تحريم الاختلاط في المناهج السعودية... تنظير يصطدم مع الواقع المعاش

ناشطون يعتقدون أن عجلة التطوير في مجال التعليم مازالت تسير ببطء شديد رغم الإصلاحات المتسارعة

وزير التعليم السعودي حمد آل الشيخ في مناسبة تعليمية قبل أسابيع ويظهر في الصورة بعض منسوبي التعليم من الجنسين (واس)

رغم الإصلاحات المتسارعة التي تشهدها السعودية على الصعيدين الاجتماعي والحكومي في اتجاه تمكين المرأة وتفعيل دورها في كافة مفاصل الدولة، فإن ناشطون يعتقدون بأن عجلة التطوير في صياغة المناهج الدراسية مازالت تسير ببطء شديد، لاسيما في سياق مواكبة التغييرات الاجتماعية الواسعة التي شهدتها البلاد بعد تدشين رؤيتها 2030 التي ارتكزت على العودة إلى الإسلام الوسطي المنفتح على العالم.

وترافقت مع إعلان الاستراتيجية الوطنية ذات المستهدفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قرارات جريئة طوت مع صدورها قضايا جدلية عديدة عاشها المجتمع السعودي، وتعد من أهم مخرجات عملية التحديث الجديدة التي قادها ولي العهد السعودي سن تشريعات قانونية أسهمت في تمكين المرأة، كالسماح بقيادة المرأة للسيارة، وحرية السفر، وعدم الإلزام بارتداء الحجاب التقليدي.

وتداول مغردون على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" صفحات من المقررات الدينية التي تدرس لطلاب المرحلة الثانوية، إذ أورد مقرر الحديث النبوي في صفحة (107) نشاطا لتصنيف أشد دواعي الزنا تأثيرا، والتي ذُكر في أعلاها "الاختلاط المحرم" و"خلوة الرجل بالمرأة"، و"المحادثات على وسائل التواصل"، كما تضمن كتاب الفقه في الفصل الحادي عشر المعنون بالحدود، التدابير الواقية من الوقوع في جريمة الزنا، وذكر في الفقرة الرابعة صفحة (253): تحريم اختلاط الرجال بالنساء واصفا إياه بأخطر دواعي الزنا وأشدها ضررا، ثم تلتها تحريم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، وتحريم الخلوة بالمرأة وسفرها بلا محرم.



وفي سياق عملية تنقية المناهج وصف وزير التعليم السعودي الدكتور حمد آل الشيخ في تصريحات سابقة أدلى بها لصحيفة عكاظ السعودية محاولات إصلاح التعليم بالخجولة، مشيرا إلى أن فريق تطوير المناهج واجه مقاومة ممثلة بصراعات فكرية وجدلية، بيد أن وزارته بدأت استكمال مراجعة المناهج رغم وجود من يريد إيقافها.

وأكد الوزير السعودي الذي يقود حملة إصلاح واسعة شملت الهياكل والتنظيمات الإدارية في وزارته، ومكافحة الأفكار المتطرفة، بأن المناهج ستركز على قيم التسامح والتعايش وكشف الحقائق التاريخية المتعلقة بالتاريخ السعودي كما ستراعي احتياجات الطلاب النفسية والسلوكية.

وفي خضم التحديثات الاجتماعية، انتقد كتاب سعوديون المناهج الدراسية التي تحرم الاختلاط بين الرجل والمرأة وتصفه من أشد دواعي الزنا، في الوقت الذي أصبح فيه الاختلاط من المظاهر الطبيعية في ظل الواقع المعاش الذي أتاح للمرأة العمل إلى جوار الرجل على حد سواء في القطاع الخاص أو القطاع الحكومي، علاوة على حضور قيادات التعليم المؤتمرات والمناشط جنبا إلى جنب مع المرأة باعتبارها شريكا لا يمكن إغفاله في العملية التربوية.

ويسود الاعتقاد بأن السعودية بعد أن فتحت أبوابها الأسبوع الماضي للسياح القادمين من دول العالم بمختلف ثقافاتهم ومعتقداتهم، ستواجه معركة كبيرة لإصلاح المناهج التعليمية على حد سواء مع التشريعات والقوانين التي أجرت الحكومة عليها مجموعة من التعديلات حتى تتواكب مع الانفتاح السياحي.



وعلّق الكاتب السعودي وحيد الغامدي قائلا بأن السياسة التعليمية هي نفسها قبل عقود أو ربما تطورت قليلاً فقط، وبعض الآراء الأحادية الضيقة في المناهج، هي نفسها لم يطرأ عليها أي تغيير.

وشخّص مشكلة وزارة التعليم بأنها تكمن في الفصل الحاد بين السياقات التي تعمل عليها، فهي وزارةٌ تسير – إدارياً – بانسجام مع متطلبات الرؤية، لكنها في نفس الوقت تسير بنفس الأدوات القديمة في ديناميكيتها التعليمية داخل المدارس.

وأضاف: الاتجاه التعليمي داخل المدارس ليس هو الاتجاه الإعلامي والرسمي كما تظهر عليه هوية الوزارة من خارجها، متسائلا ما إذا كانت الوزارة مدركة لهذا التناقض الذي تظهر به أم أنها تحرص فقط على تسيير العمل في تلك المجالات كما هو مفترض، دون الحاجة لتوحيد الاستراتيجية العامة لسير الوزارة باتجاه هدف واحد يبدأ من الفصل الدراسي.

الاهتمام المتزايد بالمقومات الحضارية والجغرافية التي أصبحت الحكومة تحرص على استغلالها لرفد قطاع السياحة؛ دعا الإعلامي والتربوي السعودي عبدالرحمن السعد ليستنكر تحريم المنهج الدراسي للتصوير والفنون الجميلة والمتاحف وعدم جواز الذهاب إلى المناطق الأثرية كالعلا والأخدود.



ويعتقد السعد أن سبب الفجوة بين الواقع والمناهج الدراسية هو غن القائم على صياغتها غير مطلع على الآراء الفقهية المختلفة أو أنه لا يعترف بها وبمتغيرات الحياة، فما كان في زمن حرامًا لأسباب معينة أو تقليداً لعالم أو متابعة لعرف اجتماعي قد يكون أصبح مباحًا في هذا الزمن لتغير تلك الأسباب وانتفاء علتها، محمّلا هذا النوع من المناهج مسؤولية التأثيرات السلبية على عقلية الجيل لما تحمل بين طياتها من المغالطات التي قد تصل بصاحبها إلى الإيمان بأفكار غير صالحة للحياة، تحوله إلى شخصية متذبذبة وازدواجية بين ما يفعله ويؤمن به مع شعور دائم بتأنيب الضمير.

وتشكل المناهج الدراسية دورا محوريا في صياغة شخصية الطالب، وترسيخ معتقداته وأفكاره، وفي السعودية يضم المنهج الدراسي عددا من المسائل الخلافية التي يصر على تحريمها، وعدم الاعتراف بالمذاهب القائلة بجوازها مثل كشف وجه المرأة، والاختلاط، الذي يراه محرمًا وأنه داعٍ من دواعي الزنا، ويتجاهل وجود مظاهر للاختلاط الطبيعي في الحياة العامة.

ويمثل إصلاح المناهج التعليمية في السعودية أحد أكثر العمليات صعوبة وتعقيدا في ظل الصراع بين التيارات التي تريد توجيه المنهج الدراسي نحو رؤية أيديولوجية موحدة، الأمر الذي وصفه وزير التعليم بمقاومة صراعات جدلية وفكرية، ويأمل الكثير في أن تسهم عملية مراجعة المناهج المستمرة في الخروج بمقررات معتدلة تتواءم مع التغييرات الواسعة التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

المزيد من الأخبار