"بوسطة الثورة"... حاملة هموم اللبنانيين وقضاياهم

هدفها العمل على نشر الوعي العام في مختلف القرى والبلدات

تكمن أهمية "بوسطة الثورة" في إبراز مكانة محافظة عكار الشمالية في الانتفاضة الشعبية (اندبندنت عربية)

"بوسطة الثورة" مساهمة إضافية لأبناء عكار في الانتفاضة الشعبية اللبنانية، فبعد أن انتفضت في 14 مارس (آذار) 2005 للمطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال، جاء الوقت للتأكيد أن هذه المحافظة الواقعة في أقصى الشمال ليست هامشية ولا مبالية، بل هي امتداد لانتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) من بلدة العبدة شمالاً إلى صور جنوباً.

منذ الأيام الأولى للحراك الشعبي، خرجت عكار (شمال لبنان) إلى الشوارع، وأسست لتجمعات مركزية في حلبا والعبدة، كما شارك الكثير من الناشطين العكاريين في التظاهرات الحاشدة في طرابلس، وجل الديب (شمال بيروت)، وبيروت، وبعد انقضاء الأسبوع الأول، تفتقت القريحة العكارية عن فكرة "بوسطة الثورة" لتتنقل بين القرى العكارية الممتدة من الحدود السورية الشمالية وصولاً إلى طرابلس في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية إلى المناطق اللبنانية كافة.

"بوسطة الثورة"... رسالة واحدة

تتصل فكرة البوسطة بصورة بشعة في الذاكرة الجماعية الوطنية، ففي 13 أبريل (نيسان) 1975 شكلت بوسطة عين الرمانة نقطة الانطلاق للحرب الأهلية. ومع زمن السلم الأهلي، قدّمت الأحزاب التقليدية نموذجاً جديداً من البوسطة، ألا وهي بوسطة القوائم الانتخابية الطائفية والمذهبية. أما الآن، فتريد عكار تقديم تجربة مختلفة، انطلاقاً من أنها محافظة متعددة طائفياً وثقافياً، ومعاناتها تمتد تاريخياً إلى ما قبل تأسيس لبنان الكبير في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920. لذلك أراد القيمون على "بوسطة الثورة" من أبناء عكار العمل على نشر الوعي العام في مختلف القرى والبلدات. ويوضح الناشط خالد الزعبي أن هناك توجهاً لتنظيم أنشطة متنوعة لتحفيز الناس لإعلان المواقف المؤيدة للثورة والاطلاع على طلباتهم وعدم الاقتصار على الحشود والتجمعات الشعبية. ويجزم أن التمويل ذاتي من قبل 25 ناشطاً يشكلون نواة هذا الحراك، ويتقاسمون الأعباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأت جولات البوسطة من منطقة العبدة الواقعة في المنطقة الساحلية لعكار وذلك بعد الأحداث التي وقعت على إثر الإشكال بين محتجين والجيش. وتتجه البوسطة نحو الجرود والأطراف في عكار للوصول إلى الغالبية الصامتة من أهلها، فعوضاً عن تحميل الأهالي الأعباء، تشكل "بوسطة الثورة" فرصة للأهالي للتعبير عن أوجاعهم ومشاكلهم.

اجتذبت البوسطة مختلف الشرائح الاجتماعية العكارية، فالناس ينظرون بإعجاب واستغراب إلى هذه الحافلة التي تحمل ألوان العلم اللبناني. وفي كل محطة، يتحلق في ساحات البلدات مجموعة من الأهل والوجهاء، يكتفي البعض منهم بالاستماع إلى الأحاديث، بينما يبادر آخرون لإطلاق عنان النقد للمنظومة اللبنانية.

هذه المسألة لفتت نظر الناشط الزعبي لأن مدة الحلقة الحوارية هي ساعة من حيث المبدأ، ولكن ما إن تبدأ النقاشات حتى تمتد إلى ساعات طويلة، فعلى سبيل المثال، تجاوزت حلقة الحوار في بلدة ببنين (شمال لبنان) ثلاث ساعات، ويطلب كل شخص الكلام، ويتلوه آخر، وهكذا دواليك. ويتحمس المشاركون لطرح أفكار والتعبير عن الرأي، ويتفاجأ المتابع بمستوى وعي الشبان وإدراكهم تفاصيل المواضيع والملفات. وتتصدر إعادة تشغيل مطار رينيه معوض (شمال لبنان) قائمة المطالبات الشعبية العكارية، إلى جانب إصدار المراسيم التنفيذية لإنشاء المحافظة، وإقامة فرع للجامعة اللبنانية، والحفاظ على الأملاك البحرية والنهرية وتنظيفها ووقايتها من الصرف الصحي لأنها تستخدم لري المزروعات في سهل عكار.

عكار في قلب الحراك

وتكمن أهمية "بوسطة الثورة" في إبراز مكانة عكار في الانتفاضة الشعبية، فهذه المحافظة هي شريكة للبنانيين في أزمنة الحرب والسلم، ويجب أن تحصل على حصتها من الإنماء المتوازن. ويفاخر أهلها أنها "خزان الجيش اللبناني" وقدمت الكثير من الشهداء في معركة "فجر الجرود" التي انتصر فيها الجيش اللبناني على تنظيم داعش، في المقابل، لها حقوق كثيرة على عاتق الدولة اللبنانية التي لم تبادر لمعالجة مشاكل الفقر والحرمان.

وتشكل "بوسطة الثورة" امتداداً لتحركات شعبية مزمنة ضد سياسات السلطة المركزية اللبنانية، فالحكومات المتعاقبة أسقطت عكار من حساباتها، ولم تتذكرها إلا إبان أزمة النفايات، إذ كان المخطط لإنشاء مطمر للنفايات في مكب في منطقة عكار.

ويجزم الناشطون العكاريون أنهم منفتحون على كل الناس، ويؤكدون انفتاحهم على الجميع حتى على المحازبين شرط عدم الترويج للأفكار الحزبية. وشكّلت "بوسطة الثورة" مفاجأة للأحزاب السياسية التقليدية، لأنها أول مرة تجول مبادرة مدنية بين البلدات للمساهمة في حل قضايا الناس بعيداً عن أجندات الأحزاب وحسابات الانتخابات.

الانتفاضة مستمرة

وعلى الرغم من عدم التغطية الإعلامية المكثفة للحراك الشعبي في عكار، إلا أن الانتفاضة ما زالت مستمرة في المحافظة، ويحاول الناشطون كسر الصمت الإعلامي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ويقوم المشاركون باستخدام هواتفهم الذكية لتصوير المناقشات ومن ثم بثها على صفحاتهم. كما أنشأ الحراك صفحة على الفيسبوك "بوسطة الثورة" لتتحوّل إلى منصة لتغطية الجولات بين مختلف القرى العكارية.

ويخطط الناشطون إلى توسيع نطاق نشاطات "بوسطة الثورة"، وتصعيد الخطوات في مواجهة السلطة، ويعتقد الزعبي أنه وعلى الرغم من كل ما يقال، فإن نقطة قوة هذه الانتفاضة تكمن في عدم وجود سلطة مركزية، إذ يتسع نطاق الحركة في المناطق لتحقيق الغايات والمطالب المشتركة التي تختصر في تشكيل حكومة اختصاصيين، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وصولاً إلى التغيير الشامل وتحقيق العدالة والإنماء المتوازن.