الجزائر... صفقة سياسية شعارها "الانتخابات الرئاسية مهما كان الثمن"

قرارات حكومة تصريف الأعمال مرحب بها وفي الوقت ذاته يُنظر إليها كأفخاخ

بينما يطلق المرشحون الخمسة للانتخابات الرئاسية الجزائرية المقررة في 12 من الشهر المقبل، وعوداً باتخاذ إجراءات يبدو معظمها مناقضاً لقرارات ما فتئت تتخذها حكومة تصريف الأعمال التي يقودها نور الدين بدوي منذ سبعة أشهر، تواصل الأخيرة إقرار إجراءات سياسية واجتماعية ذات تكلفة مالية كبيرة، سيكون على الرئيس المنتخب إمّا تحمل نتائجها على الخزينة العمومية أو إلغاءها وتحمّل ردود الفعل الشعبية.

بقدر ما تشكل القرارات التي تعلنها حكومة تصريف الأعمال مبعث ترحيب من جانب فئات عمالية وشبابية واسعة، بقدر ما يُنظر إليها كأفخاخ في طريق أحد المرشحين الخمسة لمنصب رئيس الجمهورية. فمعظم ما اتخذه بدوي في الأشهر الماضية، ينطلق من ميزانيات إضافية على حساب الخزينة العامة، في وقت ترفع الجزائر شعار "ترشيد النفقات".

مئات آلاف فرص العمل

وفي إعلان مفاجئ مساء الأربعاء 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، قرر بدوي تسوية وضعية أصحاب عقود ما قبل التشغيل، وهذا وفق مخطط عمل تدريجي، ستتم المصادقة عليه في غضون 15 يوماً، ويشمل القرار تسوية وضع نحو مليون ومئة ألف من أصحاب هذه العقود التي توصف بـ"نصف عقود عمل"، إذ  يتقاضى أصحابها أجوراً زهيدة منذ نحو 15 سنة بدوام العقود الكاملة.

وقال الوزير الأول إن الحكومة قررت التكفل بوضعية فئة حاملي الشهادات المعنيين بعقود ما قبل التشغيل الذين "اكتسبوا خبرة مهنية وكفاءات عالية وأسهموا في ضمان تأطير المرافق العمومية وعصرنتها، لكنهم يعيشون في ظل ظروف مهنية لا تتماشى مع هذه المؤهلات، لمدة وصلت إلى عشر سنوات للبعض منهم، وخمس عشرة سنة بالنسبة إلى البعض الآخر".

وإن كان القرار مطلباً شعبياً ملحاً منذ إطلاق هذه الصيغة في فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، فإن تجسيده بحسب إعلان الحكومة نفسها سيتطلب أشهراً طويلة، بمعنى أن تعقيدات جرد أصحاب تلك العقود، سيكون على عاتق حكومة الرئيس المقبل و"أكبر قنبلة" في طريقه. فالحكومة الجديدة مطالَبة بتوفير مليون ومئة ألف فرصة عمل بالتنسيق مع هيئة الوظيفة العمومية التي لا تنفك تعلن أن ليس بالإمكان توفير أكثر من آلاف وظيفة عمل. وستترك حكومة بدوي للرئيس المقبل التفصيل في أولويات التوظيف لهذه الفئة "وفق الشهادة والأقدمية في العمل".

ضعف الحكومة

تقول النائب بسمة عزوار عن "جبهة المستقبل" التي رشحت رئيسها عبد العزيز بلعيد للانتخابات الرئاسية المقبلة، "هناك مئات الآلاف اشتغلوا عشر سنوات أو أكثر بصيغة عقود ما قبل التشغيل مقابل أجر أقل من الحد الأدنى للأجر الوطني المضمون". وتتابع "أول ملف يجب أن يُعرض للتسوية هو هذا، لكن يجب أن تكون العملية ما بعد الانتخابات".

ويتساءل كثيرون من المراقبين عن دواعي اتخاذ حكومة بدوي قرارات قد يحتاج بعضها في الأوضاع العادية، ربما إلى تعديل دستوري أو استشارة برلمانية أو حتى استفتاء شعبي، والجواب أن مقابل ضعف الحكومة الحالية والطعن العام في شرعيتها، كان لزاماً على السلطة القائمة التعامل مع جميع المطالب الفئوية التي برزت فجأة، كل ذلك لقاء نزع ألغام الجبهة الاجتماعية قبل تاريخ الانتخابات في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

فالحكومة أقرت زيادات في أجور عمال البنوك العمومية مقابل وقف إضرابهم الذي كان مقرراً أن يبدأ الأحد العاشر من تشرين الثاني، وأقرت زيادات مالية على أجور القضاة المضربين وبأثر رجعي من الشهر الأول من العام الحالي، كما سبق وضاعفت منح ذوي الاحتياجات الخاصة، ورفعت الإعانات المالية المخصصة لأولياء تلاميذ المدارس. أما سياسياً، فأقرت قانون محروقات جديد وتعديلات عميقة في صلاحيات الضابطة القضائية، لا سيما الاستخبارات في علاقتها بمحاربة الفساد.

ويرى بدر الدين كيلبي، رئيس الهيئة الوطنية للنشطاء السياسيين الأحرار، أن "حكومة بدوي تواصل شراء السلم الاجتماعي منذ بداياتها. وتوجهها هذا أصبح أكثر وضوحاً منذ قرار منح قروض مصغرة من دون فوائد ضمن حزمة من  القرارت الشعبوية على غرار عودة استيراد السيارات الأقل من 3 سنوات".

التزام الرئيس المقبل

سباق الانتخابات المقبلة ليس مجرد برامج في نظر المتسابقين الخمسة، فالرهان على إجراء الانتخابات، عامل يجمع ما بين حكومة تصريف الأعمال والرئيس المقبل، لذلك ستكون قرارات بدوي ملزمة لمن يتولى الحكومة المقبلة تلقائياً، فضمان مليون صوت انتخابي يدلي برأيه في الانتخابات من أصحاب عقود ما قبل التشغيل، سيقلب معادلة الصناديق رأساً على عقب، فليس المطلوب اختيار أحد الفرسان المتسابقين بقدر ما هو الإدلاء بالصوت في الصندوق ولو بورقة بيضاء.

ويطلق المرشحون الخمسة، عبد المجيد تبون وعلي بن فليس وعز الدين ميهوبي وعبد القادر بن قرينة وعبد العزيز بلعيد، وعوداً بوضع حدٍّ لـ"السياسات الشعبوية" وإلغاء مظاهر "الرشى مقابل السلم الاجتماعي"، لكن سيكون عليهم تحمل هذه التركة ما دام الهدف مشتركاً بينهم وحكومة الفترة الانتقالية، أي إجراء الرئاسيات في موعدها مهما كان ثمن الوعود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتقد أحمد شريفي، رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، أن "الطابع السياسي واضح وراء القرارات الواردة من الحكومة، فقانون المالية الجديد سياسي بالدرجة الأولى، وذلك على علاقة بحسابات الحكومة القائمة". ويتابع "هناك تخبط واضح في رسم بعض القرارات المالية وتسويتها كانت سياسية بامتياز. والآن قد نشهد قرارات سياسية أخرى، حينما تعتمد الحكومة آليات محددة لكيفية استيراد السيارات المستعملة. فالبنوك لا تمنح العملة الصعبة وعلى الراغبين جلبها من السوق السوداء، ولاحقاً تطلب البنوك من هؤلاء تبرير مصدر تلك الأموال".

على النقيض، يدافع النائب نزيه بن رمضان عن هذه الخيارات الحكومية، لأنه يرى فيها "تسوية لظلم لحِق بفئات واسعة من الجزائريين لسنوات طويلة، وبالتالي ليس مهماً من يقود التسوية أو تاريخها بقدر ما يهم إعادة الكرامة لملايين من الشباب المتخرجين من الجامعات".

هل هو آخر أسبوع؟

على الرغم من أن حكومة بدوي خارج لعبة الانتخابات بعد تنصيب السلطة الوطنية للانتخابات واستفادتها من جميع صلاحيات وزارة الداخلية في تنظيم العملية الانتخابية، فإن عمر الحكومة الحالية قد يتوقف بعد أسبوع من الآن مع الإبقاء على تشكيل حكومي مصغر من بضعة وزراء، انطلاقاً من تاريخ 17 من الشهر الحالي، موعد انطلاق الحملة الانتخابية التي تستمر 21 يوماً، وصولاً إلى فترة الصمت الانتخابي 72 ساعة قبل الانتخابات في 12 ديسمبر (كانون الأول).

المزيد من العالم العربي