"جبل أحد" عرين المتظاهرين العراقيين

في نفق التحرير نجح الشباب في إعادة الحياة إليه بعدما فشلت الدولة قرابة 16 عاماً

"جبل أُحد" كما يحلو للثوار تسميته هو مبنى "المطعم التركي" الذي تعرض للقصف في العام 2003، وبقي هيكله شاخصاً وسط العاصمة لأحداث شاهدناها وعشناها أثناء الاحتلال الأميركي.

الهيكل المظلم تغيرت معالمه مع انطلاق تظاهرات 25 أكتوبر (تشرين الأول). ويكفي بك أن تقف في أي جانب من ساحة التحرير حتى تشاهد المبنى وقد أضيئت أنواره وتغيرت جدرانه المتهالكة لتغطى بصور الشهداء وشعارات متنوعة: "كل السلطة للجماهير" و"اكو (يوجد) أحزاب اكو مظاهرات ماكو أحزاب ماكو مظاهرات" شعارات أخرى تطالب الأمم المتحدة بالتدخل "نطالب بالتدخل السريع والفوري للأمم المتحدة" ومناشدات أخرى للكشف عن مصير المختطفين من المتظاهرين.

ونحن نصعد إلى "جبل أحد" أوقفتنا مفرزة للتفتيش لتؤكد لنا أن التفتيش هو لكشف المندسين الذين يحملون معهم أدوات جارحة أو أجهزة اتصال.

 

من دون أسماء

لم يوافق المنتفضون في "جبل أحد"، على إعطاء أسمائهم أو أي تفاصيل عنهم، مخافة الاعتقال من قبل القوات الأمنية أو الخطف من قبل جهات غير معلومة، لاسيما بعد التزايد الواضح في أعداد المخطوفين منذ بدء التظاهرات.

أحد الذين شاركوا في معارك تحرير تكريت والموصل ضد تنظيم داعش الإرهابي يقول "نحن موجودون منذ يوم 25 أكتوبر في هذا المبنى، ونظمنا أنفسنا بالشكل الذي يجعلنا نشعر بالأمان، إذ لدينا فرقة لصد مسيل الدموع، وفرقة أطباء لمعالجة الجرحى، وفرقة لنقل الأطباء إلى المفارز الطبية الموجودة تحت "جسر الجمهورية"، وفرق أخرى للتنظيف والطبخ". ويتابع "الكل هنا يجمعهم هدف واحد هو إسقاط الحكومة. نرفض أن يصفونا بالمشاغبين لأن تظاهراتنا سلمية"، أما عن سبب وجود فرق التفتيش، فيؤكد أن فرق التفتيش هي لحماية من وصفهم "بالسياح" وهم الذين "يتوافدون إلى المكان للمشاهدة والمراقبة بعدما أصبح رمزاً لثورة تشرين"، وكشف أنهم تمكنوا من العثور على أشخاص مندسين يحملون معهم سكاكين وأجهزة اتصال.

وعن فترات السماح "للسياح" كما وصفهم، بزيارة "جبل أحد" قال لنا لا يسمح لأي عائلة بالصعود بعد الساعة الخامسة عصراً، حماية لهم من أي قنابل صوتية أو مسيلة للدموع تطلقها قوات مكافحة الشغب.

تحدثنا مع طالبة جامعية متطوعة في أعمال تنظيف هذا المبنى فأوضحت لنا أنها تشعر بواجب من خلال مساندة "شباب الثورة" في أعمال تنظيف المطعم، وصبغ الجدران والطبابة فهي تبقى من الساعة 8 صباحاً ولغاية الظهر.

 

 

نفق التحرير

تركنا "المطعم التركي" إلى مكان آخر صار قبلة لأهل بغداد مجدداً، بعدما فشلت الحكومات المتعاقبة منذ 2003 من أعادة الحياة إليه، ألا وهو نفق ساحة التحرير. علي ظافر (24 سنة) المنهمك أيضاً بتنظيف النفق يقول "رسالتنا واضحة لسنا مخربين إننا نرغب في تقديم الصورة الحقيقية لثورتنا وهي الإعمار".

مبادرات الشباب بتنظيف وتجميل جدران النفق وجدت صداها عند الكثيرين. أبو عقيل (60 سنة) برأيه أن الشباب أثبتوا "أنهم منظمون وأصحاب إرادة، فقد عجزت الحكومة عن تنظيف نفق ساحة التحرير وزرع أي شجرة، إلى أن أتى شباب الثورة ليعيدوا لنا الأمل مجدداً"، أبو عقيل يشبِّه هذه الثورة بـ"ثورة العشرين" (اندلعت في عشرينيات القرن الماضي ضد الإنجليز) قائلاً "إن العراق محتل من قبل الأحزاب السياسية التي همها الوحيد تقاسم المناصب والموارد"، مؤكداً الإصرار على البقاء في هذا المكان "وفاء لدماء الشهداء وحتى لاتخيب آمالنا بمستقبل جديد للعراق".

لم تقتصر أعمال أعادة الحياة إلى النفق على التنظيف بل شملت أيضاً تزيين جدرانه بلوحات متنوعة. قالت لنا إمامة رضا (طالبة جامعية) "دعَونا كل من يملك موهبة الرسم إلى هنا لتزيين جدران النفق".

أعمال تزيين الجدران بالرسوم لم تقتصر على "نفق التحرير" بل امتدت أيضاً إلى الجدران الخارجية للنفق. فاطمة حسام (طالبة جامعية) تقول وبحماسة لافتة "خلال يوم واحد تمكّنا من جمع 75 شخصاً ممن يجيدون الرسم لتأكيد سلمية التظاهرات ولنعكس ثقافتنا وحضارتنا واضعين شعار "عذراً دميتي وطني أهم".

الآمال وضعت أيضاً على جدار الأحلام، فالأوراق الصغيرة الملونة كتب عليها الوافدون إلى ساحة التحرير أحلامهم، رشا عاشور (35 سنة) كتبت "أريد وطناً خالياً من الأحزاب"، وهي تتمسك بالتفاؤل وتتوقع أن العراق "سينهض من جديد مع مغادرة هذه الأحزاب التي سرقت البلد وسرقت أحلامنا".

 

 

كسر الحواجز الطائفية

في المكان المخصص لراحة "الثوار" اتفق الجميع من شباب ساحة التحرير أن "هذه الثورة أنهت الطائفية التي جاءت بها الأحزاب السياسية" وأوضح أحمد محمد (طالب جامعي) "هذه أول تظاهرات تجمع كل أطياف الشعب العراقي"، ويتساءل أحمد محمد عن سبب قتل صديقه في هذه التظاهرات، وهو المقاتل ضد داعش والمصاب في معارك التحرير. ولم يكن يحمل في يده سوى العلم العراقي. ويؤكد أيضاً أن "هذه الحكومة انكشف عنها الغطاء وبانت وحشيتها، فقوات مكافحة الشغب تقوم بقتل المتظاهرين السلميين عن طريق توجيه القنابل الصوتية أو المسلية للدموع إلى مناطق الرأس بقصد القتل".

 

 

أما جاسم محمد من محافظة واسط (طالب جامعي) فبرأيه أن وجودهم في ساحة التحرير "كسر كل الحواجز الطائفية وعلى الرغم من تعرضنا للتهديد بشكل مستمر تبقى غايتنا استقالة الحكومة وإعادة السيادة إلى العراق فهدفنا استرجاع الوطن لتعود كرامتنا".