Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حلوى المولد في مصر... قصة عروسة وحصان توارثتها الأجيال

حرفة تراثية بدأت بالورش اليدوية... وتجسد جزءا من تاريخ وثقافة البلاد

منذ أكثر من ألف عامٍ، وما إن يبدأ شهر ربيع الأول معلناً اقتراب المولد النبوي الشريف تتزين شوارع مصر احتفالاً بقدومه، وتنتشر الساحات والسرادقات التي تبيع الحلوى وعرائس المولد الشهيرة.

وتعدُّ حلوى المولد السّمة العامة للمولد النبوي في مصر، إذ تتفنن متاجر الحلوى في عرض أشكال وأنواع من حلوى المولد الشهيرة، فما بين أقراص الحمصيّة والسمسيّة وأنواع الملبن المختلفة بأسعارها المتوسطة، وما بين الفستقية والبندقية واللوزية الأعلى سعراً ينتقي المشترون ما يناسبهم ويتلاءم مع ميزانيتهم وسط بهجة، ينتظرونها كل عام.

 

وتطوّرت صناعة حلوى المولد بمرور الزمن، إذ بدأت بشكل يدوي بسيط حتى وصلت إلى المصانع الكبرى، ورغم ذلك ظلّت بعض الورش باقية، وتعمل بشكل يدوي وبصورة موسمية في فترة ما قبل المولد النبوي الشريف لعرضها في السرادقات والمحال البسيطة في الأماكن الشعبية بشكل خاص.

ويعدُّ شارع باب البحر الكائن بمنطقة وسط القاهرة هو معقل صناعة حلوى المولد في العاصمة، حيث يضم كثيراً من المصانع المهتمة بصناعة تلك الحلوى، إضافة إلى ورش متخصصة في صناعة العروسة الحلاوة التقليدية، وكثير من المتاجر والسرادقات الخاصة ببيع الحلوى التي تتزين بالأنوار والزينات في مثل هذا الوقت من كل عام.

يقول السيد العربي، صاحب أحد مصانع حلوى المولد بالقاهرة، "أعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة بالوراثة أباً عن جد، وشارع باب البحر كان منذ زمن بعيد هو الشارع الواصل بين محطة مصر (محطة القطارات الرئيسة بالقاهرة) في منطقة رمسيس ومنطقة مسجد الحسين الشهيرة، وفي أيام الموالد مثل المولد النبوي الشريف أو مولد سيدنا الحسين يتوافد الناس إلى القاهرة للاحتفال".

عادة مصرية أصيلة
ويضيف، في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "المحتفلون كانوا يمرون بشارع باب البحر ومنطقة النحاسين وشارع المعز لدين الله الفاطمي كي يصلوا إلى مسجد الحسين، وفي طريق ذهابهم وإيابهم يشترون الحمص والحلاوة التي تشتهر بها منطقة باب البحر منذ مئات السنين".

وتابع العربي، "فترة ما قبل المولد النبوي هي موسم العمل، إذ تكثّف المصانع من عملها لإنتاج الحلوى بأشكالها المختلفة، إضافة إلى العرائس التقليدية. وحالياً نجهز للعمل قبل موسم المولد النبوي بنحو أسبوعين، بينما في السابق كنا نبدأ العمل قبل المولد بما يقرب من شهرين، لأن كثافة الطلب على الشراء اختلفت عن السابق، لكنها لا تزال باقية ومستمرة، لأنها عادة مصرية أصيلة، يحرص عليها المصريون منذ مئات السنين".

 

السمسمية والحمصية والفولية والملبن هي حلويات المولد الأشهر، والآن توجد أصناف مُستحدثة، عن هذا الأمر يقول العربي، "صناعة حلوى المولد تطوّرت كثيراً عن السابق، حالياً تُصنع بشكل مميكن، وباشتراطات صحية وتغليف معين، ويدوّن عليها تاريخ الإنتاج، وبالطبع اختلف هذا عن الزمن الماضي، حينما كانت تُصنع بشكل يدوي تماماً، وكانت تحتاج إلى وقت ومجهود كبيرين جداً".

ويضيف، "في الوقت الحالي نجد أنواعاً أخرى من المكسرات، مثل البندق والفستق والكاجو، وتوجد ابتكارات حديثة من الحلوى يضاف إليها قمر الدين والمشمش المجفف والكريز والقراصيا، لكنها تبعد عن المفهوم التقليدي المتعارف عليه عند المصريين لحلاوة المولد، والمصانع تتفنن كل عام لجذب المستهلك بشيء جديد، لكن أساس الصناعة واحد، ويتم التطوير عليه بالأفكار الجديدة".

صناعة حلوى المولد
عروسة المولد أو العروسة الحلاوة إحدى مفردات التراث الشعبي المصري، وتعاقبت عليها الأجيال وباختلاف طبيعة العصر طور المصريون فيها، وعن مراحل صناعتها والاختلاف الذي طرأ عليها ومنافسة نظيرتها البلاستيك، يقول العربي، "مراحل صناعة العروسة هي أن يُسخّن السكر ليصل إلى مرحلة الغليان حتى يمكن تشكيله، فالسكر بالأساس مادة صلبة، ويتحوّل إلى سائل بالغليان، ثم يصب في القوالب الخشبية المخصصة لذلك، التي تأخذ شكل العروسة والحصان".

ويضيف، "ثم تترك مدة بسيطة حتى تجفّ، ويفك القالب لتخرج العروسة أو الحصان في الشكل النهائي وتدخل المرحلة الأخيرة، وهي التزيين بالأوراق الملونة، لتكون العروسة جاهزة للبيع. والعروسة البلاستيك انتشرت في السنوات الأخيرة ونافست فترة، لكن العروسة الحلاوة تحمل روح المولد، وهي مستمرة لما يقرب من الألف عام".

 

وتابع، "صناعة عروسة المولد بهذا الشكل لم يدخل عليها أي تطور منذ ظهورها، فالصنعة واحدة، وتتم بالشكل اليدوي نفسه بالكامل، من تسخين السكر لمراحل الصب والتفريغ والتزيين، وأعتقد أنه لا يجب السعي من الأساس لتطويرها، لأنها ستفقد قيمتها كحرفة تراثية تنفرد بها مصر".

واستكمل العربي، "صناعة الحلوى تشكل جزءاً من التاريخ والثقافة والفلكلور المصري، والتطور الوحيد الذي حدث على مدار السنوات هو اختلاف خامات الأوراق الملونة التي تُزيّن العروسة والحصان، مثل ورق الكوريشه وأوراق السلوفان اللامعة، أو اختلاف شكل علم مصر الذي يوضع على الحصان باختلاف الحقبة التي كان يصنع فيها".

واختتم، "لم يبق في القاهرة إلا عددٌ محدودٌ من المصانع تصنع العروسة الحلاوة، إلا أنه لا يزال توجد في وجه بحري وبالصعيد مصانع بصورة أكبر من ذلك، لأن الطلب على العروسة بشكلها التراثي أكبر في تلك الأماكن عن القاهرة".

أصل عروسة المولد
تعددت الروايات عن أصل عروسة المولد وبداية ظهورها، ولا توجد رواية قاطعة تجزم بالأمر، إلا أن المتفق عليه هو أنها تعود إلى العصر الفاطمي، فقيل إن الخليفة الفاطمي كان يخرج في موكب يوم المولد النبوي الشريف، وكان ديوان الحلوى التابع للخليفة يصنع كميات كبيرة من الحلوى، وتوزّع على الناس والجنود، وابتدعوا وقتها صناعة قوالب من الحلوى على شكل العروسة والحصان لتوزيعها على الأطفال، إضافة إلى إقامة الولائم في يوم المولد النبوي والأيام التي تسبقه.

 

 

وتوجد رواية أخرى تقول إن ﻋﺮﻭﺳﺔ ﺍﻟمولد بدأ ظهورها ﺧﻼﻝ الفترة التي حكم فيها الحاكم بأمر الله مصر، إذ خرج في موكب يوم المولد النبوي الشريف بصحبة زوجته التي كانت ترتدي ثوباً أبيض، ومن بعدها قام صناع الحلوى بعمل قالب للحلوى على شكل الحاكم وزوجته اللذين رُمِزَ إليهما بعروس المولد والفارس على الحصان، وظلت هذه العادة حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بينما تشير رواية ثالثة إلى أن الحكّام الفاطميين كانوا يشجعون الناس على عقد الزواج بالتواكب مع المولد النبوي، فكانت الأفراح تنتشر في هذه الفترة، ويصاحبها تعليق الزينات، وابتدع الناس وقتها الحلوى على شكل العروسة المزينة بالأوراق المبهجة المزركشة، والعريس على الجواد، وكانت العروسة الحلاوة في هذا الوقت هدية يقدّمها أهل العريس إلى عروس ابنهم، وهي عادة لا تزال باقية عند قطاعٍ كبيرٍ من المصريين حتى الآن، ففي كثير من الأماكن لا يزال العريس يقدم لعروسه في المولد النبوي عروسة المولد الشهيرة كتقليد وتراث اشتهر به المصريون.