مشروع العفو العام: شرعية الكيل بمكيالين

تسامح مع جرائم المخدرات فيما تشدد مع قضايا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

يُعتبر ملف العفو في لبنان دقيقاً للغاية وتحديداً لناحية الموقوفين الإسلاميين (أ. ف. ب)

بالباراشوت هبط مشروع قانون العفو العام على جدول أعمال مجلس النواب اللبناني، متخذاً صفة العفو العام، ليدخل في دائرة استرضاء الشعب اللبناني الثائر. وعلى الرغم من شموله عدداً كبيراً من الجرائم المرتكبة في الفترة السابقة لـ30 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، إلاّ أنّه تعرّض لعدد كبير من الانتقادات بسبب افتقاده لوحدة المعايير والتشكيك من جهة بالقدرة على تنفيذه بشفافية، ومن جهة أخرى بقيمة القوانين الجزائية التي توضع لردع المرتكبين والمجرمين.

اقتراح القانون الذي ذُيّل بتوقيع النائب ياسين جابر، جاء على شكل مادة وحيدة، وانطلق من أهمية الصفح في تعزيز السلم الأهلي وإعادة اللحمة بين أبناء الوطن. ويعلّل اقتراحه بضرورة اتخاذ تدابير استثنائية. وتضمن إقرار العفو العام عن الجرائم المحالة إلى المحاكم العدلية والعسكرية الاستثنائية أو التي صدرت بنتيجتها أحكام.

جاءت جرائم تعاطي أو تسهيل تعاطي المخدرات "دون نية الربح" في رأس قائمة الإعفاءات التي تضمنها اقتراح القانون، وهذا أمرٌ لافت، فيما استثنى الجرائم المحالة على المجلس العدلي وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وكذلك قتل المدنيين أو العسكريين أو خطفهم، إضافةً إلى استخدام أو اقتناء مواد متفجرة أو ملتهبة، وجرائم التعدي على الأموال والأملاك العامة أو الخصوصية العائدة للدولة أو البلديات، وكذلك جرائم الاعتداء على الأمن الخارجي للدولة والجرائم المخلة بالثقة العامة، والجرائم المتعلقة بالأخلاق والآداب العامة، والجرائم الواقعة على الأشخاص أو الامتيازات، ومجموعة من القوانين المتصلة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

ويتضح من المسودة أنها استثنت بصورة واضحة ملف المعتقلين الإسلاميين، بل إنها تضمنت جزاءات إضافية ومضاعفة. ويؤكد عمر كريمة، المتحدث باسم أهالي الموقوفين أن توقيف الشباب الإسلاميين ما هو إلاّ من باب الكيدية السياسية، واستهجن إطالة أمد الإجراءات في المحاكم، ذلك أن فترة توقيف بعض الشبان فاقت مدة العقوبة التي يمكن أن يحكم بها القضاء، مصوّباً على الفساد القضائي الذي يحول دون الإفراج عن المعتقلين، لأنه أسوأ أشكال الفساد.

من ينصف الموقوف الإسلامي؟

يُعتبر ملف العفو دقيقاً للغاية، وتحديداً لناحية الموقوفين الإسلاميين الذين لا يمكن وضعهم ضمن فئة واحدة، ويدخل تحت هذا الوصف المتهمون بالانتماء إلى "فتح الإسلام" و"أحداث طرابلس" و"معركة عبرا" و"عرسال"، والانتماء إلى الجماعات المسلحة التي قاتلت في سوريا. ويسهم الخلط بين هذه الفئات، ووسمها جميعها بالإرهاب في ظلم بعض الشبان. ويقدّر عدد  الموقوفين الإسلاميين بنحو  1250شاباً في سجون رومية والريحانية والشرطة العسكرية في الرملة البيضاء.

في هذا السياق، يلفت المحامي محمد صبلوح أنه بعد تواري قائد "فتح الإسلام" شاكر العبسي عام 2008، نفّذت  السلطات حملة اعتقالات عشوائية، فأُوقف 500 شاب، وبعد 11 عاماً، أعلن القضاء براءة 45 شاباً تسولّت عوائلهم لإطعامهم، ولم يتم تعويضهم عن انتهاك حرياتهم واعتقالهم تعسفياً طيلة هذه الفترة، علماً أنّه حكم على كثيرين منهم لسنتين وثلاث سنوات فقط، متهماً الدولة باللجوء إلى التعذيب وانتزاع الاعترافات بالعنف والقسوة. ويطالب صبلوح بمحاكمة السياسيين الذين موّلوا أحداث طرابلس، ودفعوا الشبان إلى التقاتل على مدى ثلاث سنوات و23 جولة عنف، وأرغموهم على التواري أو الهروب بفعل إصدار 11 ألف وثيقة اتصال وملاحقتهم من جانب الأجهزة الأمنية، ومن ثم فبركة ملفات الإرهاب لمحاكمتهم أمام المحكمة العسكرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشكّك صبلوح بصدقية الأدلة التي استُخدمت لإدانة الشيخ أحمد الأسير ومجموعة عبرا، فالمحكمة العسكرية كانت ظالمة، ولم تقدّم أي تقرير خبرة أو ملفات بالأشخاص الذين وقعوا في المعركة، كما أنه عرض أشرطة فيديو أمام المحكمة الاستثنائية التي يرأسها الضابط حسين عبد الله، وتتضمن تأكيداً على وجود طرف ثالث أطلق النار على الجيش. ويستشهد صبلوح بمقابلة العميد شامل روكز الذي اعترف بوجود مدافع صاروخية لصالح حزب الله في معركة عبرا، مذكّراً بأن عناصر داعش الذين ذبحوا 14 جندياً لبنانياً جرى تهريبهم بالباصات المكيفة، لطمس الحقيقة.

لا أحد يطالب بالعفو عمّن أُدين بالقتل القصد للجيش، يؤكد صبلوح، ولكن هناك أكثرية من أبناء طرابلس وصيدا ممّن أُوقفوا بناء على شبهة. وبالتالي، يجب تطبيق المبدأ الجزائي الذي يفسّر الشك لصالح المتهم. ويستغرب أن مشروع القانون المقترح يجافي توجهات قوانين العفو، فبدلاً من تخفيض آجال الأحكام، رفع السنة السجنية من9  أشهر إلى 12  شهراً.

على الحريري أن يتحرّك

تشعر فئة واسعة من اللبنانيين بأن القانون المزمع طرحه على مجلس النواب، تمت خياطته على قياس تجار المخدرات ومروجيها، في مقابل الإصرار على صبغ أبنائهم بالإرهاب. وتؤكد لجنة أهالي الموقوفين أنها أعدّت مسودة قانون بالتعاون مع الرئيس سعد الحريري، وحصلت على تعهّد منه بعدم التصويت على أي قانون لا ينصف هؤلاء. ويعتقد أهالي الإسلاميين أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لن يسير في قانون يزيد التوترات الطائفية.

وأدت استقالة الحكومة إلى الإطاحة بمشروع العفو الذي كان أُعدّ مع مستشاري رئيس الحكومة. ويتحدّث المحامي محمد صبلوح عن "سرقة المسودة" وتعديلها من جانب نواب حركة أمل وفقاً لمصالحهم وما يتناسب مع جرائم المخدرات، ومن ثم ستُطرح على جدول أعمال جلسة مجلس النواب.

أوقفوا تشريد العائلات

تحتشد في خيمة المطالبين بـ"العفو العام" في طرابلس، قصص الوجع. فهنا شخص يتحدث عن تبرئة الشاب علاء محرز بعد توقيفه 7 سنوات ونصف السنة، وهناك من تتحدث عن تشريد أفراد العائلة واضطرارهم إلى ترك مقاعد الدراسة لبيع ورق المحارم. بين هؤلاء، يجلس أبو عمر بو عيد، وهو أحد الموقوفين السابقين بجرم الإرهاب على خلفية مشاركته في أحداث طرابلس والاقتتال بين باب التبانة وجبل محسن. ويروي أن الساسة ضحوا بهم عند طرح الخطة الأمنية، فقادة الأحزاب هم من موّل وسلّح وحرّض على الاقتتال الأهلي. ويقول إنه تنقّل بين مخابرات الجيش، وسجن وزارة الدفاع، وصولاً إلى سجن رومية، مشيراً إلى ظروف لاإنسانية في رومية، حيث كانوا موجودين في الزنزانات 24 على 24 ساعة، والغرفة التي تتسع لثلاثة، كانت تحتجز 8 موقوفين.

انعكس سجن أبو عمر بتهمة الإرهاب على سمعة العائلة، فقد عاشت الزوجة والأبناء الأربعة حياة مريرة. وبعد سجن خمس سنوات، خرج في بداية عام 2019، يقر بمعاناته من ألسنة الناس الجارحة. فبعد عشرة أشهر على إطلاق سراحه، لم يحظَ بفرصة عمل لأنه ما زال مجرّداً من حقوقه المدنية، لذلك انتقل لينسّق مواقف أهالي الموقوفين الإسلاميين والمطالبة بإقرار العفو العام. ويأمل أبو عمر أن تواكب الدولة المصالحة التي نتجت من الانتفاضة بين أبناء الجبل والتبانة، والذهاب إلى قانون عفو عام شامل وعادل.