هل يصبح خام "مربان" الإماراتي من النفوط القياسية العالمية؟

وجود نفط ذي نوعية شبه ثابتة من مصدر آمن وموثوق في سوق تتمتع بالشفافية يغري المشترين بالالتزام به على المدى الطويل

ناقلات نفط قبالة سواحل الإمارات (رويترز)

قرر المجلس الأعلى للبترول في أبو ظبي، والذي يتولى رسم السياسات والاستراتيجيات لقطاع النفط في الإمارة، تغيير تسعير نفط "مربان" الإماراتي، بحيث يعكس المستقبل بدلا من الماضي: إدراج عقود مربان في الأسواق المستقبلية وجعله مؤشراً قياسيا لبعض نفوط الخليج في الأسواق الآسيوية. وهذا يختلف عن الماضي، حيث تم التسعير بسعر معلن بناء على الأسعار في الفترات السابقة.

وستقوم شركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك" بإجراء مباحثات مع كافة الأطراف المعنية، بما في ذلك العملاء والشركات الاستشارية والتسعير، للوصول إلى الطريقة المثلى لآلية تسعير نفط "مربان" في الأسواق الآجلة، بما يحقق مصالح جميع الأطراف، ويجعل نفط "مربان" أكثر كفاءة وتنافسية، على أن يتم الطرح في بورصة مستقلة في منتصف عام  2020. وهدف هذا التغيير جعل خام "مربان" نفطيا قياسياً، كما هو الحال مع خامي برنت وغرب تكساس.

النفوط الأساسية

خام برنت

يعد خام برنت من أهم النفوط القياسية (أو المرجعية، أو المعيارية، حسب بعض الترجمات) في العالم. ونفط برنت عبارة عن مزيج نفطي من 15 حقلا مختلفا في بحر الشمال في المياه البريطانية والنرويجية. وتنتجه كبرى الشركات العالمية مثل "أكسون موبيل" و"شل" و"شيفرون" وشركة النفط البريطانية "بي بي".

وخام برنت خفيف لأن وزنه النوعي 38 درجة، و"حلو" لأن نسبة الكبريت فيه منخفضة وتصل إلى 0.37 في المئة. يستخدم خام برنت كمعيار (أو كمرجع) لتسعير نحو 60% من إنتاج النفط العالمي، بخاصة في الأسواق الأوروبية والأفريقية؛ لذلك فإن إشراف حقوله على النضوب سيشكل مشكلة كبيرة لتجار النفط الذين بدؤوا يبحثون عن بديل للتسعير.

خام غرب تكساس

يستخدم خام غرب تكساس كنفط قياسي في تسعير الخامات الأخرى، بخاصة في أميركا الشمالية، أكبر سوق للنفط في العالم. ونقطة التسعير هي مدينة "كوشينج" في ولاية أوكلاهوما الأميركية، كون هذه النقطة مركز تقاطع لمجموعة كبيرة من أنابيب النفط التي تمكن من نقل النفط إلى مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الموانئ الأميركية، ومن ثم إلى أي مكان في العالم. كما أن جزءا من صادرات النفط الكندية ينتهي في "كوشينج" أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتميز خام غرب تكساس بخفته لأن وزنه النوعي 39.6 درجة، وبحلاوته بسبب انخفاض نسبة الكبريت فيه إلى 0.24 في المئة، ونظراً لجودته فإنه المصدرالأساس للبنزين في الولايات المتحدة.  وكما يدل اسمه فإن أغلبه ينتج في غرب ولاية تكساس الأميركية. ومشكلة هذا النفط أن ثورة النفط والغاز الصخريين غيّرت من نوعيته، حيث أصبح أخف وأكثر حلاوة، حيث إن الوزن النوعي ارتفع إلى 42 درجة، وأحيانا أعلى من ذلك، الأمر الذي حصر أغلب استخداماته في إنتاج النافثا والبنزين.

خام دبي

كان خام دبي العقد النفطي الوحيد، ولفترة طويلة من الزمن، الذي تتم التجارة فيه في الأسواق الفورية، ثم والمستقبلية في الشرق الأوسط، وتنتجه دبي. وهو من الخامات القياسية التي تستخدم في تسعير النفط من الخامات الأثقل والأكثر حموضة في الخليج والتي تصدّر للدول الآسيوية. ويتم تداوله في بورصة دبي المدعومة من بورصة نيويورك. فهو من النوع المتوسط الحامض، وأقرب إلى أغلب نفوط الخليج، حيث يبلغ وزنه النوعي 31 درجة، وترتفع فيه نسبة الكبريت لتصل إلى 2% تقريبا. وتنبع أهمية خام دبي في أنه متاح للبيع بشكل حر، مقارنة بالنفوط الأخرى التي تباع وفقا لعقود بين البائع والمشتري مباشرة ولها طريقة خاصة في التسعير. 

خام عمان

تم إضافة خام عمان إلى خام دبي كثاني نفط شرق أوسطي يباع في السوق الفورية والمستقبلية في عام 2007. وأصبح خاما دبي وعمان، في بورصة دبي، المرجع الأساس لتسعير بقية النفوط الخليجية. والنفط العماني من النوع المتوسط الحامض، إلا أنه أخف من نفط دبي، مما يعطيه علاوة سعرية.  يبلغ وزنه النوعي 34 درجة، بينما نسبة الكبريت فيه عالية مثل نفط دبي بنحو 2%.

خام مربان

تم الإعلان عن تحويل خام مربان إلى خام قياسي في بداية هذا الأسبوع، وسيبدأ التداول فيه في منتصف عام 2020. والسؤال هنا: هل هناك حاجة إلى نفط قياسي آخر في ظل وجود خامين قياسيين "دبي" و"عمان"؟ الجواب: نعم، هناك حاجة ماسة له لأن خامي دبي وعمان مقياسان للنفوط المتوسطة الحامضة، ولكن ليس هناك مقياس للنفوط الخفيفة في المنطقة.  من هنا تنبع أهمية مربان، فهو نفط حفيف ذو وزن نوعي يبلغ 40 درجة، وهو نفط حامض نسبيا، حيث تبلغ نسبة الكبريت فيه 0.74%، ولكنها أقل بكثير من نسبة حموضة خامي دبي وعمان، التي تبلغ نحو ثلاثة أضعاف ذلك. لهذا فهو نفط مرغوب في الأسواق الآسيوية، ويمكن أن يستخدم في تسعير نفوط الخليج الخفيفة.

يذكر أن تسمية الخام بـ"مربان" تعود إلى اسم الحقل الذي ينتجه، وهو حقل بري يقع غرب أبو ظبي، ذو احتياطيات كبيرة تتجاوز 10 مليارات برميل، ويصل إنتاجه إلى 1.7 مليون برميل يوميا.

ماذا تستفيد شركة بترول أبو ظبي من جعل مربان نفطاً قياسيا؟

تستطيع الشركة تحصيل أسعار أفضل، مما يعزز الربحية والعائد الاقتصادي، ويعطيها قدرة على التحكم في التسعير عن طريق تغيير الإنتاج، كما يخفض من سيطرة الدول المستهلكة، مثل الصين، على التحكم في التسعير. كما أنه يعزز من تنافسية هذا النفط الإماراتي، ومن شفافية التعامل فيه في البورصة التي سيتم طرحه فيها. بعبارة أخرى، وجود نفط ذي نوعية شبه ثابتة من مصدر آمن وموثوق في سوق تتمتع بالشفافية يغري المشترين بالالتزام به على المدى الطويل.

ويمكن اختصار مزايا خام مربان وعقوده المستقبلية في النقاط التالية:

1- النفط القياسي الوحيد في منطقة الخليج الذي سيستخدم في تسعير صادرات النفط الخفيف إلى الدول الآسيوية.

2- منافس حقيقي لخامي برنت وغرب تكساس من حيث النوعية

3- يباع في الأسواق الآسيوية التي يزيد فيها الطلب على هذا النوع من النفط

4- له احتياطيات كبيرة، وبهذا يمكن أن يستمر في التسعير لفترة طويلة، على عكس خام برنت الذي شارفت احتياطياته على النضوب وبدأت نوعيته تتغير بسبب البدائل المختلفة، وعلى عكس خام غرب تكساس الذي أصبح أخف وأحلى بسبب إنتاج النفط الصخري في غرب تكساس.

5- يباع في السوق المفتوحة، على خلاف النفوط الأخرى في المنطقة التي تباع عبر عقود.  

6- يمكن إعادة بيعه، على خلاف الشروط التي تضعها الشركات الخليجية في عقودها مع العملاء التي تمنع إعادة البيع.

7- يصدر عبر الفجيرة، وبالتالي يتجاوز مضيق هرمز. الأمر الذي يخفف من المخاطر السياسية مقارنة بغيره من النفط الأخرى في المنطقة.

السؤال الأخير

تكرر هذا السؤال عدة مرات: لماذا هناك نفوط قياسية مثل برنت وغرب تكساس ودبي وعمان، وتذكر في وسائل الإعلام باستمرار، بينما لا يوجد نفوط قياسية سعودية أو كويتية مثلا؟

أولاً: وجود نفوط قياسية من عدمه لا يعني شيئا من ناحية النوعية أو الأهمية على الإطلاق.

ثانيا: دولة مثل السعودية تبيع نفطها عبر عقود مع عملاء تاريخيين على مدى سنوات وعقود. ولا حاجة لها للبيع في الأسواق الفورية أو المستقبلية. النفوط القياسية أو المعيارية هي مقياس للنفوط التي تباع في الأسواق الفورية والمستقبلية.

ثالثا: ليس هناك دليل واضح حتى الآن على أن عائدات أرامكو ستتغير لو تم التحول عن العقود إلى السوق المفتوحة، بل على العكس، الانتقال إلى السوق المفتوحة قد يفقد أرامكو قدرتها على التحكم بالأسعار. ولكن هذا الأمر قد يتغير مع الزمن حسب ظروف أسواق النفط العالمية.

رابعاً: إذا نظرنا إلى النفوط القياسية نجد أن النفط مملوك ملكية خاصة أو بالمشاركة مع شركات النفط العالمية، كما هي الحال في دبي وعمان.

الخلاصة

لنعد إلى عنوان المقال: هل يصبح خام "مربان" الإماراتي من النفوط القياسية العالمية؟ والإجابة، نعم، لأن فيه كل المقومات التي تجعله نفطا قياسيا في ظل عدم وجود منافس له في المنطقة، مع طلب شديد عليه في الأسواق الآسيوية، ووجود إنتاج كبير واحتياطيات تكفي لسنين طويلة، وسيعزز من تحكم شركة نفط أبو ظبي للبترول في سوقها، وسيساعد في تحسين ربحيتها، في الوقت الذي سيدعم فيه الشفافية في الأسواق. إلا أن نجاحه لن يكون سهلا، وسيواجه العديد من التحديات، بخاصة أن عدد العقود المحتملة قد يكون أقل من الإنتاج المخصص للتداول في هذه السوق.

المزيد من آراء