لبنان... المستشفيات تحذر والمصارف تقفل والبنك الدولي يمهل أسبوعا

هذه العوامل لم تكن وليدة انتفاضة 17 أكتوبر أو نتيجة لها وكانت ملامحها بدأت قبل أشهر

مع استمرار تعثر تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة للبدء بمسار تأليف الحكومة اللبنانية، بعد حوالى عشرة أيام على استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، و22 يوماً على اندلاع الانتفاضة الشعبية في وجه السلطة، بدأت الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية تتفاقم، ملقيةً بثقلها على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية في البلاد، في ظل تراجع مقلق للنشاط الاقتصادي، وقيود مصرفية تكبّل التعاملات المالية والمصرفية. كل ذلك وسط مناخ من انعدام الثقة والغموض السلبي المحيط بالآفاق العامة المستقبلية.

 

شح في السيولة

فالسوق المالية لا تزال تخضع لمعادلة السوقين الرسمي والموازي، إذ يختلف سعر الدولار الأميركي المعمول به في السوق عن السعر الرسمي المحدد من المصرف المركزي، الذي بات وهمياً في ظل امتناع المصارف عن التعامل به، إلاّ ضمن هوامش محدودة وضيقة جداً. أما العمليات التجارية، فباتت مهددة بالتوقف كما التبادلات، بعدما أوقف المصرف المركزي كل التسهيلات المصرفية، ما يهدد بدفع باتجاه مزيد من الشلل، معطوفة على شح في السيولة بالعملتين الليرة والدولار.

وقد جاءت الإجراءات المصرفية لتثير موجة من الذعر في أوساط المتعاملين، في ظل انعدام الأفق السياسي القادر على إعادة وضع الأمور في نصابها.

ومن المهم التذكير بأن هذه العوامل لم تكن وليدة انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) أو نتيجة لها، أو حتى نتيجة استقالة الحكومة، بل كانت بدأت ملامحها ومؤشراتها قبل أشهر، منذ توقف القروض المصرفية وظهور ملامح أزمة محروقات وقمح ونقص بالدولار. وتعمّقت أكثر بعد الانتفاضة نتيجة حال الخوف السائدة، يضاف إليها الشلل الذي أصاب القطاعات والمؤسسات التي بدأت تحذّر من عمليات صرف جماعية، تمهيداً لإعلان التوقف عن العمل.

 

صرخة استغاثة

وفي حين عُلم أن جمعية الصناعيين اللبنانيين تُعدُّ لإطلاق صرخة استغاثة لإنقاذ القطاع الصناعي من الانهيار، خصوصاً في ظل تراجع استيراد المواد الأولية لزوم الصناعات المحلية، وتراجع الاستهلاك، قررت جمعية المصارف الإقفال يومي السبت 9 نوفمبر (تشرين  الثاني) والاثنين 11 نوفمبر، مبررةً ذلك بمناسبة  المولد النبوي الشريف، بينما تسرّبت معلومات تتخوف من أن تتجه نقابة موظفي المصارف إلى إعلان الإضراب، اعتباراً من يوم الثلاثاء، بسبب الأخطار التي تتهدد موظفي القطاع بفعل الاضطرابات الحاصلة بين المتعاملين والموظفين في الفروع المصرفية، ما يعني أن المصارف تحاول كسب بعض الوقت من خلال إقفال أبوابها أمام الزبائن لاحتواء حال الخوف، في انتظار أن تتبلور ملامح تشكيل الحكومة العتيدة. وهذا من شأنه أن يخفّف الضغط على السحوبات والتحويلات.

 

محطات المحروقات

على مقلب آخر، توجهت نقابتا أصحاب المحطات وأصحاب الصهاريج في لبنان وموزعو المحروقات، في بيان، إلى الرأي العام اللبناني لشرح الحقيقة كما هي وتبيان بأن مشكلة المحروقات لم تُحلّ عن قصد أو غير قصد، جاء فيه "بعد معاناة لأشهر عدّة، وبعد اجتماعات واتصالات مع المسؤولين كافة، وآخرها اجتماع مع وزيرة الطاقة والمياه بصفتها وزيرة الوصاية على القطاع، مشكلة المحروقات لم تُحلّ عن قصد أو غير قصد، لأن المؤتمنين على حلها، مصرف لبنان ووزارة الطاقة والمياه، لم يأتوا بحل كامل، بل بأنصاف حلول ورمي تقاعسهم في الحل على أصحاب المحطات والموزعين وأصحاب الصهاريج".

وقال البيان "وعوض أن ينفذ مصرف لبنان ما التزم به الحريري تجاه القطاع، في حضور ثمانية وزراء معنيين، بتأمين نسبة 100 في المئة من ثمن المحروقات بالليرة اللبنانية، فقد أمّن 85 في المئة فقط. وأكثر من ذلك، فرض مصرف لبنان عمولة خمسة بالألف إضافية، وطلب تجميد الأموال لمدة 30 يوماً في حسابه، ما أدى إلى كلفة إضافية لا تُحتمل. وبذلك، فقد حلّ نصف المشكلة ما دفعنا إلى الطلب من الوزارة حلّ نصف المشكلة المتبقي، وفوجئنا برفضها للحل أثناء اجتماعنا معها يوم أمس. وأكثر من ذلك، بادرت إلى إصدار بيانات شعبوية لإظهار أن المشكلة هي لدى القطاع النفطي ولا علاقة لها بها، بدلاً من أن تسهم في نصف الحل أو تطلب من مصرف لبنان تأمين صرف 100 في المئة من ثمن البضاعة من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي، وإلغاء العمولة التي يفرضها المصرف، وعدم تجميد ثمن البضاعة 30 يوماً.

 

المستشفيات بلغت الخط الأحمر

في الموازاة، حذّر نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون من أن "المستشفيات غير قادرة على تسديد مستحقات مستوردي الأدوية والمستلزمات الطبية، وهؤلاء بدورهم أصبحوا غير قادرين على استيراد هذه المواد بسبب نقص السيولة، من جراء تأخر المؤسسات الضامنة في تسديد المستحقات المتوجبة منذ سنة 2011، والتي تجاوزت قيمتها الـ 2000 مليار ل.ل. وهي في ازدياد بشكل يومي".

وخلال مؤتمر صحافي عقده مع كل من نقيب الأطباء في بيروت شرف أبو شرف ونقيب الأطباء في الشمال سليم أبي صالح وسلمى عاصي، ممثلةً تجار ومستوردي المعدات والمستلزمات الطبية في مركز نقابة المستشفيات، شرح واقع القطاع الصحي والاستشفائي المتأزم، بعد بلوغه الخط الأحمر. وقال هارون "لن يعود بمقدور المستشفيات تقديم العلاجات للمرضى، فالمخزون الحالي يكفي لمدة لا تتجاوز الشهر الواحد، علماً أن عملية الاستيراد من الخارج تتطلب بين شهرين وثلاثة أشهر. نحن مقبلون على كارثة صحية كبيرة، إذا لم يجرِ تدارك الوضع فوراً. وقد نجد المرضى يموتون في المستشفيات بسبب النقص في الفلاتر المستخدمة لغسل الكلى مثلاً أو "الرسورات" لتوسيع شرايين القلب أو أدوية البنج.

 

البنك الدولي

وأمام المشهد الاقتصادي والمالي المتردي، دخل البنك الدولي على خط الأزمة للمرة الثانية خلال أسبوع، إذ وبعد التحذير الذي وجهه مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك ساروج كومار جاه، غداة لقائه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، حض المسؤول الإقليمي في البنك أمس المسؤولين اللبنانين على تأليف حكومة جديدة خلال أسبوع، من أجل تجنب المزيد من التدهور وتراجع الثقة بالاقتصاد اللبناني.

المزيد من اقتصاد