واضح في فيلم "بلبل حيران" حيث يشرح البطل للبطلة باستفاضة شديدة كيفية لف السيجارة. مثل هذه المشاهد هي بمثابة إعلانات غير مباشرة تشجع على التدخين".

وترى العوا، الضالعة في ملف مكافحة التبغ في منطقة شرق المتوسط منذ سنوات طويلة، أن الحملات الصارمة المضادة للتبغ في وسائل الإعلام المختلفة بالإضافة إلى التحذيرات الصحية المصورة المطبوعة على كل علب السجائر حالياً من شأنها أن تحمي إلى حد كبير الفئات الأكثر عرضة خطر التدخين. كما أنها تسهم في الحد من الأخطار التي يتعرض لها الكثيرون جراء استنشاق التبغ عن طريق التدخين السلبي. وترى العوا أن الحملات الإعلامية المناهضة للتدخين تقلل كذلك من حجم الطلب على التبغ، وتعتبر وسيلة جيدة لحماية غير المدخنين.

يشار إلى أن نحو 1.7 بليون نسمة في 39 بلداً نفّذت حملة واحدة على الأقل من الحملات الإعلامية القوية المناهِضة للتبغ خلال العامين الماضيين.

ترويج غير مباشر

وتضيف الدكتورة فاطمة العوا إلى أن الحديث عن الحظر الشامل للإعلان عن التبغ ومنتجاته المختلفة يشمل جميع أشكال الترويج المباشر وغير المباشر. وتقول إن الأشكال غير المباشرة كثيرة ومتجددة ومنها على سبيل المثال لا الحصر توسيع استخدام العلامة التجارية والتوزيع مجاناً والخصومات على الأسعار وعروض المنتجات عند نقاط البيع، بالإضافة إلى الرعاية والأنشطة الترويجية التي تتنكّر خلف قناع برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات. وتشير العوا إلى أن 48 دولة فقط، أي 18% فقط من سكان العالم يحظون بمستوى الحظر التام لجميع أشكال الإعلان عن التبغ والترويج له ورعايته.

الرعاية المطلوبة حالياً لم تعد تتوقف عند حدود الإعلانات الصريحة المباشرة، التي لم يعد لها وجود فعلي في العديد من الدول العربية، بل تذهب إلى التنبه كذلك لسبل الإعلان غير المباشرة والتسهيلات الكثيرة الموجودة، التي من شأنها أن تجعل حياة المدخن أسهل وأيسر. يقول مهند صبحي، 33 عاماً، رجل أعمال مدخن، أنه دائم السفر بحكم عمله، وأنه في سفره لا سيما إلى دول أوروبية والبعض من الدول الخليجية يجد صعوبة بالغة في أن يدخن. "غرف المدخنين في الفنادق هي الأسوأ، والأماكن المخصصة للتدخين في المطاعم هي الأردأ. وكثيراً ما أجد نفسي واقفاً وحدي في درجة حرارة عشرة تحت الصفر أو تعدت الخمسين لأدخن. أما في مصر فالبيئة المحيطة تساعدك على التدخين. الغالبية المطلقة من المقاهي والمطاعم تسمح به وفي أماكن جيدة، بل الكثير منها يقدم الشيشة (النارجيلة) في داخلها رغم أن ذلك يلحق أضراراً صحية بالجميع، مدخنين وغير مدخنين".

رجل الشيشة

وهنا تلفت العوا إلى خطر آخر داهم، ألا وهو خطر الشيشة التي تنتشر هذه الآونة انتشاراً لافتاً في العديد من الأعمال الدرامية. تقول إن دول إقليم شرق المتوسط هي الأعلى من حيث استهلاك الشيشة بين الشباب، وذلك يعود إلى سوء الفهم إذ يعتقد كثيرون أن سياسات مكافحة التبغ تقتصر على تدابير مكافخة السجائر فقط. وتشير إلى أن إقبال الكثير من الأعمال الدرامية سواء الأفلام أو المسلسلات على تصوير مشاهد تحوي الأبطال وهم يدخنون الشيشة أسهم في نشر الأكاذيب التي تتردد عن أن الشيشة أخف ضرراً من السجائر.

وكما أن لسجائر مارلبورو رجلا أو بالأحرى رجالاً روجوا لها حتى باتوا يعرفون بـ"رجل المارلبورو" أو "مالبورو مان"، فإن للشيشة رجالاً روجوا لها ويستحقون لقب "رجل الشيشة" أو "شيشة مان"، وكذلك "شيشة وومان".  هؤلاء وإن ظلوا حكراً على مشاهد الدراما وليس الإعلان، لكن أثرهم كبير على صعيد تدخين الشيشة. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الراحلون محمد رضا وعادل أدهم وفريد شوقي ونور الشريف والحاليون محمد رمضان وأمير كرارة  وفيفي عبده وغادة عبد الرازق وروبي وغيرهم.

يشار أيضاً إلى أن ارتباط سجائر "مارلبورو" بفكرة الرجل الوسيم عبر إعلاناتها الشهيرة يفتقد معلومة مهمة، وهو أن الظهور الأول لأيقونات السيجارة في الإعلانات كان لسيدة وحملت الإعلانات شعار "كوني معتدلة مثل ماي" وذلك في عام 1924. وقتها ظل هذا النوع من السجائر يحمل سمعة تجارية باعتباره نوعاً نسائياً إلى أن اقتحم الإعلانات "رجال مارلبورو" المتواترون ومنهم من مات متأثراً بالتدخين، ومنهم من مات بعد مناهضة المنتج الذي أعلنوا عنه.