أهلا بكم في "جمهورية ثوار ساحة التحرير"

غاب تواجد الحكومة والمتطوعون ويقومون بالخدمات اللازمة لصمود المحتجين

أكل وشرب ونوم وإعتصام في ساحة الحرير (أ.ف.ب)

ما أن تقترب من "حديقة الأمة" باتجاه ساحة التحرير في بغداد، حتى تلمح من بعيد أعلاماً عراقية تُغطي الساحة، وشعارات ولافتات يصعب على الداخل إلى الساحة أن يعدها. هناك شعارات تنتقد الطبقة السياسية وأخرى تطالب بالحقوق المسلوبة، وغيرها تتخذ من السخرية موضوعاً لتوجيه سهام الانتقاد للحكومة.

التوك توك

تبدأ بالسير وسط أفواج من الناس اختارت، وتستوقفك أعداد هائلة من عجلات التوك توك. "التوك توك في خدمة الشعب" جملة قالها لي موسى (16 سنة) عندما دعاني إلى الصعود لإيصالي إلى المكان الذي ارغب في ساحة التحرير. موسى لم يتمكن من تعداد القتلى والجرحى الذين أنقذهم في عجلته البسيطة، منذ يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول). وهو مصرّ على البقاء إلى حين تحقيق مطالب المنتفضين.

"مدينة فاضلة"

الدخول إلى ساحة التحرير أشبه بالدخول إلى "مدينة فاضلة" أو "جمهورية" من نوع مختلف. جمهورية غابت عنها الحكومة وقرر أصحابها إدارة أمورهم بأنفسهم، وبما يملكون من وسائل. فالفرق الطبية التطوعية توزعت على مختلف اتجاهات الساحة. استوقفتنا مفرزة طبية بدت مشغولة في ترتيب الأدوية ومعدات الإسعاف الفوري. قال لنا مسؤول هذه المفرزة الدكتور أنور القعود (28 سنة)، "هذه المفرزة تضم 20 متطوعاً من الصيادلة والأطباء والممرضين يقومون بتوفير الإسعافات الأولية للمصابين الذين يتعرضون للغازات السامة أو الرصاص الحي، ومن ثم يتم نقلهم للمستشفيات المتخصصة لتكملة علاجهم". الدكتور أنور يضيف "منذ اليوم الذي تمكنت فيه من إسعاف شخص في الخطوط الأمامية للمواجهات تعرض للقنابل السامة، وأنا مصمم على إكمال رسالتي وهي مساندة شباب ساحة التحرير". ولم تختلف عنه الدكتورة شهد عدنان (28 سنة) التي التحقت بالوحدة الطبية التي يديرها القعود إذ أكدت أن الدافع الإنساني والوطني دفعاها للالتحاق بهذا العمل التطوعي، لمساندة من تسميهم "الثوار" في مطالبهم. وأكدت أنها لا تشعر بالخوف من أي تهديد قد يطالها لا سيما بعد اختطاف المسعفة صبا المهداوي، لأنها تشعر بالأمان من خلال تواجدها في ساحة التحرير.

 

 

الطعام والامن الذاتي

ما أن تنتهي من التجوال حول المفارز الطبية حتى يلفت نظرك الطعام المجاني الذي يوزع على كل الموجودين في الساحة. قالت لي شيماء جبار (42 سنة) "المواكب تزودنا بالمواد التي تصل من تبرعات الناس من مختلف مناطق بغداد والمحافظات، ونحن نقوم بتحضير الطعام إذ يبدأ عملنا منذ التاسعة صباحاً وينتهي مع توفير وجبة العشاء للمتظاهرين". شيماء جبار ترى أن ما تقدمه شيء بسيط مقارنة بالتضحيات التي بُذلت وتتابع" ما زلت أطالب بمستقبل أفضل لأولادي، ولا بد من مساندة الثوار لغاية تحقيق مطالبهم". ومع هذا التواجد الكثيف للناس بساحة التحرير وبهدف الحفاظ على الأمن، وضعت مفارز تطوعية عملها تفتيش الداخلين للساحة. فقد قال عبد الرحمن مؤيد (20 سنة) "هدفنا هو محاولة إبعاد كل ما يشكل خطراً على الناس". التنظيم في الساحة شمل أيضاً عمليات تنظيف مستمرة، تقوم بها شابات من مختلف الأعمار. لارا (20 سنة) قالت لنا إنها قادت اعتصاماً في مدرستها وهي الآن تعمل بتنظيف ساحة التحرير منذ ساعات الصباح لغاية ساعات الظهيرة.

المطالب الخاصة

ساحة التحرير دفعت بالناس لترفع مطالبها الخاصة التي لم تغب عن هموم الوطن الذي أرهقته سنوات الحرب وفساد الطبقة السياسية. فقد رفعت "فوزية شهيد عبدالله (50 سنة) لافتة تطالب فيها بالكشف عن مصير زوجها المخطوف منذ عام 2011، والذي عمل لأكثر من ثلاثين سنة في الدولة ولم يسترد حقوقه ولم يعرف مصيره حتى الآن. دموع فوزية شهيد امتزجت مع دموع وصيحات موكب لتشييع الضحايا الذين سقطوا في مواجهات على جسري "الجمهورية" و"الشهداء"، إذ وقف الناس دقيقة صمت مع مرور الموكب.

وما أن تترك الموكب ليقطع طريقه وسط جموع الناس حتى يلفت نظرك شاب" مدجج" بمختلف أدوات الإسعافات الأولية. عون حافظ جاسم (22 سنة) يعرف نفسه بـ"المنقذ" ويقول"مع بدء الثورة كنا نتمكن من علاج حالات الاختناق التي تسببها القنابل المسيلة للدموع وقنابل الغاز، وذلك بشراب "البيبسي" والخميرة، وكنا ننجح في ذلك. لكن مع تغيير نوع القنابل التي تستخدمها قوات مكافحة الشغب، بدأ إنقاذ المصابين أشبه بالمستحيل. فنوع الإصابات أصبحت اكثر صعوبة واغلبها مميت ومع ذلك عون سيبقى يساند بعناد "الثوار".

حكومة انتقالية

شباب التحرير اتفقوا على مطالب تتمثل باستقالة الحكومة، وتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة وتعديل قانون الانتخابات، كما طالبوا بتشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات، وتفعيل قانون الأحزاب لكشف مصادر تمويلها، ومنع وجود السلاح في يدها. وهذا ما أكده سيف أحمد (20 سنة) الطالب في كلية الإدارة والاقتصاد والمشارك في المظاهرات منذ أيامها الأولى، سيف يريد إعادة كتابة الدستور، ومحاسبة المسؤولين كافة وإلغاء مجالس المحافظات والمجالس البلدية.

وما إن تغادر "التحرير" حتى يقع نظرك على شموع أوقدها الوافدون ونسخ من القرآن الكريم وضعت مهداة لأرواح الذين قتلوا، هذا ما ذكره لنا عدنان تركي نعمة (40 سنة) الذي كان مشغولا بإيقاد الشموع، موضحاً انه فقد أعزاء له في هذه "الثورة" قدموا أرواحهم من اجل إيصال صوتهم وانه مواظب على متابعة مسيرتهم.

تغادر الساحة وأنت مقتنع بانك غادرت مدينة فاضلة تضم أفراداً من مختلف الطوائف والخلفيات الاجتماعية، يجمعهم هدف واحد هو مستقبل جديد للبلد.