شهادات من التحقيق الخاص بعزل ترمب تحرج الجمهوريين المدافعين عنه

"زملاؤنا في الحزب الجمهوري ليس لديهم أساساً سوى نظريات المؤامرة البائدة التي فقدت مصداقيتها"

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) 

مع صعود الرئيس دونالد ترمب على خشبة المسرح مؤخرا لإلقاء كلمة في تجمع "حافظ على عظمة أميركا" بمدينة ليكسينغتون بولاية كنتاكي، ربما لاحظ المشاهدون في منازلهم أن  خطته بطباعة قمصان تحمل عبارة "اقرأ النص" وإدخالها في خطاب الأزياء السياسية في أميركا، قد طُبّقت.

وبشأن هذه الخطوة قال ريك ويلسون، أحد مسؤولي الدعاية في الحزب الجمهوري، إنها قد تُعزى إلى كون الرئيس الخامس والأربعين "غبيٌ حقير،" أو كما قال مصدر كريم داخل الحزب إنها "دليل على أن دونالد ترمب سيحوّل أي شيء وكل شيء إلى بضاعة يمكن بيعها."

لكنها أيضاً دليل على حصانته ضد الحقائق.

بعد مضي عدة أسابيع تقريبًا من التحقيق في إجراءات عزله التي يقودها مجلس النواب، يقول مساعدون لترمب  إنه لا يزال مقتنعًا بأن الأميركيين سيبرؤونه من أي شيء غير ملائم إذا "قرأوا فقط نص" مكالمته "المثالية"، على حدّ تعبيره، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (علماً أن هذا ليس نصاً حرفيا  وربما خضع للتعديل بغرض حذف تفاصيل أساسية فيه، حسبما أفاد أحد الشهود).

وبطبيعة الحال، تُظهر استطلاعات الرأي التي أُجريت على مدار الأسابيع الثمانية الماضية أنه كلما قرأ المزيد من الأميركيين "النص" المشار إليه في القمصان، كلما دعم المزيد منهم بشكل أكبر تحقيقات الديمقراطيين.

لكن نصّ المكالمة لم يعد "النصّ" الوحيد الذي يستطيع الأميركيون قراءته إذا كانوا يرغبون في الحكم على تصرفات الرئيس ترمب بأنفسهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي غضون الـ 24 ساعة الماضية، أصدر الديمقراطيون في مجلس النواب أربعة نصوص، هي محاضر حرفية بالفعل، لمقابلات مع العديد من مسؤولي الإدارة، أجراها أعضاء جمهوريون وديموقراطيون وموظفون في لجان الشؤون الخارجية والاستخبارات والرقابة التابعة لمجلس النواب.

تُوثّق النصوص في أكثر من 1200 صفحة شهادات السفيرة الأميركية السابقة لدى أوكرانيا ماري يوفانوفيتش وكبير مستشاري وزارة الخارجية مايكل ماكينلي والمبعوث الخاص السابق لأوكرانيا كورت فولكر، والسفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي غوردون سوندلاند.

وإذا درس الأميركيون هذه المحاضر الجديدة عن كثب، فمن غير المرجح أن يقتنعوا كما يعتقد ترمب بأن الرئيس لم يرتكب أي مخالفة.

أثناء الاستجواب من قبل محاورين ديمقراطيين، نفى بعض الشهود في البداية من أمثال سوندلاند، وهو صاحب فنادق ثري عيّنه ترمب سفيرا لدى الاتحاد الأوروبي بعد تبرعه بمليون دولار إلى لجنة مراسم تنصيب الرئيس، أن يكونوا قد ناقشوا أي نوع من المقايضة مع المسؤولين الأوكرانيين. لكن قدم محامو سوندلاند يوم الاثنين إفادة تحت القَسَم صحّح بموجبها سجل تصريحاته ليعترف بأنه، في الواقع، نقل رسالة تفيد بالمقايضة إلى المسؤولين الأوكرانيين، وبهذا، تجنب تهمة شهادة الزور.

من جانبها، كشفت شهادة السفيرة يوفانوفيتش عن رواية مرعبة لموظفة في الخدمة الخارجية أيقظها رئيسها في جنح الليل وأصرّ عليها بالعودة إلى بلادها على متن أول طائرة قادمة حفاظا على سلامتها. كما أظهر نص شهادة ماكينلي كيف أن موظفا قديما آخر في الخارجية حاول مراراً وتكراراً حماية يوفانوفيتش من دون جدوى فقرر باشمئزاز تقديم استقالته بعدما تجاهل مايك بومبيو طلباته ثلاث مرات.

في هذا الصدد أخبرني نائب سابق للمدعى الخاص في قضية ووترغيت أن شكاوى الجمهوريين بشأن عدم السماح للشهود باصطحاب محامين حكوميين أثناء استجوابهم، يعيد إلى الأذهان ذكريات الفضيحة التي أحاطت بنيكسون.

قال لي "هذا هو بالضبط ما حدث في ووترغيت،" مضيفا أن جون دين، وهو المستشار القانوني للبيت الأبيض آنذاك، كان يحضر فعلياً في كل مقابلة مع مكتب التحقيقات الفيدرالي، حتى يتسنى لهم بالأساس تنسيق التستر، والحرص على عدم نفور الناس من الحزب وعلى تمسكهم برواية الحزب الذي ينفي أي علاقة للبيت الأبيض باختراق اللجنة الوطنية الديمقراطية.. إن ما يحدث تفوح منه رائحة ووترغيت وما فعله نيكسون مع جون دين من حيث التنسيق بين شهود البيت الأبيض لضمان بقاء مواقفهم موحدة ولكي يكذبون جميعهم بشأن ما كان يحدث."

وأظهرت محاضر الشهادات أن المدعي العام الفيدرالي البارز نك أكرمان لم يكن مقتنعا بأداء الجمهوريين في الأسبوعين الأخيرين، إذ قال إن "الجمهوريين لم يتعاطوا مع الجريمة الفعلية بحد ذاتها ومع ما حدث. فقد ركزوا إما على نظريات المؤامرة القديمة نفسها بأن أوكرانيا متورطة بطريقة ما (في انتخابات 2016) أو أن جو بايدن ارتكب مخالفة ما، أو على عملية الاستجواب ذاتها، رغم أن لديهم جميعاً الحق في استجواب الشهود مرة ثانية حول الموضوع الفعلي."

وأضاف "لقد ظلوا بعيدين كل البعد عن تقديم أي شيء يمكن يبين أن ما فعله ترمب كان شيئاً آخر لا علاقة له  بممارسة الابتزاز أو تقديم الرشوة. لم يتطرق أي منهم إلى ذلك، لأنهم عاجزون، هؤلاء الناس يسألون فقط الأسئلة الأكثر حماقةً.. إن الفكرة القائلة بأن رئيس الولايات المتحدة يعتمد على نظرية المؤامرة من هذا النوع وعلى أشياء غير مبنية على الحقائق هي أمر مخيف للغاية."

وقال أيكرمان إن النصيْن الأوليْن لإفادات الشهود وحدهما كفيلان بمنح الديمقراطيين سببا قويا لمحاكمة ترمب، مشيرا إلى أنهم "قد حصلوا بالفعل على أدلة مذهلة على الرشوة والابتزاز،" متسائلا "ما الذي تحتاجه أكثر من ذلك في هذه المرحلة.؟"

وأردف المدعي العام الفيدرالي  المعروف "والآن يمارس الجمهوريون دفاعا أخرقاً آخر بالقول إنه لا توجد هناك نية للفساد، لكن هؤلاء لم يؤدوا واجبهم لجهة البحث في الأمر من الناحية القانونية، ونية الفساد بموجب القانون تعني سوء القصد. وعندما تستخدم أدوات الحكومة والأموال التي خصصها الكونغرس لدعم جهود إعادة انتخابك، وتستعملها لمحاولة رشوة وابتزاز حكومة أجنبية، فهل هناك قصد أسوأ من ذلك يمكنك السعي إليه؟ يا إلهي، أتمنى لو كانت هذه القضية في محكمة جنائية عادية؛ كنت سأذهب بها إلى أبعد الحدود."

وبنفس القدر من عدم الثقة في أداء الجمهوريين، قال النائب الجمهوري السابق جو والش، الذي يتمتع هو الآخر بخبرة في إدارة تحقيقات الكونغرس، إن هناك " انعداما تاما للجدية من جانب الجمهوريين." لكن "انعدام الجدية" هذا ليس بالضرورة خطأهم، وفقا لوالش، لأن الحجم الهائل من الأدلة وعدد الشهود الموثوق بهم لم يتركا في الحقيقة مجالاً  كبيراً لهم للدفاع عن ترمب.

وأضاف النائب السابق "لقد فكرت بعد تأمل ما الذي كان يمكنهم أن يسألوا؟ وفي أي اتجاه كانوا سيذهبون بالاستجواب؟ بالنسبة لهذين الشاهديْن، لقد كان ما قالاه واضحاً ومقنعاً  إلى حدٍّ كبير.. أعتقد أن الجمهوريين سيواجهون هذه المشكلة في كل نص شهادة. لا يوجد أي شيء حقًا، ولهذا السبب فإن أسئلتهم خلال الاستجواب تظهر وكأنها سخيفة وهزلية."

عندما سألت والش، وهو حاليا مرشح جمهوري لانتخابات الرئاسة وسبق أن عمل في لجنة الرقابة التابعة لمجلس النواب، فيما إذا كانت خطط الجمهوريين الرامية إلى ضمّ عضو لجنة المراقبة، جيم جوردان، إلى لجنة الاستخبارات سيساعدهم في الدفاع عن براءة ترمب خلال جلسات الاستماع العامة، اكتفى بالضحك.

وقال والش "إن هناك اعترافا، من جانب الجمهوريين، بأن ديفين نونز (رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب) هو عبارة عن مزحة خالصة، وأنه في ورطة لا يعرف سبيلاً للخروج منها حتى الآن." وأضاف أن نونز "ليس جديًا" وسيحرج "الحزب الجمهوري تماما" في جلسات الاستماع العامة.

لكن والش لم يكن متأكداً من أن انضمام  جوردان الى اللجنة سيحدث فرقًا، رغم كونه شخصية مفضلة لدى الرئيس ومعروف بأسلوبه الهجومي خلال استجواب الشهود ولا يرتدي السترة إطلاقا.  وقال "أُكِنُّ الكثير من المودة لصديقي وزميلي جيم جوردان، لكن جيم جوردان سيكون مجرد ديفين نونز أكثر حدةً وقبولا من حيث المظهر.. فهو لن يطرح أسئلة حول أي مسألة جوهرية؛ سيتواجد هناك فقط للدفاع عن فكرة ترمب بأن العملية مجرد تشتيت للانتباه عن إنجازاته."

يبدو أن النائب جيمي راسكين ، وهو أحد عضو حالي في لجنة الرقابة، يشاطر والش الشعور نفسه بضعف دفاع الحزب الجمهوري. فهو اعتبر أن  "الرئيس  قد استهلك كل الأعذار والدفاعات والحجج على ما يبدو لي، لذلك فإن زملاءنا الجمهوريين أصبحوا عاجزين عن التصدي للثقل الجارف لإفادات شهود موثوق بهم على نحو جدي".

وأضاف راسكين "زملاؤنا في الحزب الجمهوري ليس لديهم أساساً أي شيء سوى بعض نظريات المؤامرة البائدة التي فقدت مصداقيتها وبعض التخمينات الباطلة عن عائلة بايدن، لكن لا شيء من هذا يوفر دفاعا حقيقيا للرئيس في القضية التي ظهرت. إن ما حدث هو ابتزاز سياسي للحكومة الأوكرانية من قبل ترمب وأتباعه ... نُفّذ ضد مصالح الولايات المتحدة وسياسات وزارة الخارجية."

أشار راسكين إلى أنه ليس متأكداً حتى فيما إذا كان الجمهوريون قد توصلوا إلى استراتيجية للدفاع عن الرئيس، معرباً عن أمله "أن تكون استراتيجيتهم هي البحث عن الحقيقة والدفاع عن الدستور، لكن يبدو أن هناك بعض الإحساس بأن دورهم هو الدفاع عن الرئيس وليس الدستور. وهذا يبدو وكأنه خطأ مفاهيمي، وربما خطأ يتعلق بالمسيرة المهنية، من جانبهم."

ورأى أنه "ربما كان هذا الجنون ينطوي على  طريقة ما، لكنني ألمس فوضى أساسية في معسكر الحزب الجمهوري. إنهم يواجهون تنافرا معرفياً، لأنه في نهاية المطاف هم يدافعون عن رئيس قوّض أمننا القومي، وانحاز إلى طاغية روسيا وهاجم موظفو المهنية الخدمة الخارجية لدينا.

وتابع راسكين أن الجمهوريين وجدوا أنفسهم في "ذلك الموقف الصعب،" مضيفًا أن رغبة الحزب الجمهوري في الكشف عن هوية المُبَلغ الأصلي، وهو عضو مجهول في دوائر الاستخبارات أثارت شكواه إجراءات عزل الرئيس، هي رغبة "سخيفة ومؤذية".

وقال إن "الأمر يشبه مهاجمة شخص اتصل بإدارة الإطفاء ليبلغ عن حريق في 12 طابق يحاول الجميع إخماده، أو يشبه إلقاء نيكسون اللوم على كاشف فضيحة ووتر غيت المسمى بـ‘الحنجرة العميقة‘.. كما أن الأمر ضار أيضًا لأنه خطير. لقد أذكى الرئيس لهيب التوتر السياسي وقد يتأذى شخص ما في هذه البيئة. إن التضحية بالمبلّغين كأكباش فداء هو ذلك التكتيك الذي يمكن أن تجده في جمهورية موز."

© The Independent

المزيد من آراء