محمد عبدالنبي يحوز جائزة الأدب العربي بالفرنسية... لجرأته في كسر المحظور

بلغت رواية "في غرفة العنكبوت" القائمة القصيرة للبوكر العربية 2017

الروائي المصري محمد عبد النبي (يوتيوب)

عندما بلغت رواية الكاتب المصري محمد عبد النبي "في غرفة العنكبوت" (دار العين) اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية العام 2017 بدا هذا الاختيار حدثاً مهماً في مسار جائزة البوكر العربية الذي لا يختلف مبدئياً عن مسار سائر الجوائز العربية التي نادراً ما تتخطى جدار الرقابة ومحظوراتها الثابتة لا سيما في ما يتعلق بالدين والسياسة والجنس. كان قرار لجنة التحكيم حينذاك جريئاً جداً وكسر رهبة الرقابة المعلنة وغير المعلنة واختار هذه الرواية التي تم الترحاب بها حين صدورها  بوصفها اول رواية عربية مثلية، وأحدثت "لغطاً" في أحد معارض الكتب انطلاقاً من طابعها الشائك هذا، فالمثلية تهمة لا تزال فاضحة في العالم العربي، الذي لم تعترف أجهزته الرسمية و"وأخلاقياته" الشعبية بحق المثلية وحقوق المثليين. بل إن المثلية تعد "جريمة" في بعض الدول العربية و"جنحة" في دول أخرى.

أعاد بلوغ رواية "في غرفة العنكبوت" القائمة القصيرة لأشهر جائزة عربية، طرح قضية الأدب المثلي المحظور أو الممنوع عربياً، على الرغم من أن روايات عدة تطرقت إلى هذه القضية ولكن تطرقاً عابراً، بينما بدت رواية محمد عبدالنبي تحفر في عمق هذا الأدب المعروف عالمياً، وتضع ما يشبه اللبنة الأولى له في عمل روائي جميل ومتقن في بنائه  وفي رسم الشخصيات وأفعالها، وفي جوه الواقعي والأليف والمتخيل في آن واحد.

فازت رواية "في غرفة العنكبوت" أمس بجائزة الأدب العربي المترجم إلى الفرنسية وكان نقلها إلى الفرنسية المستشرق جيل غوتييه وصدرت عن دار أكت سود- سندباد. كان فوزها متوقعاً وسرت اخبار في باريس تؤكده. فالجائزة او لجنتها التحكيمية شاءت ان تكرم مثل هذه الرواية التي تواجه المحظورات وتمهد لأدب عربي جريء لا يهاب الرقابة على اختلاف أنواعها. هذه الجائزة يمنحها معهد العالم العربي في باريس ومؤسسة لاغاردير لأفضل رواية عربية مترجمة أو مكتوبة بالفرنسية، وقيمتها المالية 10 آلاف يورو. كانت المنافسة قوية وشارك فيها روائيون عرب وفرنكوفونيون مثل: كوثر عضيمي (رواية "صغار ديسمبر")، ياسمين خلاط ("مصر 51")، جورجيا مخلوف ("بور أو برنس: ذهاب -إياب")، ديمة ونوس ("الخائفون")، كميل عمون ("أوغاريت")، ليلى بوحسين (السماء تحت خطانا"). وبعد فوز عبد النبي بالجائزة كتب موقع "بيبليو اوبس" التابع لمجلة "لوبس" الشهيرة أن الجائزة منحت لرواية "غنائية وجريئة تدور حول رهاب المثلية في مصر". وأشار الموقع إلى أن الرواية صدرت من غير أن تحظى باهتمام تستحقه. وفعلاً لم تهتم الصحافة الفرنسية بالرواية حين صدورها على الرغم من ترجمتها الجميلة والمتينة، وانتبهت لها مجلة "تيليراما" التي أجرت حواراً مع عبد النبي، على خلاف رواية  الكاتبة الجزائرية كوثر عضيمي "صغار ديسمبر" التي رحبت بها الصحافة وكتبت عنها.   

يعتمد محمد عبدالنبي في روايته صوت الراوي الذي يدعى "هاني محفوظ"، ليسرد على لسانه سيرته الذاتية (سيرة الراوي) الذي كان واحداً من  مجموعة من الشبان تم القبض عليهم في قضية أحدثت ضجة كبيرة ،عرفت باسم "قضية الكوين بوت" في القاهرة عام 2001، وبعد اتهامهم بـ "المثلية" صدرت ضدهم أحكام مختلفة، تتراوح ما بين البراءة والسجن لعامين أو ثلاثة.

 يستهل عبد النبي روايته بمشهد جميل وجريء، فبينما كان الراوي "هاني" بطل الرواية يسير مع صديقه عبد العزيز متجهين الى أحد المقاهي، يبادر إلى إمساك يد صديقه وكأنه يريد أن يتشبث به، ثم تنهال على أكتافهما فجأة أكف غليظة ويساقان إلى المخفر. كان "هاني" واحداً من أولئك المثليين الذين تم القبض عليهم في المركب. وبعد بضعة شهور في السجن، يخرج مصاباً بخرس طارئ، فيبحث عن صوته المفقود عبر الكتابة اليومية، فارضاً على نفسه عزلة اختيارية في غرفة فندق، يشاركه إياها عنكبوت صغير. يكتب "هاني" مستعيداً سيرته، على أمل العثور على صورة واحدة حقيقية له. يكتب حكاياته الصغيرة مع أهله وميوله الخاصة والأفراح الخاسرة في شوارع الليل، ويتناول تجربته المذلة خلال أشهر سجنه، منقباً عن مغزى خفي، وراء كل ذلك الركام، في رحلة لا تتبع خطاً مستقيماً، مقدار ما تأخذه في اتجاهات عديدة، كأنها شبكة عنكبوت يغزلها بخيط واحد هو صوته المفقود. خيط يمتد من نفسه إلى الآخرين، من حاضره إلى ماضيه، ومن أوهام الحب الصبيانية إلى كابوس الوحشة والأذى. يخرج "هاني" من السجن بعد أن يحصل على حكم بالبراءة إنساناً محطّماً، ليبدأ بعدها مسيرة علاج نفسي طويلة بغية التعافي، ولا يجد فيها من معين سوى الكتابة كل يوم، بعد ما فقد قدرته على الكلام لأسباب نفسية، وتحديداً أثناء المحاكمة التي خضع لها. يكتب معتمداً لعبة التأرجح بين التذكر والنسيان. وقد ساعدته الكتابة لينسى شهور السجن ولو لبضع ساعات كل يوم، كما يقول.

وُلِدَ محمد عبد النبي في محافظة الدقهلية سنة ١٩٧٧، وتعلَّم تعليماً أزهرياً، حتى تخرَّج في جامعة الأزهر، كلية اللغات والترجمة، قسم اللغة الإنجليزية. وبعد تخرُّجه اتَّجَهَ للعمل في الترجمة بدأ الكتابة الأدبية في منتصف التسعينيات، ووجَّه طاقته نحو كتابة القصة القصيرة تحديداً؛ وأصدر مجموعة قصصية أولى بعنوان "في الوصل والاحتراق"؛ وفازت بالجائزة الأولى في المسابقة الكبرى للأدباء الشبان التي عقدها صندوق التنمية الثقافية في مصر عام ١٩٩٩.

ثم صدرت له رواية صغيرة بعنوان "أطياف حبيسة"، تَلَتْهَا المجموعة القصصية "وردة للخونة" وأتبعها بالمتتالية القصصية "بعد أن يخرج الأمير للصيد" ، و"شبح أنطون تشيخوف" و"كما يفعل السيل بقرية نائمة".  وصلت روايته "رجوع الشيخ" إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية كأفضل رواية لكاتب شاب. ومن ترجماته: رواية "ظلال شجرة الرمان" لطارقي علي البريطاني من أصل باكستاني، ورواية "اختفاء" لهشام مطر البريطاني من أصل ليبي، والرواية المصوَّرة "فلسطين" للكاتب والرسام جو ساكو.

المزيد من ثقافة