Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقتل البغدادي يعيد إلى الواجهة علاقة "الأصدقاء- الأعداء" بين "داعش" و"حزب الله"

"دعوة الحزب والنظام السوري إلى وقف النار والتفاوض أظهرت مدى قلقهما من أن يقف الجيش اللبناني متأهباً لهزيمة التنظيم من تلقاء نفسه"

رتل عسكري للجيش اللبناني في منطقة رأس بعلبك الحدودية في 21 أغسطس (آب) 2017 (أ. ف. ب.)

ما أن تأكد خبر مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم "داعش" حتى بدأت التحليلات والتوقعات حول ما إذا كان التنظيم المتشدد في طريقه إلى النهاية بعد موت الأخير، أو أنه سيتخطى هذه الضربة ويواصل أعماله الارهابية.

تقول مجلة "تايم" TIME الأميركية، في تحقيق نُشر بعد مقتل البغدادي في 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن "صفوف قيادة داعش أثبتت قدرتها على الصمود، على الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على الحرب. وظهر أن التنظيم سريع التكيف مع الظروف الجديدة، وأصبح بمقدور مسلحيه المشاة ليس فقط الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها، بل عادوا إلى جذورهم في حرب العصابات، ونفذوا كمائن وتفجيرات واغتيالات. وعلى الرغم من فقدان "دولته" في العراق وسوريا، وسّع داعش نطاقه ليشمل 14 فرعاً منفصلاً في بلدان عبر آسيا وأفريقيا". وتابع التقرير "ستقوم المجموعة كتنظيمها السابق، القاعدة في العراق، بالضغط وبشكل روتيني على قادة جدد لملء الفراغ الذي خلفه أولئك الذين اغتيلوا. وتحدث الاستبدالات بشكل منتظم لدرجة أن مجموعة العمليات الخاصة الأميركية أشارت مازحةً إلى أن إقصاء القادة كـ "قص العشب" بالنسبة إلى التنظيم"، تعبيراً عن سهولة استبعاد أو تغيير قادته.

ويتحدث في التقرير آكي بيريتز، محلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية لمكافحة الإرهاب، وهو مؤلف مشارك في كتاب، "أعثر، أصلح، أنهي" (Find, Fix, Finish) الذي يتناول حملات مكافحة الإرهاب التي قتلت أسامة بن لادن ودمرت تنظيم القاعدة. ويقول بيريتز "كما رأينا خلال السنوات القليلة الماضية، فإن المجموعة لديها أيضاً استراتيجية لتنفيذ العمليات في العقد التالي، من الجيد إخراج القائد، لكنها ليست مجرد جماعة إرهابية، إنها أيديولوجية أيضاً. إن القضاء على فكرة داعش سيكون أكثر صعوبة من عملية عسكرية/ استخباراتية ناجحة".  


في لبنان

أما على الصعيد المحلي اللبناني على وجه الخصوص، فكيف دخل "داعش" إلى المشهد؟
لم يكن مشهداً عادياً رؤية عناصر من حزب الله يرافقون عناصر من "داعش" لإيصالهم الى الحدود السورية، سالمين في منتصف أغسطس (آب) 2017، في حافلات مكيفة (40 حافلة)، إضافة إلى 14 سيارة للصليب الأحمر برفقة أسرهم في اتجاه بلدة فليطا السورية، ومنها إلى الرحيبة في القلمون الشرقي، وهذه المرة بحماية الجيش السوري. 

تمت هذه العملية حينها بناءً لاتفاق بين "حزب الله" و"داعش"، قضى بانتقال عناصر التنظيم من مناطق الحدود السورية - اللبنانية، إلى مناطق الحدود العراقية - السورية، مقابل تسلّم "حزب الله" أسيراً وجثث عدد من عناصره، إضافة إلى معلومات تكشف عن مصير عسكريين لبنانيين خطفهم التنظيم عام 2014. وخلال انتقال الحافلات ناشد "حزب الله" اللبناني، المجتمع الدولي بالتدخل لمنع الولايات المتحدة من الإقدام على قصف القوافل التي تحمل المسلحين وعائلاتهم خلال تنقلهم على الأراضي السورية، وذلك في بيان للحزب أشار فيه إلى أنه "حتى الساعة، تمنع الطائرات الأميركية الباصات التي تنقل مسلحي داعش وعائلاتهم والتي غادرت منطقة سلطة الدولة (النظام) السورية (قرب الحدود اللبنانية) من التحرك (نحو مناطق سورية قرب الحدود العراقية) وتحاصرها وسط الصحراء". وأضاف البيان أنه "في حال تعرضت هذه الباصات إلى القصف، ما سيؤدي قطعاً إلى قتل المدنيين فيها من نساء وأطفال وكبار السن، أو تعرضهم إلى الموت المحتم نتيجة الحصار المفروض عليهم ومنع وصول المساعدة إليهم، فإن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الأميركيين وحدهم".

أطلّ بعد ذلك الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وقال "تفاوضنا مع داعش... ذهبنا إلى القيادة السورية وقلنا إننا نريد إنهاء الخطر على الحدود، ولم يكن يعني شيء للقيادة السورية أن يقتل داعش في القلمون الغربي أو أن ينتقلوا، بل كان يحرج القيادة السورية لأنه أول مرة يحصل (تفاوض) مع داعش، إلاّ أنّنا نحن طلبنا لأن لدينا قضية وطنية إنسانية ولا نستطيع كشف مصير الجنود، إلاّ من خلال هذا التفاوض". وكشف نصرالله عن أنه ذهب شخصياً إلى الرئيس بشار الأسد وطلب منه المساعدة بنقل "داعش" من القلمون، قائلاً له "كيف نفاوض. فقال لي إنه إذا أرادت الدولة اللبنانية التفاوض، عليها التواصل معنا".

واستفز ذلك كثيرين من الناس العاديين والمحللين والمراقبين، كما أثار غضباً خصوصاً في صفوف عائلات الجنود اللبنانيين الضحايا.

 اعتبارات عدّة اسفزت الرأي العام اللبناني، منها أن حزب الله أنقذ "داعش" من خسارة أكيدة، وسرق فرحة الانتصار الكامل من الجيش اللبناني الذي كان على قاب قوسين من تحقيقه في العملية التي أُطلق عليها اسم "فجر الجرود". لذلك، برز كلام كثير عن علاقة ما تربط التنظيم الإرهابي "داعش" بـ "حزب الله"، وهناك من قال إنه ظاهرياً تمّت الصفقة لمعرفة مصير العسكريين المخطوفين، أما في الحقيقة، كانت للمقايضة على جثة الجندي الإيراني محسن حججي.

وفي حديث لـ "اندبندنت عربية" مع أحد راصدي تحركات حزب الله، قال إنه "تكفي الإشارة إلى حديث للنائب محمد رعد الذي رفض الخضوع لمنطق المقايضة والمبادلة في ما يتعلق بملف العسكريين المخطوفين، ودعا عام 2014 إلى التوقف عن تحريض عائلات هؤلاء على التظاهر وقطع الطرق وتحميل الجيش المسؤولية". وأضاف المصدر أن "حزب الله هو أول من دان عملية التفاوض مع جبهة النصرة التي أدت نهاية عام 2015 إلى الإفراج عن 16 عسكرياً كانوا مخطوفين في جرود عرسال شرق لبنان على الحدود السورية".

وأشار المصدر إلى "طريقة المعاملة والثقة المتبادلة بين عناصر حزب الله وعناصر "داعش"، إذ ظهرت ثقة بينهما لا تولد في وقت قصير، فكيف يستطيع عناصر الحزب أن يثقوا بداعش، والعكس صحيح؟ وكيف يمكن لداعشي أن يركب حافلات حزب الله؟ الثقة هذه بين الطرفين، لا بد من أنها احتاجت إلى وقت طويل من التحضيرات، إنها علاقة الأصدقاء - الأعداء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


كل هذا يدفع إلى السؤال كيف أثّر وجود حزب الله في تعاظم قوة "داعش"؟

أتى ذلك في سياق متتابع منذ قيام الثورة السورية عام 2011 وما أعقبها، إذ نفى الحزب أكثر من مرة مشاركته في القتال، ومن ثم بدأ يعلن عن ذلك تدريجاً، فأشار أولاً إلى أن "مواطنين لبنانيين" هم مَن يشاركون في المعارك، ثم أكد مشاركة عناصره تحت عنوان "حماية القرى اللبنانية" الحدودية مع سوريا، وبعدها أطل نصرالله في عيد التحرير الثاني 31 أغسطس (أب) 2017، ليقول إن "مشاركة الحزب في الحرب السورية هو لحماية "المقامات المقدسة" لدى الشيعة، ثم جاء الإعلان الصريح عن المشاركة في معركة القصير في مايو (أيار) 2013. وقال نصر الله حينها: "إذا كان عندنا ألف مقاتل في سوريا، فسيصبحون ألفين. وإذا كانوا 5 آلاف، فسيصبحون 10 آلاف. وإذا احتاجت المعركة مع هؤلاء التكفيريين إلى ذهابي وكل حزب الله إلى سوريا، فسنفعل".

مصدر مراقب لتطور قوة تنظيم "داعش" في سوريا بالتوازي مع دخول حزب الله إلى هناك لدعم النظام، يقول لـ "اندبندنت عربية" إن "هناك أكثر من نظرية حول تعاون أو التقاء مصالح الحزب مع التنظيم، إضافة إلى ازدياد عديده وقوته بعد تدخل حزب الله في الحرب السورية، هناك مَن يقول، إن الحزب قد يكون حريصاً على داعش، لأنه ما زال بحاجة إلى عناصره، بخاصة في مناطق وجودهم، ما يعني أن هدف الحزب هو استغلالهم ضد القوى والفصائل المعارِضة الأخرى، ما قد يسهل عليه مهماته اللاحقة، والسيطرة على مناطق يسعى إليها من دون الدخول في معارك مباشرة".

وأضاف "نظرية أخرى تتحدث عن "المصالح المشتركة"، إذ إنّ "داعش" وحزب الله ناصبا الثورة السورية العداء، فكان هدف داعش القضاء على الفصائل المعارضة، وهذا من صالح حزب الله حتماً". وتابع المصدر أن "من أهم النظريات التي تحدثت عن التقاء مصالح الحزب والتنظيم، هي أنه كلما زاد التطرف عند السُنة، المتمثل هنا بالتنظيمات الإرهابية، (النصرة وداعش)، زاد الالتفاف حول الحزب في بيئته الحاضنة الشيعية لمواجهة الخطر الذي تشكله هذه التنظيمات، وهذا ما حصل بالفعل. ولهذه النظرية مفعول آخر، يتمثل في نسب التطرف الذي زاد عند الفريقين، ونستدل على ذلك، بالتفجيرات التي ضربت مناطق لبنانية ذات غالبية شيعية عامي 2012 و2013، واندلاع القتال في مدينة طرابلس، شمال لبنان، بين العلويين المؤيدين لنظام بشار الأسد في جبل محسن، ومتشددين سُنة داعمين للمعارضة السورية في منطقة باب التبانة. كذلك برز اسم الشيخ أحمد الأسير، فاندلعت معارك بين أنصاره والجيش اللبناني في منطقة صيدا الجنوبية".

وفي هذا الخصوص، كان الدكتور بول سالم، المدير السابق لـ"مركز كارنيغي للشرق الأوسط"، أصدر بحثاً في يوليو (تموز) 2014 بعنوان "هزيمة الجيش اللبناني للسلفيين مجرّد تأجيل للمواجهة"، أشار فيه إلى أن "الأسير برز إلى الواجهة في السنتَين الماضيتَين من خلال تحدّيه حزب الله ودعوته إلى الجهاد، دعماً لثوار سوريا في قتالهم ضدّ نظام الرئيس السوري بشار الأسد". واكتسب الأسير شعبيةً بفضل إفصاحه علناً عمّا كان كثيرون في الطائفة السنّية يفكّرون فيه سرّاً، وعمّا كان سياسيّون سُنّة تقليديون آخرون يتجنّبون التطرّق إليه. بيد أن شعبيّته، التي ضخّمها الإعلام المحلي، لم تُترجَم إلى مجموعة كبيرة منظَّمة من الأتباع".

وتابع سالم في مكان آخر، أنّ "الحادثة الأخيرة، وإن شكّلت هزيمةً للأسير ومجموعته، فهي عكست الاستياء الكبير المتزايد لدى الطائفة السنّية، وعجز الحركات السنّية التقليدية عن احتوائه، والصعود التدريجي للمجموعات السلفية المتطرّفة. ومع أن هذه المجموعات لا تزال أقليةً ضمن الطائفة، إلاّ أنّها تتمتّع بموطئ قدم مهمّ في كل المناطق السنّية الرئيسة في لبنان، بما فيها مدن طرابلس وبيروت وصيدا. وتتلقّى تلك المجموعات التمويل من شبكات متعاطفة معها في المنطقة، كما يساندها السوريون المتطرّفون وغيرهم ممَّن ينخرطون في القتال ضدّ نظام الأسد وحزب الله. وعُثِر في مجمّع الأسير على أعلام جبهة النصرة، وهي المجموعة الجهادية البارزة في سوريا والمرتبطة بالقاعدة، ناهيك عن أن عدداً كبيراً من المسلحين كانوا سوريين، وهم على الأرجح من اللاجئين في لبنان".

وكان موقع News Deeply للدراسات المتخصص في المجتمعات، نشر حواراً مع آرام نرغيزيان، كبير الباحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بتاريخ 28 أغسطس (آب) بعنوان “What Hezbollah’s Safe Transfer Deal with ISIS Means for Lebanon Syria”، ماذا تعني صفقة النقل الآمن بين حزب الله وداعش للبنان وسوريا؟

وجاء في الحوار "تولّى حزب الله زمام المبادرة في المفاوضات حول صفقة إخلاء داعش. في الوقت ذاته، كانت القوات المسلحة اللبنانية قريبة جداً من طرد الجماعة المسلحة من الحدود اللبنانية. هل وافقت القوات المسلحة اللبنانية على اتفاقية وقف النار، أم أنها جاءت لإنكار نصره؟".

يقول نيرغيزيان "تجنب حزب الله استخدام المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني، ومع ذلك، ومع ارتفاع عدد وحدات القوات المسلحة اللبنانية، أصبح القيام بذلك صعباً. التحدي الحقيقي أمام حزب الله هو رفضه أو قبوله بتقليص ما تبقّى من وجوده السري على طول الحدود اللبنانية مع سوريا التي ما زال يسهل اختراقها".

ويعتبر نيرغيزيان أن "حزب الله يسير على خط رفيع عندما يتعلق الأمر بالجيش اللبناني، إذ لا يمكنه أن يتحمل أن تكون القوات المسلحة اللبنانية قوةً كفوءة ومحترفة يمكنها الحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، ولا يريد الحزب أن تكون القوات المسلحة اللبنانية قادرة إلى درجة تعتقد بأنها جهة فاعلة في مجال الأمن القومي في لبنان، وتلغي دوره في الأمن القومي والثقة التي منحه إياها بعض اللبنانيين بعد روايته عن المقاومة. لقد أدى التنفيذ السريع والمهني الذي أنجزته القوات المسلحة اللبنانية للحملة ضد داعش، (من دون مساعدة من أحد)، وبالتأكيد من دون مساعدة السوريين أو حزب الله، إلى تحطيم الرواية في أذهان كثيرين من اللبنانيين بأن حزب الله هو ممثل الأمن القومي البارز في لبنان".

ويشير نيرغيزيان في مكان آخر من الحوار إلى أن "سوريا قبل حربها الأهلية، لم تكن لتقبل وجوداً عسكرياً لبنانياً قوياً على طول حدود يسهل اختراقها - وفي المناطق الرئيسة - بحدود متنازع عليها. في ما مضى، كانت القوات المسلحة اللبنانية، تنتشر في الشمال أو البقاع أو الهرمل لمهمات استكشافية، تذهب لفترة قصيرة وتعود إلى ثكناتها. أما اليوم، فلديها قواعد ومواقع متمركزة هناك بشكل دائم. وأصبح الجيش اللبناني سمة دائمة للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في تلك الأجزاء من لبنان، هذه الحقائق الجديدة قلبت معطيات من الغموض المرتبط بالحدود المشتركة بين لبنان وسوريا. كان لهذا وسيظل له تأثير في العلاقات مع سوريا، بعدما أصبحت القوات المسلحة اللبنانية موجودة وتعتزم البقاء بشكل دائم على طول الحدود اللبنانية السورية. يعني ذلك أن لبنان سينشر جيشه على شبه حدوده مع سوريا، وهذا ما لم يحدث منذ إعلان استقلال لبنان 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1943. لكن على مدى السنوات الخمس الماضية، أصبحت تدريجاً المناطق التي كانت محظورة على الجيش اللبناني، (لأنها مناطق تابعة للحكومة السورية و/أو أولوية حزب الله) مناطق مسيطر عليها من قبله".

ومع ذلك، فإن كل ما كان الجيش اللبناني بحاجة إليه لإنجاز حملته ضد "داعش":

*سحب عناصر داعش من الأراضي اللبنانية.

*تحديد مصير العسكريين الذين أسرهم داعش منذ عام 2014.

*وإنهاء الحملة من تلقاء نفسه بصفته الجهة الفاعلة الرئيسة في الأمن القومي الشرعي في لبنان.

وشكّل ذلك تحدياً لمقاومة حزب الله المزعومة والمتمثلة في الأمن القومي، احتاج عندها إلى اتفاق لوقف النار للتعجيل بسحب داعش من الحدود اللبنانية السورية ولتعزيز سمعته. إن دعوة حزب الله والنظام السوري إلى وقف النار والمفاوضات الخاصة بهما، أظهرت مدى قلقهما من أن يقف الجيش اللبناني متأهباً لهزيمة داعش من تلقاء نفسه".

المزيد من العالم العربي