تشيلي... استمرار الاحتجاجات ورفض الإصلاحات الاقتصادية

خفّضت وزارة المالية توقعاتها لنمو الاقتصاد إلى 1.8% - 2.2% بعدما كانت 2.4% - 2.9%

متظاهرون في سانتياغو احتجاجا على النهج الاقتصادي لتشيلي (رويترز)

400 مليون دولار هي قيمة الأضرار في شبكة المترو حسب تصريح المؤسسة بسانتياغو، بينما تبلغ خسارة الاقتصاد التشيلي مليار دولار بسبب الاحتجاجات العنيفة التي تضرب البلاد، وتدخل أسبوعها الرابع، وأسفرت عن وفاة 23 شخصاً واعتقال أكثر من 7000 (حسب تقديرات الإعلام المحلي). ونتيجة لهذه التطورات خفّضت وزارة المالية توقعاتها لنمو الاقتصاد هذا العام 2019 إلى المدى بين 1.8% - 2.2% مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت 2.4% - 2.9%.

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 انطلقت احتجاجات طلابية داخل محطات مترو الأنفاق بالعاصمة التشيلية سانتياغو، سبقتها موجة احتجاج شعبي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، تصاعدت الاحتجاجات بعد زيادة تعريفة المترو، وسرعان ما تحوّل هذا الرفض إلى موجة احتجاج شعبي، فرضت السلطات حالة الطوارئ في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، ونزل الجيش إلى الشوارع بأعداد كبيرة للمرة الأولى خلال 30 عاماً في محاولة لاحتواء الأوضاع.

تعتبر شبكة المترو بتشيلي الأضخم في أميركا الجنوبية، يبلغ طولها 140 كيلومتراً، يستقلها ثلاثة ملايين راكب يومياً، وأعلنت السلطات زيادة في أسعار تذاكر المترو بـ3.75+% بزيادة بلغت 30 بيزو، تعادل (4 سنتات أميركية)، لم تتوقف الاحتجاجات على الرغم من تعليق الزيادات، بل توسّعت دائرة المطالب، وارتفع سقفها لتشمل كل القضايا المتعلقة بتكلفة المعيشة، وفشل الرئيس التشيلي الملياردير سيباستيان بينيرا في نزع فتيل الأزمة رغم حزمة الإجراءات الاجتماعية التي أعلنها بزيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة معاشات التقاعد.

أيضاً اعتذرت تشيلي عن عدم استضافة قمة رؤساء منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (آبيك) APEC يومي 16 - 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أعلنت كندا استعدادها لاستضافة القمة، وكذلك مؤتمر التغيّر المناخي للأمم المتحدة COP، تم نقل المؤتمر إلى مدريد خلال الفترة بين 3 - 14 ديسمبر (كانون الأول) 2019. قال الرئيس التشيلي سيباستيان بينيرا رغم أهمية هذه الأحداث لبلاده لكن أولوية الحكومة هي عودة الخدمات العامة في بلاده ومحاورة شعبه حواراً عميقاً بشأن المطالب الاجتماعية.

من الاشتراكية إلى الليبرالية الجديدة ثم النهضة

عرفت تشيلي صراع الرؤى الاقتصادية والمدارس المختلفة مبكراً، في 1970 تم انتخاب أول اشتراكي رئيساً لدولة ديموقراطية ليبرالية في أميركا الجنوبية سيلفادور آلندي عبر الانتخابات، قام آلندي بطرح برنامجه الاقتصادي "الطريق نحو الاشتراكية"، وارتكز على تأميم القطاعات الخدمية الكبرى مثل قطاعي الصحة والتعليم، والتوسع في الإنفاق على البرامج الاجتماعية.

نتج عن ذلك انخفاض معدل التضخم خلال عام من 36% إلى 22%، وارتفعت الأجور بـ22%، وخلال الثلاث سنوات الأولى من حكمه تم بناء 52.000 مسكن جديد سنوياً، ونتيجة لهذه الإجراءات توسع الإنفاق العام للدولة، وسرعان ما عاود التضخم الارتفاع، ولم تستطع الحكومة السيطرة عليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في سبتمبر (أيلول) من 1973 حدث انقلاب عسكري على السلطة، وقاد بيونشيه البلاد  17 عاماً، واعتمد سياسة اقتصاد السوق. في 1990 عندما عادت الديموقراطية تم الاتفاق على استمرار السياسات الاقتصادية، خلال الفترة بين 1990 - 2010 قام التحالف الحاكم الذي يمثل يسار الوسط بتنفيذ عديد من الإصلاحات الاقتصادية أسهمت في تراجع معدل الفقر في البلاد، إذ تراجع معدل الفقر من 24% في العام 1987 إلى 2% في 2017، خلال الـ18 عاماً الماضية زاد معدل الدخل الشخصي بـ21%، وتحتل المرتبة الثالثة في أميركا الجنوبية خلف بيرو وأوروغواي، تزامن هذا الارتفاع في الدخل مع زيادة الحد الأدنى للأجور بـ65% خلال الفترة نفسها.

منذ فترة يتصاعد الجدل بشأن تأثير السياسات الاقتصادية التي تنتهجها تشيلي على الطبقة الوسطى وذوي الدخول الضعيفة، ودائماً تكون المقارنة مع باقي دول أميركا الجنوبية من حيث الخدمات الاجتماعية وتكلفة المعيشة، ومع ارتفاع حدة الاحتجاجات الحالية يرتفع الخطاب المعادي السياسات الاقتصادية التي طبقها مجموعة من الاقتصاديين من تشيلي "خلال العقود الماضية" كانوا تدربوا بقسم الاقتصاد بجامعة شيكاغو على يد بروفيسور ميلتون فريدمان، وأطلق عليهم Chicago boys، ولأنها وصفة أميركية خرجت من أضابير جامعة شيكاغو، وعرابها ميلتون فريدمان الحاصل على جائزة نوبل في 1976. يزداد الاهتمام بمآلات هذا التحول الدراماتيكي في حركة الاحتجاج والرفض الشعبي للإصلاحات الاقتصادية، البعض يقول إن الأمر ليس له علاقة بزيادة تعرفة المترو بـ30 بيزو إنما بسبب 30 عاماً من الفشل للسياسات الاقتصادية في البلاد، وارتفعت المطالبات بتغيير دستور 1980 الذي بموجبه تمت عملية خصخصة مؤسسات القطاع العام بشأن الخدمات الاجتماعية.

الاقتصاد التشيلي والسوق الحرة

الاقتصاد التشيلي تم تصميمه خلال الـ50 عاماً الماضية نموذجاً لاقتصاد السوق Market - oriented Economy المعتمد على التجارة والاستثمار، حيث ترتبط تشيلي باتفاقيات تجارية مع أكثر من 64 دولة، ما جعلها من الدول الأعلى اندماجاً مع الاقتصاد العالمي والسوق الحرة، يشكل تصدير السلع والخدمات 33% من نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وتشكّل صادرات السلع 60% من إجمالي صادراتها، بينما يشكل تصدير النحاس 20% من إيرادات الحكومة، قصة نجاح المدرسة الاقتصادية في تشيلي نتج عنها تحول كبير، وأصبحت ثاني دولة في أميركا الجنوبية تنضم إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD في العام 2010 بعد المكسيك، اعتماد سياسة السوق الحرة وخصخصة قطاعات خدمات حكومية مهمة وإزالة القيود بشأن التجارة وتحرير الأسواق بما يساعد تدفق رؤوس الأموال الخارجية، خلال الفترة بين 1977 - 1980 سجل الاقتصاد التشيلي معدل نمو سنوي بلغ 7.9%، نجاح هذه السياسات دفعت خصوم بينوشيه المحافظة عليها من بعده، لكن يبدو أن المجتمع الآن يبحث عن إعادة السياسات الاقتصادية إلى منصة التأسيس وحقنها بمزيد من البرامج الاجتماعية.

الجذور الاقتصادية للأزمة الحالية في تشيلي

تعتبر تشيلي من أعلى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من حيث عدم التكافؤ وارتفاع التفاوت الاجتماعي في المجتمع، الحد الأدنى للأجور هو 413 دولاراً، 1% يتملكون 33% من ثروات البلاد، النقاش حول عدم عدالة توزيع الثروة في تشيلي مستمر منذ عقود، أيضاً تصنف تقارير الأبحاث العاصمة التشيلية سانتياغو في مصاف المدن ذات تكاليف المعيشة المرتفعة مثلها مثل برلين وملبورن، في دراسة شملت قياس قدرة الأسر في الوفاء بالتزاماتها المعيشية خلال الفترة بين 1995 - 2016 أعدتها مؤسسة ''لاتينو براميتر'' وجدت أن 48% من الأسر يواجهون بعض المصاعب في تغطية نفقاتهم، بالنسبة لذوي الدخل المحدود تشكل تكلفة المواصلات 14% من إجمالي الدخل، هذا يفسر لماذا كانت زيادة تكلفة تذاكر المترو هي شرارة الاحتجاجات، في المقابل ينفق ذوو الدخل المنخفض العاصمة الأرجنتينية 4% من دخلهم على المواصلات، مؤخراً ارتفعت أسعار المواصلات في تشيلي بـ100% مقارنة بالأسعار في 2007.

المزيد من رأي خبير