ألوان الطيف تتسلل إلى المجتمع الأميركي... الهوية الجنسية بين القبول والرفض

الولايات المتحدة تفتح نوافذها أمام المتحولين والمثليين... وفيلم "فيلادلفيا" طرح حقوقهم أمام الرأي العام

الجامعات الأميركية تفتح أبوابها أمام الطلاب وأعضاء هيئة التدريس من أصحاب التوجهات الجنسية المختلفة (أ.ف.ب)

ألوان الطيف لا تخطئها عين. الفكرة لم تعد قيد التساؤل المشوب بالحرج أو النقاش الذي لا يخلو من رهبة. الفكرة تغلغلت ببطء لكن بثقة شديدة حتى أصبحت سمة عادية من سمات الحياة في الولايات المتحدة الأميركية.

بالطبع لا يخلو الأمر من مقاومة هنا، أو رفض هناك، لكن التقنين مع التعميم بالإضافة إلى التجميل جعلت من المثلية بأنواعها والتحولات الجنسية وغيرها مما كان يسمى حتى عهد قريب مضى "اضطرابات جنسية" أموراً تبدو طبيعية ومقبولة لا تستدعي أعناقا ملتوية أو حواجب مرتفعة أو أفواهاً مفتوحة.

مكاتب الدمج

فتحت الغالبية العظمى من الجامعات الأميركية أبوابها على مصاريعها أمام الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين من أصحاب التوجهات الجنسية غير التقليدية ميسرة مجاهرتهم لهوياتهم الجنسية دون توجس من رد فعل المحيطين، أو تخوف من ردود فعل كان بعضها يصل إلى درجة المنع أو العنف.

مكاتب الدمج وضمان التعددية في العديد من الجامعات الأميركية لم تعد تكتفي بتقديم خدماتها وتوجيه أنشطتها لمساعدة ودعم الأقليات أو الأجانب أو أصحاب القدرات الخاصة فقط، لكن الـ"ترند" الحالي هو تقديم كل أنواع الدعم والمساندة لمجتمع المثليين والمتحولين والمعروف عربياً باسم "مجتمع الميم".

في جامعة أركنسو في مدينة فايتفيل الأميركية، يفاخر مكتب الدمج بأنشطته التي تساعد المثليين والمتحولين على الاندماج في مجتمع الجامعة، مع تنظيم أنشطة تجمعهم بآخرين مثلهم، وتقديم العون والدعم النفسيين لمن يشعرون أنهم غير مستعدين لمواجهة المجتمع وزملائهم من الطلاب والطالبات بهويتهم الجنسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صرعة أم مسيرة حقوق؟

هذه الأنشطة ليست حكراً على جامعة دون غيرها. البعض يسميها "الصرعة" الآنية، والبعض الآخر يعتبرها التطور الطبيعي لمسيرة مساندة الأقليات والمستضعفين في المجتمع الأميركي. يقول الطالب الجامعي جيريمي يونغ، 19 عاماً، أن المثليين والمتحولين مواطنون ومواطنات ولا يجب أبداً التحيز ضدهم أو التفرقة بينهم وبين الآخرين. لهم هوية جنسية خاصة بهم، ولا يجب التمييز ضد أحد، لأننا نظن أنه مختلف عنا، وندعي إننا وحدنا من يملك ما يفترض أن يكون. ما يفترض أن يكون، هو ما تكونه أنت".

مفاهيم الحريات الذي يقبل الكل ولا يفرق بين أحد على أساس اللون أو العرق أو الانتماء الجنسي يتم زرعها في المجتمع الأميركي منذ سنوات. وهذا النوع من الزراعة يستغرق تخطيطاً ووقتاً وجهداً حتى يتغلغل إلى المجتمع ويتم قبوله باعتباره ظاهرة عادية من ظواهر الحياة اليومية.

قبول التمييز

أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولورادو بولدر الأميركية البروفسور رالف هكستر، ذكر في بحث عنوانه "التنوع والتعليم: الانتماءات الجنسية"، أن الانتماءات الجنسية المتنوعة هي أكثر أنواع التنوع التي تؤدي إلى حالة من عدم الشعور بالراحة. ويرى هكستر إمكانية منع التمييز بسبب الجنس بنصوص قانونية في المستقبل القريب. يقول "تاريخنا يقول أنه قد يأتي اليوم الذي ينظر فيه الأميركيون إلى التاريخ، ويتذكروا تلك الأيام العجيبة التي كان المجتمع يدعم ويقبل التمييز ضد الأفراد بسبب الانتماءات الجنسية بكثير من الدهشة والخجل. ألم يحدث هذا مع التمييز ضد السود والنساء؟!"

ويقترح هكستر ألا تتم مناقشة الانتتماءات الجنسية في فصول الدرس، "لأن هذا سيبدو مصطنعاً وكأنه مخطط لفتح الحديث في المسألة". لكنه يقترح أن يزيد عدد الكتب والقراءات المقترحة التي تتناول المسألة من وجهات نظر مختلفة سواء مؤيدة أو معارضة أو مناقشة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مناقشة مثل هذه القضايا – رغم الخطوات الكثيرة التي قطعتها أميركا في قبول الانتتماءات الجنسية المختلفة عن الطبيعية - مازالت تقابل أحياناً بكثير من الرفض والاستهجان، لا سيما من قبل فئتين: الأولى كبار السن، والثانية أولياء أمور الأطفال المحافظين والمتدينين والمعارضين لما يرونه "معارضاً للطبيعة".

التلاعب في الطبيعة

"الطبيعة التي فطر الله عليها الإنسان لا ينبغي بأي حال من الأحوال التلاعب بها. وفي حال كان أحدهم يعاني مشكلة جسدية تجبره أو تجبرها على انتماءات جنسية مختلفة عن تلك التي خلق عليها، فينبغي أن يخضع للعلاج. وحتى لو كان العلاج مستحيلاً من وجهة نظر طبية أو علمية فلا ينبغي أبداً أن يتم الترويج لقبول مثل هذه الاختلافات الشاذة في المجتمع لأنها ببساطة شديدة تناهض إرادة السماء".

وجهة نظر كاثلين، 38 عاماً، وهي أم لطفل في المرحلة الابتدائية في مدرسة حكومية أميركية تبدو منطقية ومقبولة في مجتمعاتنا العربية، لكن تفوهها بها في أحد اجتماعات مجلس أولياء الأمور في المدرسة أثار الكثير من الرفض من قِبل أولياء الأمور الذين يرون في تعريف الصغار وتثقيفهم بما ومن يعيشون معهم في المجتمع أمر ضروري، وأن تجاهل المثلية والتحول الجنسي أو التعتيم عليهما لا يعني عدم وجودهما بقدر ما يعني الخوف من مواجهة الواقع.

مواجهة الواقع في الغالبية العظمى من المدارس الحكومية الأميركية يعني أن الأطفال سيدرسون كيف أن هناك عائلات يتكون الأهل فيها من أمين أو أبين، وعن مشاهير في التاريخ الأميركي كانوا متحولين أو ما شابه، وذلك عبر دروس مقررة في مناهج مقررة عليهم في الفصول.

كاليفورنيا في المقدمة

يشار إلى أن ولاية كاليفورنيا كانت أولى الولايات الأميركية التي تمكنت من تدريس "تاريخ ومعاناة الأقليات التي تتعرض للتعذيب" في أميركا وهي الأقليات التي تشمل المثليين والمتحولين، وذلك في عام 2011. وقد تبعها عدد كبير من الولايات، وإن اختلفت المراحل العمرية التي تدرس مناهج تحوي هذه المسيرة الحقوقية المثيرة للجدل حيث يقصر بعض الولايات إدماج قصصهم في المرحلتين المتوسطة والثانوية وليس الابتدائية.

بداية دمج قصص المثليين والمتحولين باعتبارهم أشخاصاً عاديين بدأت قبل سنوات طويلة عبر الدراما. وعلى الرغم من الاستقبال المتراوح بين الترحيب والتنديد لفيلم "فيلادلفيا" في عام 1993، فإن الفيلم استحضر نقاشاً صاخباً حول مجتمع المثليين ومشكلاتهم ومرض نقص المناعة المكتسبة وأخلاقية طرح مثل هذا النقاش على الملأ. ويدور الفيلم – الذي تقاسم بطولته كل من النجمين توم هانكس ودنزل واشنطن – حول إصابة مثلي بمرض نقص المناعة لكنه يخفي مرضه وانتماءه الجنسي عن زملائه ومديريه في مكتب المحاماة الكبير الذي يعمل فيه، لكن زملاءه يشكون في إصابته.

فيلادلفيا

وإذا كان فيلم "فيلادلفيا" فتح المجال العام أمام الأميركي أمام مناقشة حياة المثليين والمتحولين، فإن السينما الأميركية قدمت عشرات الأفلام التي تتناول المثلية والتحول بدءاً من مطلع القرن الماضي، وتحديداً عام 1919 حين عرض فيلم "مختلف عن الآخرين"، الذي تعرض لمحاولات أحدهم إلغاء القانون الألماني رقم 175 والذي يجرم المثلية، وهو الإلغاء الذي حدث على أرض الواقع في عام 1994.

الغريب أن المسلسلات الأميركية دخلت هي الأخرى على خط دمج هذه الانتماءات في الأعمال المقدمة. وأحد أبرز هذه النماذج متاحة على "نتفليكس" تحت عنوان "إني أهجرك". وتتعرض الأحداث التي تقوم ببطولتها جاين فوندا وليلي توملين لقصة مثيرة عن زوجتين متقدمتين في العمر، تكتشف كل منهما أن زوجها مثلي وعلى علاقة بالزوج الآخر. مجلة "ذي أتلانتك" الشهرية الأميركية رأت في المسلسل طرحاً جديداً يستحق الدراسة لسبب يضاف ضمن أسباب الطلاق بين العائلات الأميركية، وذلك في مقال منشور في عام 2015 تحت عنوان "نوع جديد من كوميديا الطلاق".

ومن كوميديا الطلاق إلى تراجيديا السياسة وتقارير في الإعلام الأميركي عن شركاء حياة الساسة الأميركيين البارزين، وكيف أن نماذج غير تقليدية للشركاء باتت تظهر على الساسة. فهناك الشريك الذي يدعم زوجته السياسية في جولاتها ويعلن أن مسؤوليته إطعام الكلاب وتهيئة البيت نفسياً للزوجة. وهناك الشريك "تشاستين غليزمان" زوج السياسي الذي يدعم زوجه الضابط السابق وعمدة بلدة ساوث بيند في ولاية إنديانا الأميركية بيت بوتيجيج مرشح الديموقراطيين للرئاسة الأميركية.

 

 

الأصغر سناً أقل قبولاً

لكن أكثر ما يثير العجب هو أن لغة الأرقام والاستقصاءات تشير إلى أن الأصغر سناً هم الأقل تقبلاً لفكرة المثلية والتحول الجنسي. فبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "هاريس إنسايتس أناليتكس" أو "هاريسون بول" عن مدى تقبل الشباب والمراهقين الأميركيين للانتماءات الجنسية المختلفة، وأعلنت نتائجه في يونيو (حزيران) الماضي، فقد وجدت أنه وعلى العكس من الاعتقاد الشائع بأن الأصغر سناً أكثر تقدمية وتقبلاً للاختلافات والصدمات الثقافية، فقد ظهر أن 36% فقط من الشباب من الجنسين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يقولون إن اكتشافهم أن أحد أفراد الأسرة مثلي الجنس لن يؤثر في مشاعرهم تجاهه. وتراوحت مشاعر الآخرين بين عدم الراحة وعدم الراحة جداً. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 39% لا تستريح لفكرة أن يدرس الأبناء عن المثليين والمتحولين في المدارس الابتدائية. كما قال ثلث من شارك في الاستطلاع إنهم لن يشعروا بالراحة لو اكتشفوا أن طبيب العائلة مثلي. وعلى الرغم من هذا، يظل ثمانية بين كل عشرة أميركيين يؤيدون الحقوق الكاملة لأصحاب الانتماءات الجنسية المختلفة.

من جهة أخرى، أشارت دراسة لـ"غالوب" تم إطلاقها في يونيو (حزيران) الماضي أن الأميركيين عموماً يعتقدون أن نسبة مثليي الجنس ومتحوليه أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع. فقد رجح ربع الأميركيين أن تكون النسبة نحو 25% من المجتمع، في حين أن التقديرات تشير إلى أن نسبتهم لا تتعدي 4.5%.

وربما تعود هذه المبالغة في التقدير إلى التغلغل البطئ للفكرة والتخطيط المحكم للتعريف بها والتعرض المتصاعد لقصصها في الدراما وإصدار القوانين الفارضة لدراستها في المدارس ودمج أصحابها في الجامعات وتخصيص الكتب والمقالات لها وهو ما خلق بيئة حاضنة للفكرة أو على الأقل متقبلة لها باعتبارها واقعاً مبالغاً فيه.