البنك الدولي يحذر: الاقتصاد اللبناني لا يملك ترف الوقت

غياب تام عن متابعة التدهور الحاصل على صعيد ارتفاع الأسعار

تظاهرة حاشدة احتجاجاً على الظروف الاقتصادية الصعبة في وسط العاصمة اللبنانية بيروت يوم 18 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

مع استمرار تعثر تشكيل حكومة جديدة في لبنان، عقب استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وتريث رئيس الجمهورية في الدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة لتكليف "شخصية" تأليف الحكومة، يزداد الضغط أكثر على الأوضاع النقدية والمالية والاقتصادية، التي دخلت عملياً مرحلة "استنزاف قصوى"، في ظل استمرار الحركة الانتفاضية في الشارع، وما ترتبه من إقفال طرق ومؤسسات تشل القطاعات الإنتاجية، واستمرار الضغط على المصارف العاجزة عن تلبية طلبات زبائنها بفعل الشح في سيولتها.

3 مليارات خرجت من لبنان؟

وفي حين كان الهدف من القيود التي فرضها المصرف المركزي على المصارف، في ما يتعلق بالسحوبات والتحويلات إلى الخارج أو من الليرة اللبنانية إلى الدولار، الحفاظ على مستوى مقبول من السيولة منعاً لاستنفاد مخزون المركزي من العملات الأجنبية، وحفاظاً على قدرته على الدفاع عن العملة الوطنية في حال تعرضها للضغوط، فإن المودعين عجزوا عن تلقف هذه الإجراءات التي رأوا فيها تقييداً لحرية تصرفهم بودائعهم، خصوصاً بعد فترة إقفال للمصارف امتدت لحوالى أسبوعين، تراكمت فيها الاستحقاقات والعمليات المصرفية. وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء موجة قلق كبيرة في أوساط المودعين، تعجز إدارات المصارف عن تهدئتها، فيما تغيب السلطة النقدية عن الصورة، وتغيب جهود السلطات السياسية عن معالجة الوضع وتهدئة الأسواق.

وتشتد الأزمة المالية على القطاع المصرفي مع تردد معلومات عن خروج ودائع قاربت قيمتها الثلاثة مليارات دولار منذ بدء الاحتجاجات. علماً أن هذا الموضوع ليس وليد ساعته، وإن ارتفعت وتيرته أخيراً. إذ يبين ميزان المدفوعات عجزاً هائلاً بلغ 6.4 مليارات دولار حتى سبتمبر (أيلول) 2019 مقارنة مع 4.8 مليار خلال عام 2018. وهذا العجز يعكس حجم الرساميل التي خرجت من البلاد في ظل الأوضاع المضطربة وغياب الاستقرار السياسي والاستثماري في البلاد.

التدهور الاقتصادي يتفاقم

وبموازاة الوضع المالي والنقدي الدقيق الذي تواجهه البلاد، يفرض الوضع الاقتصادي نفسه بقوة على المشهد السياسي الغائب كلياً عن أي متابعة أو مواكبة للتدهور الحاصل على صعيد ارتفاع الأسعار، والناتج أساساً من وجود سعرين للدولار الأميركي، الأول هو السعر الرسمي المحدد من مصرف لبنان، والذي يفترض أن تتداول به المصارف. أما الثاني فهو سعر السوق الخاضع لحركة العرض والطلب، وهو عملياً السعر المعمول به، باعتبار أن السعر الرسمي خارج إطار التداول. فالمصارف ترفض إجراء أية تحويلات من الليرة إلى الدولار، في حين أن غالبية القروض الشخصية والتجارية معقودة بالعملة الخضراء. ويبين تطور سعر الصرف في السوق منذ مطلع أكتوبر الماضي، أي منذ بدء الإشاعات حول أزمة محروقات وقمح، وبروز السوق الموازية، تراجعاً في سعر العملة الوطنية بنسبة 12 في المئة. إذ ارتفع سعر الدولار مقابل الليرة من 1507 إلى 1560 ثم 1760 ليقفز في بعض الأحيان إلى 1900، إلا أنه تراجع أخيراً مع تراجع الضغط، ليستقر على سعر يتراوح بين 1680 و1700 ليرة.

تصنيف "قيد المراجعة"

ووسط مشهد التفلت، أصدرت وكالة التصنيف الدولية "موديز" تقريراً جديداً، أول من أمس، خفّضت فيه التصنيف الائتماني للبنان إلى "سي أيه أيه 2" (caa2). وهذا التخفيض هو الثاني بعدما كانت خفّضت في يناير (كانون الثاني) تصنيف لبنان الطويل الأجل للديون من "بي 3" إلى "سي أيه أيه 1"، محذرةً من تخفيض جديد.

وقالت الوكالة في بيان الثلاثاء 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، أن التصنيف لا يزال قيد المراجعة لمهلة ثلاثة أشهر في اتجاه مزيد من التخفيض، موضحة أن هذا التخفيض "يعكس زيادة احتمالات إعادة جدولة الدين أو إعادة النظر في طريقة إدارة المستحقات"، ما قد يزيد مخاطر تخلّف الدولة عن دفع مستحقاتها، مضيفةً أن "الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة واستقالة الحكومة وفقدان ثقة المستثمرين، قوّضت بشكل إضافي نموذج لبنان التمويلي التقليدي والقائم على التدفقات الرأسمالية ونمو الودائع المصرفية".

البنك الدولي يحذر: لا ترف

وفي حين خفضت وكالة "ستاندرد أند بورز" مهلة السماح من ستة إلى ثلاثة أشهر، واضعة لبنان تحت مجهر المراقبة، تمهيداً لتخفيض مماثل، دق البنك الدولي ناقوس الخطر من مخاطر استمرار التدهور. وحمّل المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساروج كومار جاه، هذا التحذير إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي التقاه الثلاثاء في القصر الجمهوري. وقال على الأثر، "ليس لدى لبنان الآن الرفاهية لإضاعة الوقت لمعالجة القضايا الملحة التي تستدعي الاهتمام الفوري"، مشدداً على "ضرورة اتخاذ تدابير سريعة ومحددة لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان. تحظى المعالجة السياسية بقدر كبير من الاهتمام، لكن المخاطر الأشد تكمن على الصعيد الاقتصادي. فمع مرور كل يوم، يصبح الموقف أكثر حدة، وهذا من شأنه أن يجعل التعافي صعباً للغاية".

وقال جاه إن "البنك الدولي كان قد توقع سابقاً انكماشاً صغيراً عام 2019 "نمو سلبي بلغ حوالى 0.2 في المئة، أما الآن، فنتوقع أن يكون الركود أكبر بسبب الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة". وتؤدي قيود ميزان المدفوعات إلى ظروف قاسية للشركات والعمال. وقد أدى انخفاض الثقة في الاقتصاد إلى ارتفاع  في دولرة الودائع، وبات يفرض أعباءً هائلة على ميزانيات المصارف والمصرف المركزي.

حاجة ملحّة لوقف الأزمة

عام 2018، قُدّر عدد اللبنانيين الفقراء بحوالى الثلث، بينما كانت نسبة الفقراء تبلغ 27.4 في المئة بين عامي 2011 و2012. والآتي يمكن أن يكون أسوأ إن لم تحصل المعالجة فوراً، إذ يمكن أن يرتفع الفقر إلى 50 في المئة إذا تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً، ومعدل البطالة، خصوصاً بين الشباب، المرتفع أصلاً، قد يرتفع أكثر وبشكل حاد".

ورأى أن "التجارب الدولية تظهر لنا أن الطبقتين الفقيرة والوسطى ستكونا الأكثر تضرراً في مثل هذه الأزمات الاقتصادية، وهنا يجب أن تتدخل الحكومة الجديدة لحماية هؤلاء الناس من الآثار السلبية للإصلاحات. هناك حاجة ملحّة لوقف الأزمة الاقتصادية الناشئة واستعادة الثقة في الاقتصاد".

ويتساءل "أليس للبنك الدولي أجندة أو تفويض سياسي؟ لكن علينا واجب تنبيه شركائنا عندما نراهم في مواقف صعبة. يجب أن نوقف تدهور الاقتصاد اللبناني وعواقبه الاجتماعية. الخطوة الأكثر إلحاحاً هي تشكيل حكومة سريعاً تنسجم مع تطلعات جميع اللبنانيين. إلا أن تلك هي الخطوة الأولى فقط. الأهم من ذلك هو التركيز على عوامل الاستقرار والنمو من خلال اتخاذ إجراءات محدّدة زمنياً لمعالجة أية اختلالات خارجية، وتحسين فرص النمو من خلال الاستثمارات وخلق فرص العمل، والتصدي للتفاوتات الاجتماعية، ومكافحة الفساد وضمان حكومة شفافة وخاضعة للمساءلة".

"أوفاك" لم تتحرك

وترددت فيديوات طوال يوم الثلاثاء، حول قرار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية "أوفاك"، يقضي بتجميد حسابات أموال سياسيين لبنانيين وموظفين في القطاع العام. إلا أن هذه الفيديوات لا تعدو كونها اقتراحات وُضعت برسم المكتب من قبل لبنانيين، باعتبار أن المكتب يتولى مهمة فرض عقوبات تجارية واقتصادية، تنفيذاً لسياسات الولايات المتحدة الأميركية في هذا الشأن. ولأن لدى المكتب برنامج عقوبات خاص بلبنان مدرج تحت بنود المرسوم الرقم 13341، يمنح وزير الخزانة الصلاحية بتجميد أموال الأشخاص المتهمين بعرقلة المسار الديمقراطي في لبنان، وتستعد مجموعة من القانونيين لإثارة هذا الموضوع وطلب إجراء تحقيق في أسماء مشتبه بها لمسؤولين متهمين بالفساد في لبنان. إلا أن الخطوة لا تزال في إطار الاقتراح ولم تتبلور آلياتها القانونية بعد.

الادعاء على السنيورة

وبرز أيضاً تطور قضائي لافت يؤشر إلى ما ستحمله عناوين المرحلة السياسية المقبلة، لا سيما على صعيد تأليف الحكومة وحظوظ عودة الحريري لترؤسها. إذ قرر النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، الاستماع إلى إفادة الرئيس الأسبق للحكومة فؤاد السنيورة، حول موضوع صرف مبلغ أحد عشر مليار دولار عندما كان رئيساً للحكومة بين عامي 2006 و2008. وطلب القاضي إبراهيم من الرئيس السنيورة الحضور إلى مكتبه في قصر العدل قبل ظهر يوم الخميس 7 نوفمبر.

المزيد من اقتصاد