المعارضة حكمت علينا بخمس سنوات بحكومة يرأسها بوريس جونسون

يمكن إلغاء كل تعهد ووعد يُمنحان لأمثال كارولين فلينت أو جو سوينسون بشأن الخروج من دون صفقة أو حقوق العمال بعد سيطرة حزب المحافظين على مجلس العموم الذي سيكون مليئاً بالمتعصبين المناهضين لأوروبا

يعتقد كثيرون أن موقف جيريمي طوربين الضبابي من بريكسيت قد يشتت أصوات حزب العمال في الانتخابات المقبلة (رويترز)  

يعجز المرء عن المجيء بمثال أفضل من القول المبتذل بأن "الديوك الرومية قد صوّتت لصالح عشاء عيد الميلاد." أعلم أنه، وفقًا لـ "دراسة الانتخابات البريطانية"، فإن 50% من البريطانيين يصفون أنفسهم الآن بـ"ناخبين مترددين" وأن الأجواء أصبحت حامية ولا يمكن التنبؤ بأي شيء والأمور متقلبة وما إلى ذلك. من الصعب التكهن بمدى إقبال الطلاب والناخبين المسنِّين في يوم اقتراعٍ رطب ومظلم. كما أعلم أن قانون تمثيل الشعب والتزام  القنوات التلفزيونية والإذاعية بتقديم تغطية غير متحيزة بدقة سيزيد من الترويج للأحزاب الصغيرة، بما في ذلك، على وجه الخصوص، حزب البريكست. كل هذا ونحن لم نشهد من قبل انتخابات كهذه، وفي وقت كهذا وحول قضية كهذه على الإطلاق.

إذن، هل يعني الدخول في انتخابات مبكرة الرهان بكل شيء؟ ربما. إنه بالتأكيد ما يعتقده الأبله جيرمي كوربين عندما قال "نحن ذاهبون لخوض حملة انتخابية، ولا يمكنني الانتظار". وأضاف أن أعضاء حزب العمال مستعدون لدعم إجراء انتخابات عامة وأن "هذا هو نهاية النقاش، وأننا ذاهبون للفوز". وبمزيد من التبريرات (الأنانية)، هذا ما يعتقده أيضاً الأغبياء الآخرون، زعيمة حزب الديمقراطيين الأحرار جو سوينسون والحزب القومي الاسكتلندي. من المحتمل أن يحقق هؤلاء نتائج "جيدة" مما يزيد من مقاعدهم في مجلس العموم، وفي حالة الحزب القومي  الاسكتلندي يزيد من قوة ضغطة لإجراء استفتاء ثانٍ لاستقلال اسكتلندا. لكنهم  سيجنون على أنفسهم وعلينا، إذ سيتسببون بترك بوريس جونسون خمس سنوات أخرى في الحكم، وهو سيفعل ما يحلو له بعد فوزه بالأغلبية في مجلس العموم.

وبحلول يوم عيد الميلاد، ستكون بريطانيا في طريقها إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي. حينها سيواجه حزب العمال حرباً أهلية أخرى كتلك التي تنشب فيه بعد كل هزيمة انتخابية. في حين سيمضي حزب المحافظين في تنفيذ برامج "ولاية تاتشر الرابعة" التي طال انتظارها، من خلال تحرير البلاد وإلغاء القيود التنظيمية لإنشاء "سنغافورة على البحر" من جديد، والخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق إذا لزم الأمر، ومن دون تدخل من البرلمان أو من مفوضي الاتحاد الأوروبي لاعتراض طريقها. هكذا، يا إلهي، قد يبقى جونسون في السلطة حتى عام 2029!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمكن إلغاء كل تعهد ووعد يُمنحان لأمثال كارولين فلينت أو جو سوينسون بشأن الخروج من دون صفقة أو حقوق العمال بعد سيطرة حزب المحافظين على مجلس العموم الذي سيكون مليئاً بالمتعصبين المناهضين لأوروبا من أتباع نهج مارغريت تاتشر. في حين سيضطر  "المعتدلون" للتنحي أو مواجهة التطهير، كما سينتهي نظام "دولة الرفاه الاجتماعي" واعاناته.

ستكون أسرة جونسون وأصدقاؤه وأزلامه والمتزلفون له في وضع يسمح لهم بالاستمتاع بعطلة استثنائية واحتفالية بالشمبانيا بقصر تشيكرز، مقر الإقامة الريفية لرئيس الوزراء. بالمقابل، يمكن لسواهم من أمثالنا البكاء مع  كأس من بايليز.

ينبغي ألا يساورنا أدنى شك في أن سوينسون وكوربين والحزب القومي  الاسكتلندي قد حكموا علينا بخمس سنوات من العيش في بريطانيا في ظل بوريس، لكن لن يستمتعوا بذلك. يعلم الجميع أن السبب الوحيد الذي جعل حزب العمال يدعم إجراء انتخابات مبكرة هو أن المحافظين كانوا سيفوزون بالتصويت على أي حال، بفضل دعم  الديمقراطيين الأحرار والحزب القومي  الاسكتلندي. كان لديهم خيار بين الظهور كجبناء يخشون الانتخابات أو التظاهر بأنهم" مستعدون لها". هكذا يتحمل حزب العمال بدعمه للانتخابات قدراً أقلّ من اللوم من غيره. إلا أن معظم أحزاب المعارضة ارتكبت خطأً فادحاً وقدمت هدية رائعة لبوريس جونسون. وتبقى كارلين لوكاس من حزب الخضر هي الوحيدة التي تتحدث بكثير من المنطق علانيةً. فهي تعرف أن كوكب الأرض لن يكون أيضا من الفائزين في الانتخابات.

ومع ذلك، فإن الحقيقة الوحيدة البارزة في هذه الانتخابات هي استطلاع الرأي الذي يضع المحافظين في المقدمة بفارق 12 نقطة عن حزب العمال. ورغم كل التغييرات في المشهد السياسي إلا أن الانتخابات العامة البريطانية لا تزال تحسمها المقاعد الهامشية المحافظة والعمالية، التي يقع العديد منها في ميدلاندز ولانكشاير ويوركشاير. أما الباقي فماهو إلا صخب يُشتت الانتباه.

سيكون بإمكان نايجل فاراج  وسوينسون انتزاع حصص من رصيد الحزبين الرئيسيين، وربما سيخطف كل من الحزب القومي  الاسكتلندي و"بلايد كومري" حصصاً أكبر من الحزبين الرئيسين في اسكتلندا وويلز، على التوالي.  ولكن في الغالب ستحدث هناك تمردات حزبية صغيرة الحجم في المناطق الأكثر استقراراً بالنسبة للمحافظين والعمال، إلا أنها لن تكون كافية لتغيير موازين القوة. وبالتالي من المحتمل أن تتمثل النتيجة في هجرة كبيرة للناخبين مقارنة بانتخابات عام 2017 من حزب العمال إلى المحافظين. ومن المتوقع أن يفوز جونسون بأصوات أقلّ بـ 5% تقريباً مما نالته تيريزا ماي، لكن كوربين سيخسر حوالي نصف الأصوات التي حققّها بشكل مدهش في عام 2017، أي حوالي 15 نقطة مئوية. وهذا يجعل هجرة الناخبين من العمال إلى المحافظين كبيرة للغاية قياسا على ما كان عليه الحال في الماضي.

من الممكن أيضاً أن يتقهقر حزب العمل فعلياً في الحملة الانتخابية لعام 2019، كما حدث معه في انتخابات عام 1983 عندما كان محاصراً كما هو اليوم، وحصل حينها على 27% أو ما يقارب ذلك من الأصوات، وهو المستوى المتدني السابق. بعبارة أخرى، يمكن أن يتراجع ​​حزب كوربين إلى أدنى نسبة تصويت لحزب العمال منذ عام 1918، عندما نال حوالي 20%. ومن المؤكد أنهم منقسمون ومرتبكون بما يكفي ليظهروا بمظهر الأغبياء، رغم  أنني أعترف أن لدى المحافظين أكثر مما ينبغي من المهرّجين أيضًا. إن "الغموض البناء" الذي تبنّاه العمال حيال البريكست والذي خدمهم جيدًا في عام 2017 لن ينفعهم مجددًا، وقد أشارت التجارب الانتخابية الفعلية أخيراً أن هذه الاستراتيجية لا تساعد سوى في زيادة عزلة جانبي النقاش.

كلما اقترب حزب المحافظين من 40% من نسبة التصويت وتراجع حزب العمل إلى 20%، كلما زادت فرصة جونسون للفوز بالكثير من مقاعد البرلمان وتحقيق أغلبية تتجاوز العدد المتواضع الذي حكم بموجبه سابقاً كل من ديفيد كاميرون وجون ميجور (كانت أغلبية كاميرون 12 مقعدا عام 2015 وميجور 22 مقعدا عام 1992)

إن الأمر كله عبارة  مأساة. ففي دفاعاتها المتعددة عن تحركها الجريء، أي الأحمق، تقول سوينسون للأسف لا يتوفر ما يكفي من الأصوات في البرلمان لإجراء استفتاء ثانٍ ولن يكون هناك ما يكفي منها أبدًا (بطبيعة الحال) ما لم  يغمر فيضان من الديمقراطين الأحرار فجأة مجلس العموم. ولن يحصل ذلك بالفوز بـ 18% من الأصوات.

إن النقطة المهمة هي أن أحزاب المعارضة وضعت، وتضع، جونسون تماماً حيث كانت تحتاجه أن يكون، أي داخل القفص. كان من الممكن أن يتبنى العمال والديمقراطيون الأحرار مواقف متشددة تجاه جونسون. كان يمكنهم أن يقولوا إنهم سيوافقون على صفقته للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، بشرط إجراء تصويت توكيدي من خلال استفتاء "القول الفصل". كان جونسون سيرضخ لهذا المطلب في نهاية المطاف، لأنه دائما يرضخ. إنه مستعد لبيع أي شخص، حتى نفسه، من أجل البقاء في السلطة, ولقد رأينا ذلك في كثير من الأحيان. وبدلاً من ذلك، أهدته الديوك الرومية انتخابات مفاجئة كانت على جدول أعماله، ومشروعا لإعادة تشكيل بريطانيا على صورته.

وفي هذا الصدد، لا يسعني سوى أن أكرر الكلمات التي قالها نيل كينوك، وهو زعيم أسبق لحزب العمال البريطاني، في لحظات اليأس الأخيرة من انتخابات عام 1983 بينما كان حزب المحافظين يتجه نحو فوز انتخابي ساحق، وهي النتيجة التي كان يمكن التنبؤ بها. وأنا لَنْ أَقدم أي اعتذار على اقتباسها بشكلها الكامل والمخيف وأتحدى أي شخص يستطيع أن يصف الوضع الحالي بشكل أفضل من هذه الكلمات:

" إذا أُعيد انتخاب مارغريت تاتشر رئيسة للوزراء يوم الخميس، فإنني أحذركم.

أحذركم  أنكم ستُعانون من الألم - عندما يعتمد الشفاء والإغاثة على الدفع.

أحذركم أنكم ستُعانون من الجهل - عندما تتعرض المواهب للإهمال والعقول للهدر، وعندما يكون التعليم امتيازًا وليس حقًا.

أحذركم أنكم ستُعانون من الفقر - ​​عندما تُخفّض المعاشات وتُقلّص المعونات من قبل حكومة ترفض أن تدفع في اقتصاد لا يستطيع أن يدفع.

أحذركم أنكم ستُعانون من البرد - عندما تُستخدم رسوم الوقود كنظام ضريبي لا يلاحظه الأغنياء ولا يستطيع الفقراء تحمله.

أحذركم أن عليكم ألا تتوقعوا العمل - فعندما لا يستطيع الكثيرون إنفاق المال، لن يتمكن عدد أكبر من كسبه. عندما لا يكسبون، فإنهم لا ينفقون. عندما لا ينفقون، تموت فرص العمل.

أحذركم ألا تذهبوا إلى الشوارع بمفردكم في الليل أو تنزلوا إلى الشوارع في حشود كبيرة للاحتجاج في النهار.

أحذركم أنكم ستلتزمون الصمت - عندما تقبلون الخنوع بسبب الخوف الذي يقيدكم ومشنقة البطالة التي تلتف حول أعناقكم.

أحذركم أنكم ستُبدون بعض الدفاع – وسينطوي ذلك على مجازفة وثمن يفوقان التصور

أحذركم أنكم  ستبقون أسرى منازلكم- عندما تقتل أجور المواصلات وفواتيرها حياة الترفيه وتمنعكم من أن تبرحوا بيوتكم.

أحذركم أنكم ستقترضون أقل مما مضى- عندما  يُرفض الائتمان والقروض والرهون العقارية وتسهيلات الدفع للأشخاص ضعيفي الدخل مثلكم.

إذا فازت مارغريت تاتشر يوم الخميس -

- أحذركم من أن تكونوا أناساً عاديين

- أحذركم من أن تكونوا شباباً

- أحذركم من أن تمرضوا

- أحذركم من أن تتقدموا  في السن".

ها أنتم قد تلقيتم التحذير، وستعرفون أن من يستحق اللوم، ليس جونسون، الذي يتصرف حسب الظروف التي يجد نفسه فيها، وإنما سوينسون والحزب القومي  الاسكتلندي وكوربين الذين يتميزون بعدم الكفاءة التكتيكية.

© The Independent

المزيد من آراء