أكبر بنوك لبنان تحت مقصلة خفض التصنيفات الائتمانية... إلى أين تتجه الأزمة؟

مخاوف من تخلّف الحكومة عن سداد الديون الخارجية... والبنك الدولي يحذّر من التدهور

مقر مصرف لبنان المركزي في بيروت (رويترز)

لم يمر سوى يومين على خفض التصنيف السيادي للجمهورية اللبنانية من قِبل وكالة "موديز" لخدمات المستثمرين، لتعلن أمس الخميس خفض التصنيف الائتماني لأكبر ثلاثة بنوك في لبنان من حيث الأصول إلى مستويات أعلى للمخاطر.

ويعكس خفض تصنيف وكالة "موديز" للبنوك الثلاثة الأكبر في لبنان ضعف الجدارة الائتمانية للحكومة اللبنانية، في الوقت الذي تعاني فيه الدولة اضطرابات سياسية مؤخراً.

وقالت الوكالة، في تقرير حديث، إنها خفَّضت تصنيف الودائع بالعملة المحلية لدى بنوك عوده وبلوم وبيبلوس إلى من "سي إي إي 1" إلى "سي إي إي 2".

وخفضت أيضاً تصنيف الودائع بالعملة الأجنبية إلى مستوى "سي إي إي 3" من مستوى "سي إي إي 1"، وذلك في إشارة إلى محدودية الدعم السيادي لمثل تلك الودائع.

وتبقى تصنيفات البنوك اللبنانية قيد المراجعة لمزيد من الخفض، حسب "موديز" التي أعلنت أن ضعف الجدارة الائتمانية للحكومة اللبنانية ينعكس بشكل مباشر على الجدارة الائتمانية للبنوك الثلاثة، نظراً لانكشافها الكبير على الدين السيادي اللبناني، وهو المصدر الرئيس للمخاطر التي تتهددها.

وأضافت "يعكس أيضاً محدودية تمويل منتظم وأوضاع السيولة في ضوء تنامي الضبابية السياسية وتدهور في البيئة التشغيلية للبنوك".

وأسفرت الاحتجاجات التي اندلعت في لبنان منذ أسابيع عن استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وتعطّل فرص الإصلاحات في ميزانية 2020، والمزيد من السحب من احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي المستنزفة بالفعل.

هل تتخلّف الحكومة عن سداد الديون؟
ومنتصف الأسبوع الماضي، خفَّضت "موديز" تصنيفها للبنان إلى "سي إي إي 2"، متعللة بتنامي احتمالات إعادة جدولة دين ستصنفها على أنها تخلف عن السداد، في أعقاب احتجاجات أطاحت الحكومة، وهزَّت ثقة المستثمرين.

وقالت الوكالة، إن تصنيف لبنان الائتماني الذي تقرر خفضه من "سي إي إي 1" سيبقى قيد المراجعة لمزيد من الخفض، وتصنف موديز تصنيفات "سي إي إي" على أنها عالية المخاطر للغاية.

وأشارت الوكالة، في تقريرها، إلى أنه في ظل غياب تغيير سريع وكبير للسياسة، فإن تدهوراً سريعاً لميزان المدفوعات ونزوح الودائع سيهبطان بنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى الصفر أو أقل، ما سيؤجج مزيداً من الاستياء الاجتماعي، ويقوّض القدرة على خدمة الدين، ويهدد بشكل متزايد جدوى ربط العملة.

وفي علامة على تنامي الضغوط المالية، ارتفعت تكلفة التأمين على الدين اللبناني ملامسة مستويات قياسية في الأسابيع الأخيرة، وزادت عائدات السندات الدولية إلى مستويات قياسية أيضاً.

وقالت "موديز"، إنها تتوقع أن احتياطي النقد الأجنبي القابل للاستخدام لدى البنك المركزي البالغ نحو خمسة إلى عشرة مليارات دولار، "سيُستهلك على الأرجح" في المدفوعات المقبلة لخدمة الدين الخارجي للحكومة، التي تقدر بنحو 6.5 مليار دولار هذا العام والعام المقبل، بما في ذلك 1.5 مليار دولار تستحق في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

وأوضحت الوكالة، أن التصنيف والمراجعة لمزيد من الخفض يرجعان إلى تنامي احتمال إعادة جدولة للدين أو ممارسة أخرى في إدارة الالتزامات ذات أثر سلبي على التصنيف الائتماني ربما تفضي إلى خسائر كبيرة، يتكبّدها حملة أدوات الدين الحكومي من القطاع الخاص.

وأضافت، أن ذلك سيعد تخلفاً عن السداد بموجب تعريف "موديز"، ولم يتخلّف لبنان حتى الآن عن سداد التزامات دينه الخارجي، رغم نوبات متكررة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

وتظهر حيازات البنك المركزي اللبناني من الأوراق المالية الحكومية أن لدى لبنان خيارات لإدارة الدين في المدى القريب، ربما تحد من خسائر القطاع الخاص في حالة التخلف عن السداد، حسبما قالت "موديز".

وأضافت الوكالة، أن خيارات مثل تمديد أجل استحقاق الدين أو إلغاء ديون في حيازات البنك المركزي من أدوات الدين التي تعادل ما يصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي ربما تساعد ما بقي ربط الليرة بالدولار الأميركي قائماً.

وتابعت "لكن تلك الخيارات تتقلص كلما طال أمد الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان".

البنك الدولي يحذّر من استمرار التدهور
وقبل أيام، حذَّر المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساروج كومار جاه، من استمرار التدهور والأزمات الاقتصادية العنيفة التي يواجهها الاقتصاد اللبناني.

وقال في تصريحات، "ليس لدى لبنان الآن الرفاهية لإضاعة الوقت لمعالجة القضايا الملحة التي تستدعي الاهتمام الفوري"، مشدداً على "ضرورة اتخاذ تدابير سريعة ومحددة لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان. تحظى المعالجة السياسية بقدر كبير من الاهتمام، لكن المخاطر الأشد تكمن على الصعيد الاقتصادي. فمع مرور كل يوم، يصبح الموقف أكثر حدة، وهذا من شأنه أن يجعل التعافي صعباً للغاية".

وأضاف جاه، "البنك الدولي كان قد توقع سابقاً انكماشاً صغيراً عام 2019 (نمو سلبي بلغ نحو 0.2%)، أما الآن فنتوقع أن يكون الركود أكبر بسبب الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة".

وتؤدي قيود ميزان المدفوعات إلى ظروف قاسية للشركات والعمال، وقد أدّى انخفاض الثقة في الاقتصاد إلى ارتفاع في دولرة الودائع، وبات يفرض أعباءً هائلة على ميزانيات المصارف والمصرف المركزي.

أين أنفق "السنيورة" 11 مليار دولار؟
وفي إطار تحرّكات محاربة الفساد التي قادت لبنان إلى الأزمات العنيفة القائمة، استجوب المدعي العام المالي القاضي الدكتور علي إبراهيم رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، أمس الخميس، بشأن سبل إنفاق 11 مليار دولار خلال رئاسته الوزراء.

وأصدر المكتب الإعلامي للسنيورة بياناً بشأن التحقيقات نشرته وكالة الإعلام الوطنية ذكر فيه أنه "بناءً على دعوة المدعي العام المالي توجّه السنيورة إلى مكتب الأخير في وزارة العدل كمستمع إليه".

وأضاف البيان، "لقد طرح القاضي إبراهيم على الرئيس السنيورة مجموعة مطولة من الأسئلة، تناولت فترة توليه المسؤولية في وزارة المالية، وبعدها كرئيس لمجلس الوزراء، وتناولت هذه الأسئلة شؤوناً مختلفة بشأن عمل وزارة المالية، وكذلك أيضاً مسألة الإنفاق الإضافي بما يعادل الـ11 مليار دولار".

وأفاد "السنيورة" بأن الإنفاق الإضافي المذكور ناتج عن الخلط في ذهن البعض من غير المتخصصين أو العالمين بشؤون الموازنة والإنفاق، ما بين "حساب الموازنة" و"حساب الخزانة" الأمرين المختلفين تماماً، مالياً وحسابياً، وذلك الإنفاق الذي تم خلال فترة تعطيل مجلس النواب وضمن الظروف الاستثنائية والصعبة آنذاك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى طبيعة وإلزامية وموجبات القيام بذلك الإنفاق الإضافي، والأوجه القانونية التي تم الاستناد إليها خلاله.

وعمد "السنيورة" إلى تفنيد تلك المبالغ بكاملها للمدعي العام المالي، وكونها أنفقت لتلبية حاجات الدولة اللبنانية، ولتسديد مبالغ متوجبة عليها، وذلك تجنباً للمخاطر التي قد تقع على الدولة، وعلى المواطنين اللبنانيين، في حال عدم تسديد تلك الموجبات. هذا فضلاً عن أن إنفاق تلك المبالغ، استند إلى القوانين والأصول المرعية الإجراء في "قانون المحاسبة العمومية" المعتمد من قِبل الدولة اللبنانية، وهي مسجَّلة بالكامل في حسابات وزارة المالية والوزارات الأخرى المعنية.

وأوضح المكتب الإعلامي للسنيورة، أن المبالغ الإضافية التي أنفقت من حساب الخزانة اللبنانية، خلال السنوات 2006 - 2009 بما يفوق حدود "القاعدة الاثني عشرية" (التي لا تصلح قاعدة للقياس لفترة تتعدى الشهر)، فكيف بنا لفترة أحد عشر عاماً، لم تقر فيها الموازنات العامة للدولة اللبنانية، بلغت نحو سبعة عشرة ألف مليار ليرة لبنانية (أي ما يعادل 11 مليار دولار أميركي)، وهي كانت مشابهة في توجهاتها وقانونيتها، لما كان يحصل في السنوات المالية السابقة، ومشابهة أيضاً لما تم من إنفاق إضافي في السنوات 2010 وما بعدها".

وأضاف أن مجموع الإنفاق الإضافي على حدود ما تعينه "القاعدة الاثني عشرية"، وبما يتعدى أيضاً الاعتمادات الإضافية التي أقرها مجلس النواب لاحقاً، فقد بلغ مجموعها للسنوات 2010 - 2014، وكذلك للعام 2018 نحو 23 ألف مليار ليرة.

وفي هذا الإطار، أعلن المكتب الإعلامي أن الرئيس السنيورة، هو أول من نادى وينادي بالالتزام بالقوانين، وقواعد الشفافية، والحوكمة، والحكم الرشيد، وهو يأمل أن يكون القانون والحرص على تطبيقه هو أساس العمل العام باستمرار.

وذكر الرئيس السنيورة، بأنه أحال في مايو (أيار) من العام 2006 إلى مجلس النواب مشروع "قانون التدقيق المالي" على حسابات الدولة اللبنانية السابقة واللاحقة من قِبل مؤسسات التدقيق الدولية، تأكيداً منه على "مبدأ الإفصاح والشفافية"، لكي تعرف كل أوجه الإنفاق والصرف خلال السنوات الماضية، وفي المستقبل، ولكي تتبين للشعب اللبناني كل الحقائق، وهو المشروع الذي لا يزال قابعاً في أدراج مجلس النواب.

المزيد من اقتصاد