جدران بيروت توثّق ثورتها... الفن خارج القيود

للبيئة مكانتها والنشاطات الفنية في الساحة تمنح التظاهرات متعة نضالية مختلفة

تعتبر الفنانة أبو علوان أنها برسومها تستطيع إيصال صوت الحياة لتكون أكثر ألواناً وتناغماً (اندبندنت عربية)

في لبنان، وسط غضب الانتفاضة الشعبية من السلطة الحاكمة، يبرز جانب فني في ساحات النضال، حيث تصدح الصيحات المنددة بالحكام. وفي أوقات تراجع الزحمة في الساحات، تبرز بصمات الفنون التشكيلية لترسّخ مشهدية "الفن الثوري" وتتحوّل الجدران إلى لوحات فنية، تحمل مطالب المتظاهرين ورسائل سياسية.

الفنانة التشكيلية تمارا أبو علوان اختارت قاعدة تمثال الشهداء لتعبر عما عبّر عنه الثوار في صيحاتهم وهتافاتهم، من خلال رسوم "غرافيتي"، معتبرةً ما تقوم به "ثورة ثقافية بعيداً من السياسة والدين وأي شيء على علاقة بالخوف والقتل الذي عشناه لسنوات، نريدها ثورة فن، لا قتل ولا دماء ولا تكسير".

وترى أبو علوان أنها برسومها، تستطيع إيصال صوت الحياة التي نريد أن نحياها لتكون أكثر ألواناً وتناغماً، قائلةً "اخترنا الرسم عند تمثال الشهداء لأننا كفنانين، كنا نعتقد دائماً بأنه من الصعب جداً أن نتمكن من الخروج والرسم في الشوارع، فهذه الشوارع لنا، وفي أي مكان في بيروت، نحتاج إلى إذن لنتمكن من الرسم. شخصياً، لا أرى سبباً لمنعنا من الرسم الذي يجمّل المكان". وتعترف بأن الرسم على الجدران ممنوع في كل بلدان العالم، لكنها تسعى إلى تحويل الفن إلى إنجاز، "يمكننا التفكير في أن يكون لبنان البلد الوحيد الذي حصلت فيه ثورة ثقافية، لم تحصل في العالم".

نبض الفن الثوري

يقول الناشط رياض الكردي إن حرية الرأي والتعبير، فجرت داخل كل إنسان إمكانية عكس أفكاره بطرق وأساليب عدة. وهذا ما حوّل ساحتَيْ رياض الصلح والشهداء إلى معرض واسع من مختلف أنواع الفنون التعبيرية، ولا سيما الرسوم التي غزت الجدران وافترشت الأرض بألوان وأشكال تعطي الثورة نبضاً فنياً، بعيداً من ثقافة الموت والكراهية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يضيف أن جيل الشباب بحاجة إلى مساحة للتعبير عن نفسه، وقد وجد في هذه الساحات فسحة وهدفاً سامياً يعبر فيهما عن المواطنة والحب للازدهار والتطور، ويقدم نموذجاً جديداً ومدرسة دمج للفن والعمل السياسي والنضالي ويبرز أهمية تكامل عناصر المجتمع بمختلف أطيافه وانتماءاته وطاقاته.

للبيئة ثوارٌ أيضاً

للبيئة مكانتها في الفكر الثوري الجديد، وفق تعبير الناشط الاجتماعي والمهندس البيئي إيلي الصايغ، الذي يرى أن التلوث وصل في لبنان إلى درجات قياسية بسبب فشل السلطة الحاكمة في إيجاد حلول للنفايات وتلوث الأنهار وارتفاع جبال النفايات على مدخلَيْ بيروت الجنوبي والشمالي. وهو لهذه الغاية، دمج اختصاصه البيئي وهواياته الموسيقية واستقدم لوحات لتحويل الطاقة الشمسية إلى إنتاج الطاقة الكهربائية وتزويد المعدات الموسيقية بالكهرباء من الطاقة الصديقة للبيئة، في إشارة إلى أن الثورة والفن والبيئة مسارات متلازمة.

ويؤكد الصايغ أن النشاطات الفنية في الساحة تمنح التظاهرات متعة نضالية مختلفة، وهي لا تخرجها عن الهدف السياسي، إنما تبرز ثقافة الحب والفرح التي تعبّر حقيقة عن الشعب اللبناني وهو أمر لا نراه في التظاهرات الحزبية.

ثورة تشبه الشعب

في هذا السياق، يمكن لمس ثقافة هذه الانتفاضة الشعبية، وكم هي تشبه لبنان بكل تناقضاته، بانتظامه وفوضويته، بهدوئه وثورته، بمثقفيه ومناضليه. فاليساريون في ساحات النضال، استرجعوا حنين البروليتاريا، واليمينيون وضعوها في خانة استفاقة لـ"الدولة العميقة" التي تشكل الكيان اللبناني الأصيل. فكل لبنان حاضر في كل الساحات وكل ساحة تركت بصمات ثقافتها، وليست صدفة أن تبرز طرابلس التي لُقّبت بـ"عروس الثورة"، حقيقة شعبها الحي الذي ألصقت البروباغندا القذرة صفة الإرهاب بأبنائه، وليس غريباً أن تتفاعل صيدا عاصمة الجنوب بفعاليات رمزية، أعادتها إلى قلب خريطة الحياة والحراك الوطني. وكذلك في الجنوب، حيث براعم الانتفاضة على قوى الأمر الواقع، كانت الصدمة الإيجابية بانخراط مكوناته إلى جانب مكونات أخرى، كسرت المحظور والمستحيل وخلعت النمطية المتطرفة التي خطفت الجنوب والبقاع وأبناء جبل عامل إلى حيث لا يريدون.