موجة خسائر قاسية تنتظر البنوك الأوروبية... هل تصل الأزمة إلى الإفلاس؟

"دويتشه بنك" يحذر: الفائدة السالبة أفقدت المصارف وشركات التأمين مكانتها عالمياً

شعار اليورو أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

على الرغم من الاتجاه العالمي نحو استمرار دورة التيسير النقدي، لكن أزمة جديدة بدأت تلوح في الأفق مع تحذيرات مستمرة ومتتالية من معدلات الفائدة السالبة التي انتهت بتآكل أرباح غالبية البنوك الصغيرة في منطقة اليورو.

في تقرير حديث، يعتقد رئيس "دويتشه بنك"، كارل فون روهر، أن معدلات الفائدة السالبة تفاقم من خسائر البنوك الأوروبية، ما قلص من حجم مشاركة الصناعة المالية على الصعيد العالمي.

وقال "روهر"، في تعليقات بمؤتمر "بلومبيرغ" لمستقبل التمويل في فرانكفورت، إن صناعة التمويل الأوروبية شهدت تآكل هيمنتها العالمية بشكل كبير. وأوضح أن البنوك وشركات التأمين في أوروبا فقدوا بشكل كبير مكانتهم على الصعيد العالمي في ظل وجود مؤسسة واحدة فقط في قائمة الـ20 الكبار عالمياً، من حيث القيمة السوقية مقارنة مع 6 مراكز قبل الأزمة المالية.

وتابع "في حين أن التحديات تتزايد، من الحرب التجارية إلى البريكست إلى الاضطرابات في هونغ كونغ وتشيلي، لكن تأثيرها باهت بالمقارنة مع الرياح العكسية على البنوك من معدلات الفائدة المنخفضة والسالبة".

وأشار إلى أن أكبر تحدٍ يواجه الصناعة المالية الأوروبية هو استمرار بيئة معدلات الفائدة المنخفضة، قائلاً "معدلات الفائدة السالبة تُشكل عبئاً على النظام المالي".

ويفرض البنك المركزي الأوروبي معدل فائدة دون الصفر على الودائع منذ أكثر من خمسة أعوام، قبل أن يحركها أكثر داخل النطاق السالب عند -0.5% في اجتماع سبتمبر (أيلول) الماضي. وأكد "روهر" أن "دويتشه بنك" لن يمرر معدلات الفائدة السالبة إلى عملائه.

كم تتكبد البنوك بسبب الفائدة الصفرية؟

ومنذ مارس (أذار) من العام 2016، خفّض البنك المركزي الأوروبي معدل الفائدة الرئيسة إلى صفر في المئة، ما يسمح للبنوك باقتراض النقد مجانا لمدة أسبوع واحد. لكن منذ صيف عام 2014، قرّر البنك المركزي الأوروبي أن تدفع البنوك عندما تضع فائض السيولة على المدى القصير لديها، ويبلغ معدل الفائدة على الودائع حاليا -0.40%.

ويتعين على المصارف الاحتفاظ بأموال لدى البنك المركزي الأوروبي من أجل التعامل مع عمليات سحب يقوم بها العملاء. ومع ذلك، فإنها تودع عموما أكثر بكثير من المبلغ الإلزامي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتالي، فإن أسعار الفائدة تشكل أداة حاسمة، ويعتزم البنك المركزي تحفيز النشاط الاقتصادي عبر خفض تكلفة الائتمان وإرغام المصارف التي تخزن الودائع بدلاً من إقراضها على دفع أموال.

لكن المشكلة تكمن فيما تواجهه المصارف منذ إدخال الفوائد السلبية على الودائع، حيث أصبح الأمر مكلفا بالنسبة إليها، كما قال إريك دور، مدير الدراسات الاقتصادية في كلية الإدارة في المدرسة العليا للتجارة. وأضاف "تفيد التقديرات بأن الفائدة الحالية على السيولة الزائدة تكلف المصارف في منطقة اليورو ما لا يقل عن 7.5 مليار يورو سنويا".

مصدر قلق كبير مع فوائد ضخمة

وتمثل الفوائد العقابية مصدر قلق للبنوك العاملة في منطقة اليورو. ففي وقت سابق وحسب بيان للحكومة الألمانية، دفعت المصارف الموجودة في ألمانيا خلال العام الماضي فوائد إجمالية بقيمة نحو 2.4 مليار يورو (2.16 مليار دولار) على إيداعاتها لدى البنك المركزي، ووصلت هذه القيمة بالنسبة إلى البنوك على مستوى أوروبا إلى 7.5 مليار يورو (6.75 مليار دولار)، فيما لا تحصل البنوك في المقابل على عوائد من الفائدة بنفس القيمة نظرا لتدني أسعار الفائدة على الأموال السائلة التي تتلقاها هذه البنوك.

وتجدر الإشارة إلى أن البنوك ملزمة دفع فائدة عقابية بنسبة 0.4 بالمئة على الودائع التي تضعها في البنك المركزي الأوروبي.

وأضافت الحكومة الألمانية، في بيانها، أن البنوك الأوروبية كانت قد زادت بشكل واضح من قدرتها على مجابهة الأزمات وذلك منذ وقوع الأزمة المالية قبل عشر سنوات، وقالت إنها تثبتت في الوقت نفسه من أن مخاطر الاستقرار المالي بالنسبة إلى أوروبا ارتفعت أخيرا، في ظل البيئة الاقتصادية الحالية التي تشهد تدنيا لأسعار الفائدة وارتفاعا للديون واضطرابات جيوسياسية.

وحسب تقديرات لجنة الاستقرار المالي، فإن المرحلة الطويلة من النمو الاقتصادي وتدني أسعار الفائدة شهدت تكونا بطيئا، لكنه مستمر لنقاط ضعف في النظام المالي في ألمانيا.

متى تلجأ البنوك المركزية للفائدة السلبية؟

منذ القدم، من المعروف أن من يقترضون الأموال من الأفراد والشركات يقومون بسداد ديونهم عند حلول أجل السداد، بالإضافة إلى نسبة فائدة متفق عليها مسبقاً، وعندما تقوم بإيداع أموالك لدى بنك سيقوم البنك بمنحك فائدة سنوية على إيداعك.

ولكن هذا الأمر سينعكس في البلدان التي أصبحت تلجأ للعمل بأسعار فائدة سلبية في أنظمتها المالية، ويتم تطبيق هذه الفائدة السلبية على التعاملات المالية التي تتم بين البنوك التجارية فيما بينها، والتعاملات التي تتم بين البنوك التجارية مع البنك المركزي، حيث إن البنوك التي تقترض أموالاً لن تقوم بدفع الفائدة للمؤسسة المقرضة، وإنما ستحصل هي على الفائدة، وهو الأمر الذي يبدو غريباً نوعاً ما.

في المقابل، ستضطر البنوك التي تقوم بإيداع أموالها، سواء لدى البنوك التجارية الأخرى أو لدى البنك المركزي، إلى دفع نسبة الفائدة. ويتم تطبيق الفائدة السلبية في التعاملات التي تتم بين البنوك التجارية فيما بينها، أو بين البنك المركزي، في حين لا يتم تطبيق هذه الفائدة على تعاملات البنوك مع الأفراد، حيث لا يتم دفع أي فائدة عند الإيداع للبنك، ولكن أيضا لن تحصل على عائد من البنك.

وعلى الرغم من أن بعض البنوك التجارية بدأت في فرض فائدة سلبية على الأفراد في ألمانيا عندما يتجاوز مبلغ الإيداع عتبة محددة، ولكن الأمر يتعلق ببعض الحالات المنفردة، لأنه من الناحية العملية لن يقوم أي فرد بدفع فائدة مقابل إيداع أمواله لأنه يمكن الاستغناء عن البنوك ما دام حجم رؤوس الأموال صغير نسبياً، في حين لا تستطيع البنوك التجارية تفادي هذا الأمر لأنها تتعامل برؤوس أموال ضخمة.

ومنذ الأزمة المالية العالمية في 2008 خفض عدد كبير من البنوك المركزية نسب الفائدة إلى ما دون الصفر بعد سلسلة من التخفيضات المتتالية التي لم تكن كافية لتحفيز النمو وزيادة معدلات التضخم، وتعتبر اليابان آخر دولة تلجأ إلى سياسة الفائدة السلبية بعد أن قام البنك المركزي بهذه الخطوة سنة 2014، بالإضافة لعدة دول أخرى أوروبية كسويسرا والسويد والنرويج.

وتعتبر الفائدة السلبية من بين الأدوات غير التقليدية للسياسة النقدية التي لجأت إليها هذه الدول بعد أن فشلت الحلول الأخرى، وبخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني من نسب نمو ضعيفة، وانخفاض في معدلات الاستهلاك. وتسعى هذه الدول من خلال تطبيق أسعار فائدة سلبية إلى إرغام البنوك التجارية على عدم الاحتفاظ برؤوس الأموال وضخها في النظام الاقتصادي لتخفيض كلفة الاقتراض وتشجيع الشركات والأفراد على الاستثمار والاستهلاك.

أبطأ وتيرة نمو منذ العام 2013

في سياق متصل، توقع صندوق النقد الدولي نمو اقتصاد أوروبا بأبطأ وتيرة منذ العام 2013 خلال العام الحالي، مع تراجع الطلب وحالات عدم اليقين السياسية والتجارية.

وقال صندوق النقد، في تقرير الآفاق الاقتصادية لأوروبا، إنه يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في قارة أوروبا بنحو 1.4% في العام الحالي، مقارنة مع 2.3% خلال العام الماضي. لكن في الوقت نفسه توقع الصندوق أن يتعافى الاقتصاد الأوروبي مجدداً في العام المقبل لينمو بنحو 1.8%.

و قام صندوق النقد بمراجعة تقديرات النمو الاقتصادي في الاقتصاديات المتقدمة في أوروبا لتصل إلى 1.3% خلال العام الحالي، بانخفاض بلغت نسبته نحو 0.1% عن التقديرات السابقة.

في حين توقع صندوق النقد زيادة النمو في الاقتصاديات الأوروبية الناشئة بنحو 0.5% لتصل إلى نحو 1.8% خلال 2019.

وأوضح التقرير أنه وسط ارتفاع حالات عدم اليقين يوجد مخاطر عدة على التوقعات الاقتصادية، تشمل اضطرابات البريكست والحمائية التجارية، إلى جانب تراجع شهية المخاطرة وزيادة التوترات الجيوسياسية.

وذكر صندوق النقد أن هناك بعض الإشارات على ضعف الطلب المحلي بخاصة في الاستثمار، بينما لا يزال نشاط الخدمات وإنفاق المستهلكين يظهران مرونة، ولكن استمرار ذلك يعتمد على التطورات في سوق العمل.

وأشار إلى تباطؤ الطلب الخارجي أيضاً، حيث إن تباطؤ الإنفاق الرأسمالي في آسيا والسلع الاستهلاكية سيظل من المرجح أن يثقل كاهل الصادرات والنمو في أوروبا، لأن المنطقة تعد مصدراً كبيراً للسلع الرأسمالية ومعدات النقل.

نظرة تشاؤمية للقطاع الخاص بمنطقة اليورو

فيما أشارت بيانات رسمية حديثة إلى نمو أنشطة الشركات في منطقة اليورو على نحو أسرع قليلا من التوقعات الشهر الماضي، لكنها ظلت قريبة من الركود، وذلك بحسب مسح تُنبئ مؤشراته للنظرة المستقبلية إلى أن النمو الضئيل قد يتبدد.

يأتي المسح الجديد الذي يُظهر نظرة تشاؤمية لشركات القطاع الخاص بعد وقت قصير من تجديد البنك المركزي الأوروبي برنامجه لشراء سندات بقيمة 2.6 تريليون يورو في مسعى لتحفيز التضخم والنمو.

وارتفعت القراءة النهائية لمؤشر "آي.إتش.إس ماركت" المجمع لمديري المشتريات بمنطقة اليورو، الذي يعتبر مقياسا جيدا على متانة الاقتصاد، إلى 50.6 من أدنى مستوياته في أكثر من ست سنوات عند 50.1 في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعلى من تقدير أولي عند مستوى 50.2. لكن المؤشر ظل قرب مستوى الخمسين الفاصل بين النمو والانكماش.

وقال كريس وليامسون، كبير الاقتصاديين لدى "آي.إتش.إس ماركت"، إن منطقة اليورو ظلت قريبة من الركود في أكتوبر (تشرين الأول)، إذ يشير تراجع حجز الطلبيات إلى أن المخاطر في الوقت الراهن تميل نحو الانكماش في الربع الرابع من العام الحالي.

ومما يبرهن على المعنويات التشاؤمية لدى مديري المشتريات، نزل مؤشر توقعات أنشطة الخدمات إلى 57.4 من 58.6. ولم يتراجع المؤشر منذ خمس سنوات سوى مرة واحدة في أغسطس (آب) الماضي.