مساءلة الشعراوي في عصر السوشيال ميديا

تعليق عابر لابنة الفنان شريف منير يجدّد الجدل حول "إمام الدعاة"... والأزمة تصل إلى البرلمان المصري

الشيخ محمد متولي الشعراوي فتح نقاشا واسعا في مصر حول "قدسية الرموز الدينية" (مواقع التواصل الاجتماعي)

أغلب الظن أن "فضيلة" الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي، الذي لقبه مصريون بـ"إمام الدعاة" لفرط شعبيته وكثرة معجبيه وصلابة مريديه، هو أكثر من يستدعي التفكير مرتين وثلاثا وأربعا قبل تفكير أحدهم بالتطرق إلى حياة الشيخ أو تفسيره للقرآن الكريم أو أسلوبه أو آرائه أو مواقفه.  

عالم الدين ووزير الأوقاف السابق وأحد أشهر من فسّر القرآن الكريم في العصر الحديث انتقل بعد وفاته في عام 1998 من عالم دين ومجتهد فذ في تفسير القرآن ومبدع متفرد قادر على الغوص في أغوار اللغة العربية إلى "وليّ" من أولياء الله ورمز غير قابل للانتقاد أو التساؤل، ناهيك بالمساءلة أو المعارضة فيما يختص باجتهاده أو تفسيراته، أو حتى مواقف لا علاقة لها بالدين اتخذها أثناء حياته.

"هبد" ليبرالي و"رزع" إسلامي

ولأن سمة الحياة اليومية هذه الأيام في مصر صارت خليطا من "الهبد" الليبرالي مع "الرزع" الإسلامي على أثير العنكبوت، ومنه إلى الشوارع واستوديوهات التلفزيون وجلسات المقاهي والتجمعات، فإن التدوينات التي ظنت المذيعة وابنة الممثل شريف منير "أسما" أنها نقاش عادي بينها وبين عدد من أصدقائها ومتابعيها على "فيسبوك"، تحول صراعاً عقائدياً ومواجهات أخلاقية وانتقامات تراثية وتهديدات بقلب الدنيا وعدم تركها تقعد إلا بعد إما دحض الشيخ بمواقفه وتفسيراته تماماً، أو إطاحة كل من يتجرأ ويناقش مواقف الشيخ.

مواقف المشايخ ومسيراتهم وأثرهم في الشارع المصري صارت نقطة خلافية عميقة تستدعي تدخل القضاء حيناً والشرطة أحياناً وردود الفعل الشعبية المبالغ فيها دائماً. هذه المرة كتبت أسما منير على صفحتها على "فيسبوك" تسأل أصدقاءها ومتابعيها لترشيح أسماء شيوخ يمكن الأخذ بفتاواهم وآرائهم، لأنها لا تثق في غالبية الدعاة الذين تعرفهم "لأن فتاواهم ومعلوماتهم تكون عادة مغلوطة".

نيران في "فيسبوك"

فما كان من نسبة كبيرة من متابعيها إلا أن اقترحوا عليها اسم الشيخ الشعراوي، لكنها أبدت تحفظها بسبب آراء سمعتها من تسجيلات عدة تبث له، واعتبرتها "متطرفة". وكتبت، وهي لا تدري أنها بهذه الكلمات تشعل النيران وتؤجج الحروب وتضرم النيران في جنبات "فيسبوك"، ومنه إلى "تويتر"، ومنهما إلى الشارع والتلفزيون، "طول عمري كنت أسمعه زمان مع جدي الله يرحمه، ولم أكن أفهم كل ما يقول. حين كبرت شاهدت عدداً من الفيديوهات، ولم أصدق نفسي من كثرة التطرف. سمعت كلاماً لم أتمكن من استيعابه لفرط التطرف". وأنهت كلماتها وهي تعد من تحدثه بأنها ستبحث عن الفيديوهات التي تقصدها وتشاركه إياها.

لكن الحرب الشعواء كانت أسرع منها، والسب والشتم كانا أقوى من كلماتها، والمطالبة باستتابتها لم تكن في الحسبان، وتحويل الأمر وكأنه حرب ضد الإسلام والمسلمين أشعل جنبات مصر عنكبوتياً وواقعياً. الكم المذهل من "إيموجي" الغضب والحزن والتهديد والوعيد لم يتوقف عند حدود الافتراض، إذ قفزت التدوينة من أثير العنكبوت المحدود وتحولت "ترند"، ومنه إلى صفحات الصحف ثم برامج التلفزيون، وبعدها استقرت في كل بيت في مصر والدول المجاورة وغير المجاورة.

معادلة كيمياوية معروفة

ومن يجاور المجتمع المصري يعرف أن ما فعلته منير وما فُعل بها بعد ذلك كانا أقرب ما يكونا إلى المعادلة الكيمياوية معروفة النتائج. يخبرنا الكيمياويون عن بيروكسيد الأسيتون أو "أم الشيطان"، هذا المركب الكيمياوي الذي يتم تحضيره بسهولة شديدة ويتم تفجيره بسهولة أكبر. ويقال إن غرامات قليلة منه كفيلة باقتلاع أصابع الشخص لو لم يتعامل معه بقدر بالغ من الحرص والحذر.

انفجر مركب "أم الشيطان" وما زالت آثاره تتطاير في وجوه الجميع منذ ظهرت تدوينة أسماء منير. هذا ما يحدث حين يتجرأ أحدهم، لا سيما من غير المنتمين للتيارات الإسلامية أو من غير المندرجين مظهرياً للتيارات الإسلامية، ويتناول رجل دين بالتشكيك أو المعارضة أو الاتهام أو حتى الانتقاد.

 

سارعت أسماء منير إلى الاعتذار العلني والتحجج بأنها لم تكن تقصد ما قالته أو لم تكن تعي معنى ما كتبته أو أنها لم تكن تدرك فداحة ما لم تقصده. ظهرت في التلفزيون باكية، أغلقت صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تدخل والدها لإنقاذ ابنته لا سيما وأن الأمر وصل إلى درجة تهديدها بالقتل لأنها تحاول "النيل من ثوابت الأمة".

شخصيات شبه هستيرية

مدرس الطب النفسي، الدكتور شريف شاكر، يقول إن المبالغة في ردود الفعل، ومنها قيام أشخاص بتنصيب آخرين باعتبارهم ثوابت لا يجوز انتقادها أو مساءلتها أو تحليل حديثها أو مؤلفاتها، ربما يكون سببها درجات مختلفة من مرض اضطراب الشخصية التمثيلي أو اضطراب الشخصية شبه الهستيري. ويضيف "هؤلاء الأشخاص معروفون بالمبالغة في إظهار العواطف سواء الإيجابية أو السلبية. وقد يصل بهم الحال إلى التصرف كالأطفال في محاولة لتبرير هذه المشاعر المبالغ فيها وغير المنطقية أو للفت انتباه الآخرين. وعادة يسهل تأثرهم بآراء الآخرين فيسلمون تماماً أو يرفضون كلية دون تفكير ما يسمعون من آخرين. وهم شديدو الحساسية تجاه من ينتقدهم ولو بحسن نية أو دون تجريح. ولأنهم لا يستطيعون التعمق كثيراً في النقاشات أو الإبحار في القراءة والمعرفة، فإن السطحية تهيمن على حديثهم ولا يميلون، أو بالأحرى لا يتمكنون، من إمداد الآخرين بقدر من التفاصيل لإقناعهم بما يقولون".

ويشير شاكر إلى أن هذه الاضطرابات في الشخصية ليست بالطبع حكراً على أشخاص ينتمون لفكر أوأيديولوجيا بعينها دون غيرها، "لكن الملاحظ أن تسليم البعض عقله وفكره تماماً لأشخاص يتمتعون بكاريزما فكرية أو كلامية أو حتى شكلية في السنوات القليلة الماضية مؤشر على اضطراب ما".

اضطرابات ردود الفعل

وبعيداً عن الاضطرابات النفسية وعلى مرمى حجر من اضطرابات ردود الفعل، تحولت أسما شريف منير بين تدوينة وضحاها إلى الاسم الأكثر بحثاً على "غوغل"، ثم أصبحت هاشتاغات "الشعراوي رمز مصر" و"الشعراوي خط أحمر" و"الشعراوي إمام الدعاة" أشبه بالحروب المقدسة التي يكاد يسمع صوت اصطكاك سيوفها في جنبات مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فورة الإسلاميين وغير الإسلاميين من المصريين ممن باتوا ينظرون إلى الشيخ الراحل، منذ ظهوره في منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى قبل وفاته، باعتباره رمزاً غير قابل للمساس ولو من باب التحليل أو الانتقاد، تقابلها هبة من قبل الليبرالييين والعلمانيين والرافضين للمزج المستمر بين الدين من جهة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم وتفاصيل الحياة اليومية من جهة أخرى.

وعلى مدار الأيام القليلة الماضية، ومنذ تفجر أزمة الشيخ الراحل والمذيعة الحالية، أصبح الدفاع عن الشيخ الراحل ونعت كل من تسول له نفسه انتقاده أو مراجعة آرائه أو توجيه اللوم له على مواقف اعتبروها "مكفّرة" للمسيحيين واليهود، و"محقرّة" للمرأة، ورافضة للتبرع بالأعضاء والعلاج في المستشفيات، والجهاد في سبيل الدين وليس البلاد وغيرها مهمة الكثيرين.

نيران المطالبات

الكثيرون الواقفون على الجبهة المقابلة تحينوا الفرصة كذلك وفتحوا نيران المطالبات بالتوقف عن ترهيب الناس بفزاعة تكفير منتقدي رجال الدين، وفتح أبواب إعمال العقل وترجيح الفكر دون حمل هموم التكفير والتنمر والسب والشتم والوصم بهدم الدين ومعاداة المتدينين.

أحمد فاروق (22 عاماً) يعمل في كشك سجائر وحلويات يملكه عمه. فاروق أتم عامه الأول وقت وفاة الشيخ الشعراوي. وشأنه شأن ملايين المصريين يعرف الشيخ من خلال صوته الصادر عن أحاديثه المسجلة التي ما زال التلفزيون المصري يبثها بعد صلاة الجمعة، وكذلك عبر دعاء ما بعد الأذان في بعض القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية، بالإضافة إلى خدمات الرنات المدفوعة على الهواتف المحمولة حيث مئات الأدعية ومقتطفات من الأحاديث بصوته لمن يريدها رنة.

يقول فاروق "أقسم بالله لو سمعت شخصاً يشتم (الشيخ) الشعراوي لأضربه وأكسر له ضلعاً". بسؤاله عن السبب، قال "أنا مسلم ومن يمس ديني أقطعه إرباً". فاروق الذي يعترف بأنه مقصّر في الصلاة بسبب طول ساعات العمل، بل ويقرّ بأنه لم يسمع للشيخ الراحل حديثاً كاملاً لأن يوم الجمعة إجازته فيخرج مع أصدقائه، يضع صورة الشيخ الشعراوي أعلى الكشك جنباً إلى جنب مع علامة شركة المشروبات الغازية راعية الكشك والبراد.

المساس مرفوض

فاروق لا يمثل وحده فئة المدافعين عن رجال الدين، وعلى رأسهم الشيخ الراحل الشعراوي، ضد الانتقاد بغض النظر عن فحوى النقد أو غايته أو مصدره. أستاذة الكيمياء العضوية في إحدى الجامعات الخاصة الدكتورة رضوى مختار تقول إن المساس برجال الدين غير مسموح من قريب أو بعيد. "ها نحن نمضي قدماً في هدم كل الثوابت والقواعد، أمس المتدينين واليوم ثوابت الدين وغداً الدين نفسه".

وفي المقابل، وببالغ الحذر وفي دوائر مغلقة، تقول الصحافية دينا م. (53 عاماً) إنها لا تحب الشيخ الراحل منذ نعومة أظافرها، "كنت طفلة عندما بدأ يهيمن على أدمغة المصريين. بدأ بالبسطاء، ثم دخل على متوسطي الحال اقتصادياً وتعليمياً، ثم تُركت له الساحة خاوية ليغزو كل الأدمغة وكأنها خطة لتديين المجتمع".

وفي سياق مشابه، يقول المهندس المعماري شادي (48 عاماً) إن ما يحدث حالياً من قبل قطاع عريض من المصريين هو إرهاب فكري. "الجمود الذي ضرب المجتمع المصري على مدار نحو نصف قرن ينفجر في وجوهنا الآن. اختلاف الأفكار كفر، وانتقاد الآراء فسق، والتعبير عن التشكك في فتاوى رجس. لكن الجيد هو تحريك المياه الراكدة بين الحين والآخر".

مياه راكدة

يشار إلى أن المياه الراكدة نفسها تحركت قبل عامين بالتمام والكمال. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، قالت الإعلامية فريدة الشوباشي في برنامج تلفزيوني إنها لا تحب (الشيخ) الشعراوي لأنه "طعنها" في إحساسها الوطني عندما قال إنه سجد لله شكراً على هزيمة مصر في عام 1967، مذيلة كلامها بقولها "أنا مابحبش الشعراوي. أنا حرة".

"الحرية في مجتمع سيطر عليه الفكر الديني بهذا الشكل الذي يقدس الأشخاص في دين أكد مراراً وتكراراً أنه لا قدسية للأفراد فيه لا مجال لضمان حرية التعبير أو التحليل فيه. والحقيقة أن الدولة تقف مكتوفة الأيدي، لو نفينا عنها شبهة مستمدة من مقولة إن السكوت علامة الرضا، أمام ترهيب المتدينين الجدد للراغبين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم"، حسبما يشير مصطفى عبد الحميد (28 عاماً)، والذي يعد أطروحة دكتوراة عن الحريات الدينية في ثلاث دول عربية، بينها مصر، في جامعة بريطانية.

يشار إلى أن دار الإفتاء المصرية سارعت إلى تحميل فيديو على صفحتها عقب كلمات الشوباشي وكتبت تحته "لن تحزن بعد اليوم، الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، مقطع يُبكي القلب". ويظهر الفيديو الشيخ مردداً الحيدث القدسي " يا ابن آدم، لا تخافن من ذي سلطان، ما دام سلطاني باقياً، وسلطاني لا ينفد أبداَ، يا ابن آدم لا تخشى من ضيق الرزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا، يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وضمنت لك رزقك فلا تتعب، فوعزتي وجلالي إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً.  يا ابن آدم إن لم ترضَ بما قسمته لك، فوعزتي وجلالي لأسلِّطن عليك الدنيا، تركض منها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً".

حرب أهلية افتراضية

الكاتب الصحافي وائل لطفي الذي ألف عدداً من الكتب عن الدعاة الجدد وتكوين الدواعش، قال إن الشيخ الراحل الشعراوي حالة فريدة. "هو أول رجل دين يظهر في قالب مختلف شكلاً وموضوعاً. كما أنه أول الدعاة الجدد. وظف اللغة العربية بطريقة فريدة لتبسيط وشرح المعاني وأحكام الآيات القرآنية للعامة، وذلك بلهجة ريفية قريبة إلى الأغلبية وجلسة أشبه بجلسة المصاطب في القرى والأماكن الشعبية ومرتدياً جلباباً عادياً كالذي يرتديه الملايين من البسطاء. وقد حقق برنامجه شهرة واسعة ومشاهدة كبيرة جداً بمقاييس الثمانينيات وقت ظهوره على الشاشات".

ويضيف لطفي أنه بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود على وفاة الشيخ، إلا أن حلقاته ما زالت تذاع بشكل مستمر على شاشة التلفزيون المصري الرسمي، بالإضافة إلى الملايين من المشاهدات على "يوتيوب".

ولا يفصل لطفي بين ما يجري في مصر حالياً من شد وجذب مكتومين حيناً وزاعقين أحياناً بين مريدي الشيخ الراحل ومنتقديه. ويلفت إلى ضرورة فهم البيئة السياسية التي ظهر فيها الراحل، "إذ كان جزءاً من سياسة دولية لمقاومة الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط، بإيعاز أميركي تلخص في إيجاد داعية على شاكلة المبشر المسيحي الأكثر تأثيراً في القرن العشرين، بيلي غراهام".

ويضيف لطفي أن الشعراوي ظهر في بيئة أقرب ما تكون إلى الفراغ الديني، حيث لم يكن هناك وجود إلا لرجال الدين المحسوبين على الدولة. "لذلك سُمِح له وحده بالتحلل من أعباء الأعباء الرسمية التي تحتم التزام رجال الدين خط الدولة السياسي وما يعنيه ذلك من التزام في الفتاوى والآراء الدينية بالخط العام للنظام السياسي. لذا لم يطلب منه تأييد رسمي أو مباشر، فاكتسب شعبية ومصداقية من نوع جديد لدى العامة".

ويرى لطفي أن الشيخ الشعراوي من مؤسسي منهج التدين المعتمد في جانب كبير منه على التسليم دون نقاش والاعتماد على الشكل، وهو ما يمثل تخفيفاً وتحرراً من أعباء الالتزام بالدين الفعلي. ويضيف أن الشيخ الراحل أسس كذلك شبكات مصالح اجتماعية واقتصادية، إذ تمكن من أن يكون رمزاً من رموز ربط رجال الأعمال من أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية بأعمال الخير، وهو ما جعل البعض منهم (رجال الأعمال) يضعه في مقام أصحاب الكرامات والأعمال الخارقة.

ويرى لطفي "الهوجة" الحالية من الدفاع المستميت عن الشيخ الراحل ضد الانتقاد ومحاولات البعض كسر جمود الخطاب الديني عبر فتح أبواب الاجتهاد والانتقاد بأنها أدلة دامغة على حجم الاستقطاب في المجتمع المصري، بالإضافة إلى الضيق الرهيب لهامش قبول الآخر المختلف في التوجه وقواعد الحوار دون ترهيب أو تجريح أو تكفير.

إيلام الآخر

"ما يجري حالياً في شأن انتقاد الشيخ الراحل والدفاع عنه هو حلقة من حلقات الحرب الأهلية الدائرة رحاها على السوشيال ميديا، والتي تخمد حيناً ثم تنشط، ليقوم كل طرف بمحاولات مستميتة لإلحاق أكبر قدر من الإيلام بالطرف الآخر، وذلك في ظل سدة سياسية عميقة حيث لا وجود فعلي للأحزاب، وانغلاقة تعبيرية سحيقة حيث وضع أبعد ما يكون عن المثالي في الإعلام".

المثير هو أن أعضاء برلمانيين أخذوا على عاتقهم مهمة التعبير عن الاستياء والمطالبة باتخاذ خطوات قانونية لمنع الإساءة للشخصيات التاريخية والرموز العامة المصرية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قال النائب إسماعيل نصر الدين إنه سيتوجه ببيان عاجل للبرلمان بخصوص الإساءة للشخصيات الدينية والرموز المصرية، وأنه سيطالب بضرورة تطبيق القانون الذي يجرم الإساءة للشخصيات العامة.

يشار كذلك إلى أن البرلمان المصري كان قد ناقش قبل عامين مشروع قانون بحظر الإساءة للشخصيات العامة التي يرد ذكرها في الكتب والوثائق الرسمية، وذلك بالغرامات المالية والحبس.

كما يشار إلى أنه تم اختيار كلمات قالها الشيخ الشعراوي بصوت يبدو عليه الوهن والمرض الشديدين في أواخر حياته ليتم بثها مراراً وتكراراً على مدى أشهر في أعقاب ثورة 30 يونيو (حزيران)، التي أسقطت حكم جماعة الإخوان المسلمين بإرادة شعبية. تقول الكلمات "علينا أن نتنبه جيدا إلى ما يراد بنا من كيد وما يراد بنا من شر. مصر الكنانة، مصر التي قال عنها رسول الله أهلها في رباط إلى يوم القيامة. مصر التي صدرت الإسلام للدنيا كلها. هي التي صدرت لعلماء الدنيا كلها علم الإسلام، صدرته حتى للبلد التي نزل بها الإسلام. إنها مصر".