المصارف اللبنانية... غضب وارتفاع الطلب على السيولة

تشكيك بعودة البنوك إلى العمل وترقب لحركة حاكم مصرف لبنان

 

أقفلت المصارف اللبنانية أبوابها على وقع غضب المودعين الخائفين على أموالهم فيما لا يزال المتظاهرون يملأون الساحات. وعلى الرغم من تطمينات رئيس جمعية المصارف سليم صفير إلا أن الشك بقي قائماً حول عودة المصارف إلى العمل بخاصة بعد دعوة "نقابة موظفي المصارف في الشمال" إلى استمرار الإقفال حفاظاً على سلامة موظفي القطاع المصرفي.
هذه البلبلة استدعت اجتماعاً مالياً في القصر الجمهوري في بعبدا لم يرشح عنه إلا القليل ولم يطمئن النفوس، ليعلن الحاكم أنه سيخرج عن صمته ويتوجه إلى اللبنانيين بمؤتمر صحافي مرتقب على نطاق واسع الاثنين ظهراً (12:30 بتوقيت بيروت) بعد ضغوط لتطبيق "قانون النقد والتسليف" والحد من الضوابط التي فرضتها المصارف حفاظاً على سيولتها وعلى استمرار عملها.
 

سيولة أم لا سيولة لدى المصارف؟
 

تكشف مصادر مصرفية لـ "اندبندنت عربية" أن المصارف لا تواجه حالياً مخاطر مرتفعة وملاءتها المالية جيدة، وأن أي مصرف حول العالم لا يستطيع تلبية طلب مرتفع على النقد ناتج من هلع مرتبط بعدم استقرار سياسي وأمني. فلا قدرة للمصارف على مواجهة خوف المودعين أو ما يُعرف بمصطلح Bank Run. وبيّنت المصادر ذاتها أن بعض البنوك اللبنانية استنزفت سيولتها المتاحة فيما لا تزال بعض المصارف الأخرى في وضع أفضل ولكن لتفادي فراغ الصناديق ودفع كلفة مرتفعة للنقد لجأت كل المصارف إلى وضع سقوف ضيقة للسحوبات النقدية والتحويلات بخاصة الخارجية منها، ما تترجم شغباً وغضباً في الفروع المصرفية، دفع إلى إقفالها.


ارتفاع كلفة تأمين النقد يزيد الضغوط
 

تلجأ المصارف إلى توظيف الأموال المودعة لديها لتحقيق الأرباح وتسديد الفوائد على الودائع، بالتالي لا تحتفظ بكثير من النقد. فالمصارف تحتفظ عادةً بما نسبته 30 أو 40 في المئة من الودائع كسيولة نقدية. وفي حال احتاجت إلى الأوراق النقدية تتجه إما إلى المصرف المركزي للاقتراض بعملية يضع عليها المركزي فوائد أو إلى المصارف التجارية الأخرى وهنا أيضاً فوائد معروفة ومتحركة بحسب الطلب وهي Overnight interbank rate.
وكانت ارتفعت في الأيام القليلة الماضية الفوائد بين البنوك إلى مستوى 100 في المئة سنوياً، ما يرفع كلفة النقد ويزيد من تعرض المصارف لخسائر فيما هي تعمل في بيئة صعبة وتواجه تراجع الأرباح والتصنيف وارتفاع الضرائب. إذاً المشكلة التي تواجهها المصارف ليست مشكلة سيولة أو تعثر أو خسائر محقَقة تهدد كيانها، إنما عدم قدرة على تلبية الطلبات المرتفعة على النقد، التي سببتها عوامل عدم الثقة والتخوف من انعدام الحل السياسي، الذي قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي تصل ارتداداته إلى الودائع المنكشفة على دين الدولة اللبنانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


تركيبة الدين في لبنان
 

80 مليار دولار هي القيمة الموظفة في سندات الدين السيادية اللبنانية من قبل المصارف التجارية والمصرف المركزي. فمصرف لبنان يفرض احتياطي يودع لديه مقابل كل وديعة، فيما تُقدَر قيمة الأموال المودعة من قبل المصارف التجارية في المركزي بحدود 100 مليار دولار. وللمركزي حصة 40 مليار دولار من دين الدولة، بينما اكتتبت المصارف التجارية بالقيمة المتبقية والمقدرة بحدود 40 مليار دولار أيضاً.
ويشكّل الدين الداخلي عامل حماية للبنان فيما بدأ الكلام والنقاش باتجاه إعادة جدولة الديون إلى آجال أبعد كما خصم الفوائد المستحقة لمصرف لبنان لتخفيف عبء العجز المالي الكبير الذي تتكبده الدولة اللبنانية سنوياً والمقدر بحدود 5.5 مليار دولار ويشكل نسبة 11 في المئة تقريباً من الناتج المحلي.


خروج الدولار للخارج مستمر

ودفع التأخير في تشكيل الحكومة مطلع العام إلى تراجع الثقة في لبنان ونتج منه خروج أكثر من ملياري دولار في أول 3 أشهر من العام الحالي، هي القيمة الأعلى منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان. وعلى الرغم من المساعي التي قادها المصرف المركزي لاستعادة تدفقات الدولار إلا أن الفترة التي سبقت الثورة وخلالها، شهدت ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، ما أدى إلى استئناف نزيف الودائع إلى الخارج. وقدرت المصادر المصرفية لـ "اندبندنت عربية" القيمة التي خرجت من لبنان خلال الأسابيع القليلة الماضية بأكثر من ملياري دولار أيضاً، بينما يعاني لبنان من تراجع تحويلات المغتربين والعاملين في الخارج والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
فتحويلات المغتربين سجلت مستوى 7.2 مليار دولار في عام 2018 بحسب أرقام البنك الدولي بمستويات مشابهة لعام 2017 ولكن بتراجع فاق 7 في المئة عن عام 2016.
أما قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة فسجلت مستوى 2.8 مليار دولار عام 2018 بارتفاع طفيف عن مستوى 2.5 مليار دولار المسجلة في عامَي 2017 و2016، وفق أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD.
تلك المستويات لا تسد عجز ميزان المدفوعات المتأثر أصلاً بعجز الميزان التجاري الذي يعاني من ارتفاع الاستيراد إلى مستوى يلامس الـ 20 مليار دولار فيما التصدير لا يتخطى 2.5 مليار دولار. وهنا يبرز أيضاً استنزاف الدولار إلى الخارج عبر السلع التي يستوردها لبنان ويستهلكها بدلاً من تصنيعها محلياً أو رفع الإنتاج والتصدير.
الظروف المالية والاقتصادية تبدلت اليوم ولا يمكن مقارنتها بأي أزمة سابقة مر بها لبنان، فانعدام النمو وارتفاع نسبة وكلفة هذا الدين والعجز والبطالة وإفلاس المؤسسات وغضب الشعب وتراجع الثقة في النظام السياسي والخوف من تعرض القطاع المصرفي إلى نكسة وافتراش الناس الطرقات لأكثر من 24 يوماً في انتفاضة لم يشهد لبنان مثيلاً لها في تاريخه، كلها إنذارات مدوية تتطلب حلاً سياسياً أصبح ملحاً وإلا ستكون هناك عواقب لن يسلم منها أحد.

المزيد من اقتصاد