لو كان ترمب مختلفاً... لتعلّم  معاني عبارة "الإعدام خارج القانون" وتاريخها

لنتخيل ترمب كسياسي عادي، في زيارة إلى مونتغمري بولاية ألاباما لتثقيف نفسه والتأثر إلى حد البكاء بالأعمدة الفولاذية الـ 800 الموجودة في النصب التذكاري الوطني للسلام والعدالة

الرئيس ترمب في البيت الأبيض 07 نوفمبر 2019 (أ.ب) 

لجأ القائد الأعلى، من جديد، إلى طريقته المفضلة في التواصل لإثارة النقد اللاذع والتجديف. وفعلها هذه المرة بمقارنة نفسه بضحايا العنف العنصري والإرهاب العنصري في هذا البلد، من خلال وصف التحقيقات  في مجلس النواب في إطار إجراءات عزله بـ "الإعدام خارج القانون."

من الواضح أن الرئيس ترمب لا يفهم معنى الإعدام خارج القانون وإلا لما استخدم ذلك التعبير. كما لا يفهمه أيضا السيناتور ليندسي غراهام، وإلا لما اتفق مع ترمب.

بطبيعة الحال، كاد تويتر ينفجر لكثرة التغريدات ذات العلاقة. ولقي الوسم lynching# تداولا على نطاق واسع طوال اليوم. عبّر الناس من مختلف الأطياف السياسية عن الذعر الذي شعروا به بسبب عبارة الرئيس التي انطوت على استفزاز عنصري.

وفي ردها على تعليقات الرئيس التحريضية، قالت المرشحة الرئاسية الديمقراطية السيناتور كامالا هاريس إن "الإعدام خارج القانون" وصمة عار نكراء في تاريخ هذه الأمة، كما هو هذا الرئيس. لن نستطيع أبداً محو الألم والصدمة الناجمة عن الإعدامات خارج القانون، واستحضار ذلك التعذيب لتبييض فسادك يعد أمرا مشينا."

إنها محقة. بين عامي 1877 و1950، أُعدم بطريقة غوغائية أكثر من 4400 من السود في أميركا، بما في ذلك النساء والأطفال. حدثت معظم عمليات القتل في الجنوب الخاضع لقوانين جيم كرو للفصل العنصري والحرمان من الحقوق الانتخابية. ووفّرت تلك القوانين إطارًا لقوانين مدونة التمييز العنصري التي هيمنت على هذه البلاد لمدة قرن تقريبًا من بداية تسعينيات القرن التاسع عشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سارع فريق التنظيف التابع لترمب إلى وسائل الإعلام في محاولة لاحتواء تداعيات تعليقاته، فجادلوا أن الرئيس  قدم خدمات كثيرة للسود وأن المشكلة لم تكن فيما قاله، وإنما في كون وسائل الإعلام لا تحب الطريقة التي يتحدث بها الرئيس. لكن لا حاجة للقول بأن ذلك لم يكن مقنعا.

عندما سمعت عن تعليق الرئيس، تحدثت إلى الدكتورة كوريثا ميتشل، أستاذة مساعدة في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة ولاية أوهايو، التي تُجري دراسات حول الإعدام خارج إطار القانون في أميركا الحديثة. قالت لي " الذي أدهشني عندما قرأت التغريدة، هو كيفية مصادرة لغة الحقوق المدنية واستعمالها لأغراض شريرة. إن القول بأن وسائل الإعلام ببساطة لا تحب اللغة التي يستخدمها ترمب، هو أمر مثير للسخرية. لا يعتمد العنف العنصري في هذا البلد على الجهل. إنهم ليسوا جاهلين بما سيكون مؤلماً، لهذا السبب يستخدمون تلك اللغة المحددة. لذا فالإشارة إلى أنها ليست مقصودة هو أمر مثير للسخرية. إن العدوان العنصري يحصل هكذا بالقول 'يمكنني دائماً تذكيرك بمكانك المناسب.' يتعلق الأمر بالإرهاب والتخويف، أو حتى بـ ‘اعرف مكانك‘. هذه الطريقة العفوية التي يسيء بها إلى الجميع تُذّكر بأن لديه، كرجل أبيض ذي توجه جنسي مغاير، ترخيص للقيام بذلك. إن الإعدام خارج القانون  هو أساس النظام السياسي الذي لدينا الآن وكل ما يمكنك فعله هو الشعور بالغضب لأنه لن يكون هناك أي تداعيات حقيقية لكلماته. "

إن الإرهاب العنصري قضية رئيسة في هذا البلد حالياً. في يوليو(تموز) الماضي ظهر ثلاثة طلاب مسلحين من جامعة ميسيسيبي أمام لافتة مثّقبة بفعل رصاصات أُطلقت عليها، وكانت قد نُصبت تكريما لأيقونة الحقوق المدنية إيميت تيل، الذي اختُطف وعُذّب وقُتل في عام 1955 عن عمر ناهز 14 عاما. وفي مايو (آيار) 2017، تعرض الملازم ريتشارد كولينز الثالث للطعن والقتل في جريمة كراهية بدوافع عنصرية بينما كان ينتظر سيارة أوبر في حرم جامعة ميريلاند.

ونظم أنصار نظرية تفوق البيض في العام نفسه مسيرة جريئة بالمشاعل في شوارع شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، في استعراض للإرهاب العنصري الذي انتهى بمقتل هيذر هاير عندما دهس أحد المتطرفين البيض بسيارته مجموعة من المشاركين في مظاهرة سلمية معاكسة.

ربما كانت هذه "لحظة تُدرّس"، كما يقولون في المدارس، في ظل رئيس مختلف. إنها اللحظة التي يرتكب فيها المرء خطأ يتحول إلى فرصة للتعلم وإعادة التقييم. ففي عالم مثالي، كان ترمب ومساعدوه سيزورون ألاباما للتعرف على ماهية الإعدام خارج القانون في أميركا حقاً وكيف أن الآلاف من عمليات القتل ضد السود لا تزال تؤثر على حياة الأميركيين والنظام السياسي في هذا البلد في عام 2019.

سيكون بإمكانهم أن يزوروا "النصب التذكاري الوطني للسلام والعدالة" في مونتغمري، ألاباما، حيث يرمز ما يزيد عن 800 عمود فولاذي إلى كل مقاطعة أميركية شهدت عملية قتل إرهابية عنصرية. وقد نٌقشت أسماء الضحايا على الأعمدة. سيتأثر ترمب لدرجة البكاء، ويعلن التوبة عن إرثه من الكراهية وإثارة الانقسام، ولعله سيغير مساره في السياسة الداخلية والخارجية، ويتخلى عن مهاجمة خصومه السياسيين بإهانات معادية للسامية مثل إطلاق صفة "مراوغ" على اليهودي آدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات التابعة للكونغرس، ويحترم التنوع الديني والعرقي والسياسي.

لكن الرجل الذي لدينا في البيت الأبيض مختلف كلياً. إنه لا يعتذر، ولا يتعلم أو يتغير مع أنه  ليس جاهلاً. فقد كان لتعليقاته هدف محدد وهو تهديد وترهيب خصومه السياسيين وتقديم نفسه كضحية. لكن هذا يمثل سببا آخر لجعل عزله الأولوية السياسية الأولى في العامين المقبلين.

© The Independent

المزيد من آراء