براد الغندور في طرابلس... من بناء مهجور إلى رمز للانتفاضة اللبنانية

تاريخ عاصمة الشمال يشهد على تسابق بين العائلات المتموّلة لإقامة الأبنية الكبيرة وتأجيرها

براد الغندور في ساحة النور في وسط طرابلس (اندبندنت عربية)

سنوات طويلة مضت قبل أن تدب الحياة مجدداً بمبنى "براد الغندور" الذي يتربع على ساحة النور في طرابلس، عاصمة لبنان الثانية وكبرى مدن محافظة الشمال. فبعد حوالي النصف قرن عاشها مهجوراً ومهمَلاً تحوّل إلى رمز لثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، يغطيها علم لبناني ضخم ورسالة سلام من عاصمة الشمال إلى كل المناطق اللبنانية.


"الغندور" في ضيافة ساحة عبد الحميد كرامي

كثيرة هي الأسئلة التي تدور في الأذهان حول "براد الغندور"، المبنى الذي ينهض على عقار هو الأغلى في مدينة طرابلس. ويجهل جيران "ساحة النور" سبب توقف أعمال تشييده، لذلك يغلب التخمين والظن على الأسباب التي أدت إلى تحوّل هذا المبنى الضخم إلى مكان مهجور، يسكنه الاهمال والصمت والخوف من المستقبل. وتنسج ألسنة الطرابلسيين قصصاً كثيرةً حوله، فمنهم من يتحدث عن كيديات سياسية حالت دون وضعه على سكة إنماء طرابلس على غرار المعرض الدولي ومصافي النفط، وآخر يتطرق إلى حساسيات عائلية، ولا يتأخر البعض عن الإشارة إلى مصير مأسوي للعقارات التي تنتقل إلى الورثة. وعلى الرغم من اختلاف الروايات، يجمع هؤلاء على  اعتبار "براد الغندور" دليلاً إضافياً على عدم بلوغ عاصمة الشمال عتبة الإنماء المتوازن.


وبعيداً من شعور المظلومية التي تعيشه مدينة طرابلس، يعود الدكتور فوزي طرابلسي إلى خزانة الذاكرة، ليقدم رواية حول "براد الغندور"، فهو عايش كل المراحل والتقلبات التي مرّت بها المدينة. ويشير إلى أنه في منتصف ستينيات القرن الماضي، أطلق ناظم عبدالله الغندور العنان لطموحه وبناء معمل لتبريد المنتجات والفاكهة، إضافة إلى فندق، ولكن هذا المشروع لم يصل إلى خواتيمه لأنه مع وفاة الوالد المؤسس انتقل إلى ابنَيه اللذين ما لبثا أن فارقا الحياة. ويتحدث البعض عن أنه تعرض للرهن لقاء قروض ضخمة، لم يستطع الورثة سدادها للمصارف، فيما يقول آخرون أنه بيع لرجل أعمال عراقي. ولم يشهد هذا المبنى منذ توقف البناء فيه أي إضافات وتحديث أو ترميم. وظلّ حسرةً في قلوب مالكيه وأبناء مدينة طرابلس.
وفي الوقت الذي حافظت الطوابق العلوية على طابعها الإسمنتي، تم استثمار الطابق الأرضي حيث يشغل أحد المصارف الخاصة جزءاً كبيراً منه اليوم، في حين يستثمر أحد أبناء طرابلس قسماً آخر منه مقابل مبنى السرايا الرسمي المدينة.
في داخل المبنى الذي تحيط به حالياً إجراءات أمنية مشددة، يعاين الزائر افتقاده إلى الجدران أو مقومات الأمان والإضاءة الكافية، ما أدى إلى سقوط المواطن خالد الشعراوي بعد مشاركته على المنصة الأساسية في مكان التجمع الشعبي، ونقله إلى المستشفى لمعالجته من كسور وإصابات بالغة.

 

براد الغندور والسباق العمراني

شكّل بناء براد الغندور نقلة عمرانية في تاريخ طرابلس، حيث بدأت تتعالى المدينة في البنيان بدءاً من الساحة التي كان يتوسطها تمثال عبد الحميد كرامي. ويتحدث طرابلسي عن اجتذاب محيط هذا المبنى أحد المصارف على أرض تتبع ملكيتها لآل كرامي، ومن ثم شوارع الجميزات والبولفار. واعتُبر هذا المبنى تحدياً للمباني المحيطة، فهي جميعها كانت تتكون بحدها الأقصى من طبقتين بدءاً بـ قصر آل كرامي، ومحطة البلطجي، وبناية سينما الكولورادو. لذلك يُرجَح وقف العمل بالمبنى بسبب مخالفة تنظيمية تشوبه لناحية الارتفاع والتلاصق. ويشير طرابلسي وهو رجل سبعيني، أن تاريخ عاصمة الشمال يشهد على تسابق بين العائلات المتموّلة لإقامة الأبنية الكبيرة وتأجيرها لقاء بدل، لأنهم وجدوا فيها عائداً كبيراً ونفعاً أهم من وضع الأموال في البنوك. ويُعتقد أن المتموّل جورج يزبك شق الطريق أمام هذا التوجه في عشرينيات القرن الـ20، فهو بنى لنفسه شارعاً كاملاً ما زال يُعرف باسمه حتى يومنا هذا.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

أيقونة الانتفاضة

مضت عقود من الزمن ولم تتمكن أي مبادرة من التأسيس لنهضة اقتصادية بدءاً من براد الغندور الذي يحتل مساحة كبيرة من قلب طرابلس، إلى أن جاءت ثورة 17 أكتوبر. فما إن احتلت ساحة النور جزءا كبيرا من مشهد التحركات الشعبية اللبنانية، بدأ المنظمون بالتفتيش على طريقة لتنظيم الحشود وتحفيزهم على البقاء في الساحات. وما لبث أن استقر الرأي على اعتماد شرفة براد الغندور منصة ثُبتت عليها أجهزة الصوتيات وكاميرات وسائل الإعلام المحلية والعالمية. فيما بادر فنانون إلى تجميل واجهة المبنى وجعله "أيقونة الانتفاضة" كما بات متعارفاً لدى رواد الساحة. ويؤكد رسام الكاليغرافيتي محمد الأبرش أنه قام برسم العلم اللبناني على طول المبنى بمشاركة فريق مؤلف من 14 شاباً. ويجزم أن تمويل المشروع جاء من تبرعات أبناء مدينة طرابلس، فهو أطلق نداءً عبر "فيسبوك" بضرورة إجراء نقلة نوعية ووضع لمسة فنية على المبنى. ومن ثم تمت تغطية جزء كبير من الواجهة بألوان العلم اللبناني، وبوسطه عبارة "طرابلس مدينة السلام".


يسخر الأبرش من مقولة تمويل السفارات لنشاطات الحراك الشعبي، لأن لو كان ذلك صحيحاً لما اضطر هو وفريقه إلى التوقف عن العمل ريثما يتم تأمين ثمن الطلاء للجزء المتبقي. ومع تحويل المبنى إلى لوحة فنية وطنية، يخطو محمد الأبرش خطوة إضافية في مشروع تجميل طرابلس الذي أطلقه منذ سنوات، حيث حوّل واجهات الكثير من المباني في طرابلس إلى واحات تضج بالحياة والرسائل الملونة بالأمل.
اتضح أنه مع ثورة 17 أكتوبر، شهدت طرابلس تغييرات كبيرة، فالمدينة التي طالما عانت من الاهمال، راحت تنبعث فيها الحياة بفعل مبادرات أبنائها ذاتياً من دون إنتظار مزاجية السلطة المركزية.

المزيد من العالم العربي